نصرة الإمام المظلوم أبي حنيفة - الحلقة الثامنة

الشيخ فايز الكندري 18 نوفمبر 2022

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الحلقة الثامنة من السلسلة، وهي مخصصة لأخطر تهمة وجهت إلى أبي حنيفة: أنه استخف بسنة النبي صلى الله عليه وسلم. يفككها فايز الكندري إسنادًا ومتنًا، ثم يعرض ما استقر عليه المذهب الحنفي نفسه في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم.

الرواية التي بني عليها الطعن

مدار التهمة أثر يرويه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبي صالح محبوب بن موسى الفراء عن يوسف بن أسباط، وفيه كلمة نسبت إلى أبي حنيفة تفيد أنه لو أدرك النبي صلى الله عليه وسلم لأخذ بكثير من قوله وترك بعضه. ويبين الشيخ فايز أن في الإسناد راويين تكلم في ضبطهما: أبو صالح الفراء قال فيه أبو داود ثقة لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب، ويوسف بن أسباط زاهد عابد لكنه دفن كتبه ثم حدث من حفظه فخلط، قال البخاري كان لا يجيء بالحديث كما ينبغي، وقال أبو حاتم لا يحتج به، وقال ابن عدي هو من أهل الصدق لكنه اعتمد على حفظه فغلط ولا يتعمد الكذب. ويضيف أن يوسف بن أسباط لا تعرف له صحبة لأبي حنيفة ولا ملازمة ولا رواية عنه، فكيف ينفرد بما لا يعرفه الملازمون له؟

المتن يكذب نفسه

ثم ينتقل إلى ما هو أقوى من الإسناد: مذهب الرجل مبثوث في كتب تلامذته. فأبو يوسف يقرر في «الخراج» عن أبي حنيفة أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم أو كذبه أو عابه أو تنقصه فقد كفر وبانت منه امرأته، فإن لم يتب قتل. وابن عابدين ينقل تكفير الحنفية بالفعل الدال على الاستخفاف بالدين، كالمواظبة على ترك سنة استخفافًا بها لا كسلًا. بل من فتاواهم أن من لعن والدي رجل من آل البيت كفر لأن اللعن يبلغ النبي صلى الله عليه وسلم. فكيف تترك هذه النقول كلها ويعتمد على أثر في إسناده ما فيه؟ ثم يضيف لازمًا خطيرًا: لو ثبت هذا الاستخفاف لصار كل من أثنى على أبي حنيفة من السابقين واللاحقين ممتدحًا لمستخف بالسنة، فالطعن في الحقيقة لا يقف عند رجل واحد.

لفظة «سجع» و«رجز»

ويقف عند الأثر الآخر: سئل أبو حنيفة عن حديث «أفطر الحاجم والمحجوم» فقال هذا سجع، وعن خبر آخر فقال هذا رجز. ويقرر أن هذا رد لثبوت النسبة لا استهزاء بقائلها، والسجع من المحسنات اللفظية، ومن قال في خبر لا يصح إنه من كلام الكهان فقد نزه النبي صلى الله عليه وسلم لا انتقصه. ويسأل: أنحاكم الرجل بقوله وفعله أم بما فهمه غيره منه؟ ثم يمسك على المخالف تناقضًا: هو نفسه أقر في صفحة من كتابه بأن أحد هذين الخبرين لا يصح، ثم عاد بعد صفحات ليحتج به وكأنه ثابت، اعتمادًا على أن القارئ قد نسي.

سلوك في النقد وسلوك في الأدب

ويعرض أمثلة على طريقة المخالف: بحث عن رواية ليوسف بن أسباط عن أبي حنيفة فوجد إسنادًا فيه خلف بن الفضل البلخي، وقول أبي الشيخ فيه «قدم علينا كثير الحديث له معرفة بالحديث وعناية به» ليس توثيقًا، فكم من كثير الحديث ضعف. ثم يرد على قوله إن يوسف بن أسباط لا يضعف لأنه زاهد معروف، فيقول: كم من العباد ضعف في الرواية، والزهد باب والضبط باب. ويشتد حين يبلغ أدبه مع الأئمة: يقول في ابن عبد البر إنه لم يصنع شيئًا سوى الدفع بالصدر، وابن عبد البر إنما أعمل قاعدة مجمعًا عليها في كلام الأقران، وبينه وبين الساجي نحو ستين سنة، وبين المخالف وبينه أكثر من ألف.

إن كانت المسألة نقولًا

ويقلب الميزان في آخر الحلقة: تأتيني بأبي زرعة وابن الجارود وابن الجوزي والساجي، وهؤلاء لم يعاصروا أبا حنيفة، فإن قبلت شهادة من لم يعاصره فاقبل شهادة الألوف. ثم يعدد: الذهبي في «مناقب أبي حنيفة وصاحبيه» وفي «ميزان الاعتدال» حيث امتنع من ذكر الأئمة المتبوعين لجلالتهم، والمزي في تهذيب الكمال، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات، وابن حجر، والسبكي، والغزالي، وابن عبد البر، وابن عبد الهادي، ثم أئمة المذاهب الأربعة جيلًا بعد جيل. ويختم بابن تيمية في «منهاج السنة»: نقلوا عنه أشياء يقصدون بها الشناعة عليه وهي كذب عليه قطعًا؛ وفي موضع آخر: من كفر أبا حنيفة ونحوه من أئمة الإسلام فهو أحق بالتكفير، ومن كفرهم فقد خالف إجماع الأمة، وتكفيرهم من جنس قول الرافضة في الصحابة والخوارج في عثمان وعلي.

الخلاصة

يقرر الشيخ فايز أن الخطيب البغدادي والمعلمي، وهما أكثر من يتترس بهما المخالف، يتبرآن من نتيجته: الخطيب يعد أبا حنيفة جليل القدر، والمعلمي يرى سدل الستار على تلك الأحوال واتباع ما مضى عليه أهل العلم قرابة سبعمائة سنة. ويعيد ما يراه أصل القضية: هذا المنهج لا يريد أبا حنيفة وحده، بل يريد أن يفجر الجسر الموصل بيننا وبين القرون الأولى، إذ يلزم من طرده أن يصير نقلة الشريعة كلهم خونة كذابين. ثم يختم بما يلتزمه في كل حلقة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.