نصرة الإمام المظلوم أبي حنيفة - الحلقة السادسة

الشيخ فايز الكندري 11 نوفمبر 2022

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الحلقة السادسة، ويؤسس فيها فايز الكندري لما قبل الروايات: بأي أصل شرعي نتعامل مع الطعن في مسلم أصلًا؟ والجواب يقلب ترتيب البحث كله.

الكاريزما وثمن التأثير

يبدأ بملاحظة في طبائع التاريخ: ثمة شخصيات لها من الحضور ما يجعلها كالمغناطيس بقطبيه، فينقسم الناس فيها إلى محب مفرط ومبغض مفرط وثالث معتدل. وقد جرى ذلك مع سعد بن أبي وقاص حتى قيل فيه إنه لا يحسن يصلي فبرأه الله ودعا على من قال، وهم في اصطلاح المحدثين من التابعين. وأبو حنيفة من هذا النوع: غلا قوم في محبته حتى وضعوا في فضله أحاديث مكذوبة، وغلا آخرون في بغضه حتى جعلوه أضر رجل على الإسلام. ويستحضر قول ابن عبد البر في «جامع بيان العلم»: يستدل على نباهة الرجل بتباين الناس فيه، فالتباين دليل نبل لا دليل انحراف.

شواهد من الوحي على أن الكثرة ليست دليلًا

ويسوق أدلة على أن اجتماع الناس على قول لا يجعله حقًا: قصة موسى مع بني إسرائيل والحجر، حتى قالوا ما به من بأس وأظهر الله براءته؛ وحديث المرأة التي كانوا يضربونها ويقولون زنت وسرقت، فقال الصبي في المهد اللهم اجعلني مثلها، وكانت بريئة؛ وحديث خالد بن الوليد حين شكي أنه منع الزكاة فقال النبي صلى الله عليه وسلم «إنكم تظلمون خالدًا، قد احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله»؛ وقصة معاذ حين رمى فتى بالنفاق لأنه انصرف من صلاته فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبًا لم يغضبه قبله وقال «أفتان أنت يا معاذ؟»، ثم استشهد الفتى. ويعلق: لو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم حاضرًا يكشف الحقيقة، لبقيت التهمة لاصقة بذلك الفتى إلى اليوم، ولاحتج المحتج بأن معاذًا أعلم الأمة بالحلال والحرام. ثم يبلغ الغاية: قد قيل في عرض أم المؤمنين ما قيل، وممن قاله من هو من أهل بدر وممن هو قريب أبي بكر، فنزلت براءتها من فوق سبع سماوات.

الأصل: عصمة الأعراض

ويقرر الأصل بأدلته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾، وحديث «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام»، والحديث القدسي «من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب»، وحديث المفلس الذي تفنى حسناته في شتم هذا وقذف هذا. ويضيف قاعدة القضاء: البينة على المدعي، وادرؤوا الحدود بالشبهات، فإن خطأ الإمام في العفو خير من خطئه في العقوبة. ويستحضر أثر عمر: لا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملًا؛ وكلمة إياس بن معاوية لمن ذكر رجلًا بسوء: غزوت الروم والسند والهند والترك فسلموا منك، ولم يسلم منك أخوك المسلم.

الجرح استثناء مضيق

ثم يحرر موضع الاستثناء: أبيح الكلام في الرواة صونًا للسنة، وهو استثناء يجب أن يبقى ضيقًا لئلا يلبس الشيطان الغيبة ثوب النصرة للدين. ويسوق شواهد على احتياط أهل الفن: السبكي يقرر أنه لا يطلب تفسير الجرح من كل جارح، فإذا انتفت التهم وكان الجارح إمامًا والمجروح مشهورًا بالضعف لم نلجئه إلى التفسير لأنه غيبة لا حاجة إليها. والقرافي في «الفروق» يقرر أن التجريح والتعديل في الشهود إنما يجوز عند الحاكم حيث يتوقع الحكم، أما عند غيره فيحرم، لأن التفكه بأعراض المسلمين حرام والأصل فيها العصمة. ثم القاعدة المقررة: لا يجوز جرح من لا رواية له، إذ لا حاجة شرعية إليه. ويبني عليها نتيجة كبيرة: أبو حنيفة انصرف إلى استنباط الأحكام لا إلى الرواية، فمبحث الجرح والتعديل فيه ساقط من أصله، والكلام فيه داخل في غيبة المسلم بلا حاجة.

القبول الظاهري ليس يقينًا

ويضيف تفريقًا دقيقًا: قبول أهل الفن للجرح في راو حكم ظاهري للاحتياط للسنة، وليس يقينًا بصحة الطعن في نفس الأمر. ويستدل بحديث «كيف وقد قيل؟» حين شهدت امرأة بالرضاع ففارق عقبة زوجه، وبحديث «الولد للفراش» حين قضى النبي صلى الله عليه وسلم لعبد بن زمعة ثم قال «احتجبي منه يا سودة». فالحكم الظاهر شيء واليقين شيء آخر. ويروي عن ابن مهدي أنه قال لابن أبي حاتم وهو يقرأ الجرح والتعديل: إنا لنطعن على أقوام لعلهم قد حطوا رحالهم في الجنة منذ مائتي سنة، فبكى وارتعدت يداه حتى سقط الكتاب.

الخلاصة

يخرج الشيخ فايز بسؤال يوجهه لمن يستميت في إثبات الطعن: ماذا تستفيد؟ فالأولى بالمسلم إحسان الظن وترك التنقيب، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر». ثم يرد دعوى أن دفاع الحنفية عن إمامهم محاباة بسؤال مقابل: فلماذا يقبل دفاع المالكية عن مالك، والشافعية عن الشافعي، والحنابلة عن أحمد، والصحابة بعضهم عن بعض؟ ويختم بما يلتزمه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.