ماذا بعد مباهلة الحدادية؟

الشيخ فايز الكندري 2 أغسطس 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

كلمة يوجهها فايز الكندري بعد أن صارت مباهلة الحدادية حديث الناس، ليقول إن السؤال الصحيح ليس في حكم المباهلة بل في سببها، وإن المشكلة ليست في المريض بل في المرض.

لماذا لا يصح السكوت

يبدأ بشكر كل عالم وطالب علم انتبه مبكرًا إلى هذه الآفة فواجهها بالحجة، واحتمل في سبيل ذلك الأذى وسلاطة اللسان. ويرد على القائلين بوجوب السكوت: السكوت عن الغلو ليس دائمًا حكمة، والكلام عنه ليس دائمًا تضخيمًا له، والميزان هو المصلحة وحجم التأثير وقدرة هذا الخطاب على الوصول إلى الناس. ويحكي أن بدء رده كان قبل ثلاث سنوات حين نسب إليه أحدهم قولًا لم يقله في مسألة الاستواء، فتجاهله حتى نبهه مشايخ إلى أثر هؤلاء على صغار السن في الخليج والعراق والأردن وسوريا، فأمر بدراسة عنهم فصدم بأن التأثير كبير رغم ظهور الجهل.

ما لا يجوز الستر عليه

ويذكر أن تسريبات كشفت عن أخطرهم أفعالًا لا تحتمل السكوت: ابتزاز فتيات واختراق حساباتهن، وأمورًا أخرى يعف عن ذكرها، وطلبًا لجواز من جهة لا تخفى دلالته. ويضبط الحكم الشرعي في ذلك: الستر مطلوب فيما كان بين العبد وربه، فإذا تعدى الضرر إلى غيره وجب الكشف. ويسأل سؤالًا عمليًا: أترضى لابنتك أن تتلقى دورات شرعية من مثل هذا؟ فما لا ترضاه لها لا يرضاه الناس لبناتهم. ويذكر أن المشايخ عرضوا على صاحبها ألا ينشروا شيئًا مقابل أن يكف عن بث بدعه فأبى. ويشير إلى ما ظهر من دعم غير طبيعي لجهد يستحيل أن يكون وراءه شخص واحد، ثم يذكر بأن اختراق الصف الدعوي ليس جديدًا، وأن أحوال أبي القعقاع السوري ومحاولات زرع شخصيات ذات مصداقية مصطنعة شاهد على أن الزي واللحية والسمت ليست دليلًا على شيء.

عتاب لأهل العلم

ثم يوجه العتاب إلى الدعاة أنفسهم فيقول إن مشكلتنا الكبرى ليست في الحريق بل في رجال الإطفاء: سكت أكثرهم سنين حتى استفحل الأمر، فلما تكلموا بعد المباهلة تكلموا في أحكام المباهلة لا في سبب المباهلة. ويعدد أسباب الإحجام: خشية الذباب الإلكتروني، وقاعدة «أمت الباطل بهجره» وقد صارت مطلقة وهي إنما تصح في باطل مجهول محدود الأثر لا في باطل يملك المنابر والخوارزميات، والاستخفاف بجهل الخصم مع أن الجهل لا يقاس به الخطر، فقد يكون الرجل جاهلًا شديد التأثير. ويحذر من تقييم العالم بعدد متابعيه، ومن هالة المظهر والكتب في الخلفية ونبرة الجزم، ويذكر أن أحدهم انكشف حين ظهر في تسجيله صوت أداة ذكاء اصطناعي كان ينقل عنها أجوبته. وأشد ما يؤلمه صنيع من يتسامح مع الغلاة ويتشدد على من يقاومهم، فيجمع هفوات الرادين ويحولهم إلى المتهمين.

أصل الخلل: أقوال السلف ليست تشريعًا مستقلًا

ويسمي هذه أخطر نقطة: أن تنتزع عبارة شديدة لعالم من السلف فتعامل كآية محكمة، بينما لو جاء عن العالم نفسه حكم في هيئة من هيئات الصلاة لطولب بدليله من الكتاب والسنة. ومصادر التشريع أربعة يعرفها كل من درس أصول الفقه، وليس فيها قول أحد بعينه، وإجماعهم حجة أما قول بعضهم فلا. ويضع أسئلة لازمة عند قراءة الآثار الشديدة: هل ثبتت؟ وهل ألفاظها محفوظة؟ وما معنى المصطلح في عصر قائله؟ وهل الحكم على مقالة أم على معين؟ وهل قيل في سياق محنة أو خصومة؟ وهل خالفه معتبرون؟ وينبه إلى أن قاعدة الشروط والموانع صحيحة في موضعها لكنها وحدها لا تكفي، لأن صاحب الغلو سيقول توفرت وانتفت، فالأضبط أن يبدأ البحث من أول الطريق: هل ثبت أصلًا أن هذا القول كفر بدليل قطعي؟ ويحذر من الأخذ بلازم المذهب، فالأشاعرة يؤولون الصفات ولا ينفونها، ومن يرميهم بالنفي جاهل أو كاذب، كما أن رميهم للمثبتة بالتجسيم من الجنس نفسه.

فقه المآلات

ويضيف بابًا يراه غائبًا: مراعاة مآلات الخطاب. فعبارة كانت مفهومة في بيئة علمية قديمة لها أعرافها، إذا اقتطعت اليوم وبثت إلى ملايين الشباب صارت وقودًا للتكفير واستباحة الأعراض. ويستشهد بندم أنس على تحديث الحجاج بقصة العرنيين لما رآه وظفها في بطشه، ويقرر أن هذا فقه التحديث لا كتمان للسنة: ليس كل ما يعرف يقال، ولا لكل أحد، ولا مجردًا عن الشرح والضوابط. ومن ثم يوصي بمنهجية تعليمية لقراءة كتب التراث العقدي، فهي مليئة بما يحتاج تحريرًا، ولا يجوز أن تلقى إلى الناشئة بلا مفاتيح علمية فيقرؤوها بعقلية الفرز والتصنيف.

الخلاصة

يقرر الشيخ فايز أن الحدادية ليست اسم جماعة بل عقلية لها سماتها: تضخيم الأخطاء، وسوء الظن، وتتبع الزلات، وإسقاط العلماء، والولاء والبراء على الأشخاص، وتحويل مسائل الاجتهاد إلى امتحانات في العقيدة. ومن حمل هذه الصفات فله نصيب منها أيًا كان شعاره، ولذلك يخاطب المتشددين من كل جهة بالكلمة نفسها: خالف واعترض واطرح، لكن بأدب. أما المباهلة فيصرح بتحفظه على جعلها محور القضية لأنها باب خطير لا ينبغي أن يصير وسيلة اعتيادية ولا مشهدًا جماهيريًا بديلًا عن الحجة، ومع ذلك يذكر لها ثمرة ظاهرة: أن فضائح هذا الفكر صارت على كل لسان، وأن نائمين سنين طويلة استيقظوا اليوم يتكلمون.