١٧/ نصرة للإمام المظلوم أبي حنيفة رحمه الله/ روايات المدح / فايز الكندري
أهمُّ ما جاء في الفيديو
الحلقة السابعة عشرة، وهي تكملة لروايات المدح ورد على اعتراضات وردت على الحلقة السابقة، ومحورها أن الطعن لا يبنى على اسم مطموس ولا على دعوى تصحيف.
راو التبس اسمه
يبدأ الشيخ فايز بأثر رواه الصيمري عن «عبد الله بن محمد»، ويحكي أنه قرأ كتاب الصيمري ثلاث مرات لأجل هذا الراوي وحده، فتبين له أن في الكتاب اسمين متشابهين: أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم الحلواني الشاهد المعدل المعروف بابن الثلاج، وهو متهم بسرقة الحديث؛ وأبو القاسم عبد الله بن محمد بن إبراهيم البزاز، وهو صدوق فقيه شافعي. والصيمري لم يميز. ويقول إنه رجح البزاز لأن معنى الأثر ثابت من طرق أخرى صحيحة فيسانده. ثم يمسك على المعترض تناقضًا: زعم أنه احتج براو كذاب وخدع الجمهور، والاسم مجمل في الكتاب، فمن أعلمك أنه الكذاب دون الصدوق؟ ويضيف قرينة عملية: كتاب الصيمري فيه عشرات الروايات في المدح من طريق ابن الثلاج لم يستدل بواحدة منها، فلو كان جاهلًا بحاله لاحتج بها كلها.
الاسم المطموس
ثم يعود إلى رواية العقيلي التي احتج بها المخالف على سماع منصور بن سلمة الخزاعي من شعبة. وكان قد بين في الحلقة السابقة أن اسم الراوي مطموس في النسخة الخطية وأن المحقق اجتهد في إثباته. فجاء الجواب إقرارًا متأخرًا بأن الطمس وقع لكنه لم يستوعب الاسم كله، وأن الباقي منه يدل عليه. فيرد بأن الإقرار بعد الافتضاح لا ينفع، وأن الشرع يأمر بالاحتياط في قبول الطعون في المسلمين، وأن العقيلي روى عن جماعة أسماؤهم محمد: محمد بن عيسى، ومحمد بن أحمد، ومحمد بن عثمان، ومحمد بن جعفر، بل قال في مواضع «حدثنا محمد» مجردًا. فلا يعلم أن الباقي من الحروف يعين واحدًا بعينه، وقد يكون الأصل غيره بحرف مقارب. ويقابل ذلك بمنهج النبي صلى الله عليه وسلم مع ماعز، حين جعل يعرض له بالمخارج ويلقنه العذر حتى لم يبق مخرج.
الأعمش: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة
ويسوق أثرًا يفصله سندًا: عن الأعمش، وهو شيخ المقرئين والمحدثين كما وصفه الذهبي، أنه سأل أبا حنيفة عن مسألتين فأجابه، فقال له من أين قلت؟ قال: أنت حدثتني عن فلان بهذا. فقال الأعمش: يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. ويستخرج منه فوائد: أن الأعمش يسأل أبا حنيفة سؤال المستفيد، وأن كون أبي حنيفة من الفقهاء مفروغ منه عنده، وأن أبا حنيفة يعزو الحكم إلى الحديث بإسناده، وأن العلاقة بين المحدثين والفقهاء تكاملية لا تنافسية. ويحمل على هذا وصية وكيع لطلبة الحديث بأن يتفقهوا لئلا يقهرهم أهل الرأي، فهي حث على التكامل لا خصومة، ووكيع نفسه ثبت عنه أنه كان يفتي برأي أبي حنيفة.
كتاب مكرم ومكرم نفسه
ثم يكشف تلبيسًا آخر: قيل إن الدارقطني قال في كتاب جمعه مكرم بن أحمد في فضائل أبي حنيفة إنه موضوع كله. والنص كما رواه الخطيب: سئل الدارقطني عن ذلك الكتاب فقال إنه من وضع أحمد بن المغلس الحماني، أي أن الآفة في الرجل الذي وضعه لا في مكرم الذي رواه عنه. وأثرنا هنا يرويه مكرم عن غيره لا عن الحماني، فما وجه الاعتراض؟ ويقول إنه لم يستدل بشيء من طريق الحماني أصلًا لعلمه بحاله.
دعوى التصحيف
ويعالج مسلكًا رابعًا: رد الآثار الصحيحة عن ابن معين في مدح أبي حنيفة بأثر واحد فيه نصر بن محمد البغدادي وهو مجهول، مع دعوى أن الاسم مصحف وصوابه مضر. ويجيب بأن المعلمي إنما ذكر ذلك في سياق مناقشة الكوثري، ونص بعده على أن محمد بن الحسن أجل وأفضل مما يترآه هنا، فهو لا يثبت الطعن أصلًا. ويضيف أن المعلمي نفسه اشترط لثبوت الطعن شروطًا متعددة منها ألا يقع تصحيف ولا تحريف، فكيف يبنى الطعن على دعوى تصحيف؟ ثم يقلب الاحتمال: ولم لا يقال إنه نصر بن محمد بن عبيد الله البغدادي الكاتب، أو إن الاسم انقلب على وجه آخر؟ ويقابل ذلك بما ثبت في تاريخ ابن معين برواية الدوري والدارمي، وليس فيه عن أبي حنيفة إلا المدح، وبقول يحيى بن سعيد القطان: لا نكذب الله، ربما رأينا الشيء من رأي أبي حنيفة فاستحسناه وقلنا به.
الخلاصة
يختم الشيخ فايز بمثال يجمع الباب كله: احتج المخالف برواية فيها الأصمعي لأن فيها ذمًا لأبي حنيفة، ثم عاب على ابن عبد البر بعد مئة صفحة أنه احتج بالأصمعي في شأن الوليد بن عقبة، مع أن ما ذكره ابن عبد البر ثابت أصله في الصحيحين وأقيم فيه الحد. فهو يستدل بالراوي حين يوافقه ويسقطه حين يخالفه. ويقرر أن المقصود من إسقاط ابن عبد البر معلوم: أنه صخرة في الطريق يمدح أبا حنيفة ويذب عن العلماء ويعمل قاعدة أن كلام الأقران يطوى ولا يروى. ويعد بأن الحلقة القادمة في مناقشة روايات الذم نفسها.
فيديوهات أُخرى
هل بدأ انقسام الحدادية؟ خلاف دمشقية وابن شمس في أبي حنيفة والسيوطي
