١٩/ نصرة للإمام المظلوم أبي حنيفة رحمه الله / تفنيد روايات الذم / فايز الكندري
أهمُّ ما جاء في الفيديو
الحلقة التاسعة عشرة من السلسلة نفسها، وموضوعها الأداة قبل المادة: بأي ميزان تقبل رواية فيها طعن في عالم أو ترد؟ ثم تطبيق هذا الميزان على ما يستدل به المخالف في أبي حنيفة.
المتن هو الذي يختار المعيار
يبدأ الشيخ فايز من قاعدة الإمام أحمد: إذا جاء الحلال والحرام شددنا في الأسانيد، وإذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا. ودلالتها أن مضمون المتن هو الذي يحدد أي معيار نستعمل في وزن الرواة، لا التشهي. ويضرب مثالًا بحديث يرويه البزار في نداء عباد الله عند ضياع الدابة، حسن إسناده بعض العلماء، ومع ذلك يتشدد فيه لأن متنه يعارض ﴿وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدًا﴾. فالراوي الواحد قد ترد روايته في متن وتقبل في آخر، وليس هذا تخبطًا كما يظن من لا يفهم الصنعة.
وأشد ما يتشدد فيه: الأعراض
ويبني على ذلك قاعدته في روايات الطعن: الأصل الشرعي عصمة أعراض المسلمين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، فإذا جاءت رواية تخالف هذا الأصل شدد فيها. ويضيف ضابطين معروفين: كلام الأقران بعضهم في بعض مردود إذا قامت قرينة على أن باعثه تعصب مذهبي أو منافسة، وخلاف الرأي في القرن الأول قرينة قائمة؛ والجرح لا يعتبر في حق من استفاضت عدالته، لأنه يصير كالخبر الغريب يعارض المشهور، ولا يسقط إمام شهدت له الألوف برواية خمسة أو عشرة. ويؤكد أن هذا ليس خاصًا بأبي حنيفة، فقد طعن في مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي والطبري، وكلهم أئمتنا نحبهم ولا ندعي لأحدهم عصمة.
دعوى الإجماع على لسان ابن عبد البر
ثم يفند أخطر ما استدل به المخالف: زعمه أن ابن عبد البر حكى الإجماع على الطعن. والنص أمامنا يقول إن كثيرًا من أهل الحديث استجازوا الطعن فيه لرده كثيرًا من أخبار الآحاد، ثم يعتذر عنه ابن عبد البر نفسه بأنه إنما كان يعرضها على ما اجتمع عليه من الأحاديث ومعاني القرآن. فأين الإجماع؟ وكثير غير أكثر، وأهل الحديث قسم من العلماء لا كلهم، والأمر وقع في حقبة ثم تلاشى. ويكشف تلبيسًا آخر: أن يساق كلام ابن عبد البر وابن الجوزي والمعلمي في سياق روايات الطعن ليوهم البسطاء أنهم يوافقون في النتيجة، وهم يخالفون فيها.
ميزان يخف ويثقل
ويجمع أوجه التناقض: يستدل بابن الجوزي حين يوافقه، فإذا خالفه قال هو كثير الأوهام؛ ويستدل بابن حجر مع أنه يكفره، فإذا خالفه قال متأخر يخطئ كثيرًا؛ فإذا جيء بتوثيق الذهبي قال رد عليه ابن حجر. ومن ذلك قاعدته المخترعة أن شيوخ عبد الله بن الإمام أحمد كلهم ثقات لأن أباه لا يأذن له إلا في الرواية عن أهل السنة. ويجيب بأن انتقاء الشيوخ منهج لبعض الكبار كأحمد ومالك وشعبة وابن مهدي والقطان، لكنه الغالب لا المطرد، كما نبه ابن عبد الهادي في رواية أحمد عن موسى بن هلال. ثم يسوق ما يقطع النزاع: عبد الله بن أحمد نفسه روى عن إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل وهو مضعف عند العقيلي وابن خزيمة وابن نمير، وروى عن إبراهيم بن نصر الترمذي الذي قال فيه أبو داود يكذب في الحديث، وقال النسائي ليس بثقة، وقال الفلاس وابن خزيمة متروك.
حين يبرأ الرجل لا حين يطعن فيه
ويقف عند النخعي، وهو أبو القاسم علي بن محمد بن الحسن، راوي ما يبرئ أبا حنيفة من القول بخلق القرآن؛ ردت روايته بحجة أنه حنفي انفرد بها. فيسأل: القلب النظيف يغلب جانب التبرئة، فما الذي يسوءك في تبرئة عالم من تهمة؟ ثم يقابل الطعن بالتوثيق: الذهبي وصفه بأنه كان إمامًا في الفقه كبير القدر، والخطيب البغدادي وثقه، وأبو الحسن بن سفيان الكوفي عده من المقدمين في الفقه من ثقات الكوفيين. ويضيف نموذجًا للجهل بالفقه نفسه: رد على تضعيفه لرواية «الكعبة بمكة أو بخراسان» بأن أبا حنيفة لا يكفر تارك الصلاة كسلًا، وهذه مسألة أخرى بالكلية، فالكلام في تعمد استقبال غير القبلة الذي يعده استهزاءً، والاستهزاء كفر.
الخلاصة
يسمي الشيخ فايز صنيع خصمه تطفيفًا في الميزان: يكثر روايات الذم ومعظمها لا يصح، وما صح منها له محمل حسن، ويقلل روايات المدح وهي أكثر، ثم يتلو ﴿ويل للمطففين﴾. وينهي بموقف منصف لا يطعن في أحد من الطرفين: عبد الله بن الإمام أحمد صادق فيما روى وإن كان في الأسانيد ما فيها، والنخعي صادق فيما روى، والإمام أحمد ظن بأبي حنيفة القول بخلق القرآن لأسباب سيفصلها، ثم رجع عن ذلك قبل وفاته. ويعد بأن الحلقات القادمة ستكون في مناقشة روايات الذم واحدة واحدة.
