١٦/ نصرة للإمام المظلوم أبي حنيفة رحمه الله / تفنيد روايات الذم / فايز الكندري
أهمُّ ما جاء في الفيديو
الحلقة السادسة عشرة، وهي أول حلقة يدخل فيها فايز الكندري إلى روايات الذم نفسها ليفحص أسانيدها ومتونها، بعد أن قرر تعجيل السلسلة وإحالة التفصيل الطويل إلى كتاب يعده.
لعن شعبة المزعوم
ثبت أن شعبة كان حسن الرأي في أبي حنيفة، وكان يستنشد أبيات مساور الوراق في مدحه، والاستنشاد طلب للإنشاد فهو رضًا وقبول. فعارض المخالف هذا بأثر عند عبد الله بن الإمام أحمد في «السنة» فيه أن شعبة كان يلعنه. ويكشف الشيخ فايز علته: راويه منصور بن سلمة الخزاعي لم يرو عن شعبة شيئًا، ولد بعد سنة 140 للهجرة ونشأ ببغداد وشعبة بالبصرة، والذهبي سرد قائمة طويلة بمن روى عن شعبة فلم يذكره، ولو روى عنه لعُدَّ ذلك من مناقبه إذ الرواية عن أمير المؤمنين في الحديث ليست بالأمر الهين. فالإسناد منقطع، وهذا إرسال خفي لا تدليس، والفرق بينهما حرره ابن القطان وابن عبد البر: التدليس أن يروي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه منه، والإرسال الخفي أن يروي عمن لم يسمع منه أصلًا.
متابعة على اسم مطموس
ولما نبه على الانقطاع جاء المخالف بمتابعة عند العقيلي في «الضعفاء»، وقال إن ابن جناد تابع عبد الله بن أحمد. ويعرض الشيخ فايز ما في الحاشية: اسم الراوي غير ظاهر في نسخة المكتبة الظاهرية، والمحقق نفسه صرح بأنه اجتهد في إثباته استئناسًا بمواضع أخرى. فكيف تساق المتابعة وكأنها مسلمة، ويُمرُّ على هذه النقطة بلا بيان؟ ثم يسأل سؤالًا أخلاقيًا قبل أن يكون علميًا: أيطعن في مسلم برواية اسم راويها مطموس؟
«حسن الرأي» عند المحدثين
ويرد على قوله إن عبارة «كان حسن الرأي فيه» لا تفيد المدح ولا التبرئة، فيبين أنها عند أهل الفن تعديل: قالوا في إبراهيم بن محمد الأسلمي إن الشافعي كان حسن الرأي فيه فعدوه تعديلًا، وفي بشر بن موسى الخفاف إن أحمد كان حسن الرأي فيه، وفي محمد بن كثير القرشي إن ابن معين كان حسن الرأي فيه. ثم يضيف لازمًا: هل يعقل أن يحسن شعبة رأيه في رجل يعتقد فيه أنه يقول بخلق القرآن أو يرد السنة؟ فرد الطعن هنا دفاع عن شعبة نفسه لا عن أبي حنيفة وحده.
أثر الأوزاعي ينقض ما بني عليه
ويقف عند أثر يصححه المخالفون أنفسهم: قول الأوزاعي احتملنا عن أبي حنيفة كذا وكذا وكذا، حتى جاء بالسيف على أمة محمد فلم نقدر أن نحتمله. والسيف هنا الخروج على الحاكم الجائر، وهي مسألة اختلف فيها السلف: خرج الحسين، وابن الزبير، وأهل المدينة يوم الحرة، وسعيد بن جبير، وأفتى مالك بالخروج مع محمد النفس الزكية كما أفتى أبو حنيفة. فإذا كان أشد ما لم يحتمله الأوزاعي مسألة خلافية، فكيف يقال إنه كان يرى فيه القول بخلق القرآن أو رد السنة أو الاحتيال على الشرع، وهي مما لا خلاف في تحريمه؟ ويضيف أن أكثر ما يستدل به من روايات في هذا الباب مدارها على عبدة بن عبد الرحيم بن حسان، قال فيه أبو داود لا أحدث عنه، وذكره الذهبي في ديوان الضعفاء وقال له ما ينكر.
ابن المبارك وثلاثمائة حديث
ثم يسوق ما يقلب الصورة. سأل نعيم بن حماد عبد الرحمن بن مهدي: أيهما أفضل، سفيان أو ابن المبارك؟ فقال ابن المبارك. وحكى إسحاق بن راهويه أنه كان صاحب رأي، فلما أراد الخروج إلى الحج عمد إلى كتب ابن المبارك فاستخرج منها ما يوافق رأي أبي حنيفة من الأحاديث فبلغت نحو 300 حديث. ثم أنشد بين يدي ابن مهدي مرثية أبي تميلة في ابن المبارك فبكى، حتى بلغ البيت الذي فيه «وبرأي النعمان كنت بصيرا» فقال: اسكت فقد أفسدت القصيدة. ويعلق: خصومة ابن مهدي مع الرأي لا تخفى، ومع ذلك فالبيت شهادة على أن ابن المبارك بقي على ذلك حتى مات، ولم ينكره ابن مهدي ولا إسحاق. أما ضرب ابن المبارك على حديث أبي حنيفة ورأيه من كتبه في آخر ما قرأ بالثغر، فيحمله الشيخ فايز على السياسة الشرعية: الرجل في ثغر بمواجهة عدو، والحفاظ على وحدة الصف مقدم على إثارة نزاع المدرستين، ويقرب ذلك بتجربته حين كان يدرس في كراتشي فترك الجهر بالتأمين مراعاة لجماعة المسجد.
«من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة؟»
ويختم بأثر يرويه الخطيب بإسناد يفحص فايز رجاله واحدًا واحدًا: قال ابن المبارك قدمت الشام على الأوزاعي فرأيته ببيروت، فقال لي: يا خراساني، من هذا المبتدع الذي خرج بالكوفة يكنى أبا حنيفة؟ ووجه الشاهد أنه لا يعرف اسمه، ومن جهل الاسم فأولى أن يجهل حقيقة المذهب، والحكم على الشيء فرع عن تصوره. فرجع ابن المبارك إلى كتبه عن أبي حنيفة فاستخرج منها جياد المسائل ثلاثة أيام، ثم جاء بها فرآها الأوزاعي بيده فسأله عنها، فقرأها قائمًا حتى أذن، ثم أتم قراءتها بعد الصلاة، ثم قال: يا خراساني، من النعمان بن ثابت هذا؟ قال: شيخ لقيته بالعراق. قال: اذهب فاستكثر من العلم قبل أن يموت. فقال: هذا أبو حنيفة الذي نهيت عنه. وينقل عن الإمام أحمد أن الأوزاعي لم يسمع من أبي حنيفة إنما عابه، فهذا شأن أكثر من تكلم فيه: بلغته الأخبار ولم يلق الرجل.
فيديوهات أُخرى
هل بدأ انقسام الحدادية؟ خلاف دمشقية وابن شمس في أبي حنيفة والسيوطي
