نصرة الإمام المظلوم أبي حنيفة - الحلقة الحادية عشرة: الرأي (1)

الشيخ فايز الكندري 10 ديسمبر 2022

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الحلقة الحادية عشرة من سلسلة فايز الكندري في نصرة أبي حنيفة، ومحورها مصطلح «الرأي»: ما معناه، ولماذا اشتد فيه خلاف السلف، وكيف انطفأ الخلاف بعد أن تحرر المصطلح واستقر. ويسبق ذلك جواب عن مؤاخذات وجهت إليه.

خطأ في نطق اسم، وخطأ في الأعراض

يفتتح الشيخ فايز بإقرار صريح: نعم أخطأ في نسبة ابن قتيبة فقال «الدينوري» بفتح الدال والصواب كسرها، وهو نسبة إلى مدينة دينور. ويزيد على خصمه فيذكر له أخطاء أخرى لنفسه في نطق اسم، وفي إمامة الناس بآية من قصار السور. ثم يقول: لا أخجل من هذا، وإنما أحمد الله أن كان خطئي في القشور لا في أعراض أئمة المسلمين، وأن عصمني من أن يلغ لساني في تكفير من نقلوا إلينا الشريعة. ويطلب: إن جاء يوم أطعن فيه في أحد منهم فقولوا لي حينئذ ما شئتم من هذا وأشد.

ما نسب إليه في كلام البخاري

ثم يجيب عن تهمة الطعن في البخاري بسبب فهمه لقوله في «خلق أفعال العباد»: حركاتهم وأصواتهم واكتسابهم وكتابتهم مخلوقة. ويبني جوابه على السياق: الحركات هنا ليست الحركة إلى السوق، والأصوات ليست السلام والتحية، والكتابة ليست كتابة رسالة، بل كلها خاصة بالقرآن، فلماذا يخرج «الاكتساب» وحده إلى المعنى العام؟ ويدل على ذلك أن البخاري ساق بعده آثار بيع المصاحف وشرائها، وقول الشعبي إن بائع المصحف إنما يبيع عمل يديه، ليستدل بالواضح على المشكل: أن المكتوب المشترى مخلوق. ويضيف أن ابن تيمية نص على أن الخلاف في مسألة اللفظ وقع بين البخاري والذهلي، ووافقه فيه مسلم وخالفه أبو زرعة وأبو حاتم، فالمعنى الذي نسبه إليه معنى صحيح في نفسه سواء ثبت عن البخاري أم لا.

لماذا لا تجوز المجاملة

ويقف عند ظاهرة يراها خطيرة: أناس يروجون للحدادية لمجرد أنهم يوافقونهم في نقد غيرهم. ويجيب بمثل واضح: هل نروج للدواعش لأنهم أنكروا جرائم الأمريكان؟ ثم يبين وجه الخطر: خصوم آخرون يقفون عند المعاصرين ولا يتجاوزونهم، أما هذا المنهج فيقطع حلقة الوصل بيننا وبين القرون الأولى، ويسقط عدالة نقلة الشرع أنفسهم، فتصير الأجيال القادمة تكفر من لا يكفر.

ما هو الرأي؟

ثم يدخل الموضوع: مصطلح الرأي لم يكن محررًا عند السلف، شأنه شأن الفرض والواجب والسنة والنسخ، فاستعمل ممدوحًا ومذمومًا معًا. ويسوق تعريف القاضي أبي يعلى الحنبلي في «العدة»، وهو ممن جاء بعد الإمام أحمد بنحو قرن ونصف، ثم تعريف ابن القيم في إعلام الموقعين: ما يراه القلب بعد فكر وتأمل وطلب لمعرفة وجه الصواب فيما تتعارض فيه الأمارات. ويضبط العلاقة بالقياس: دائرة الرأي أوسع، والقياس جزء منها. ويوضح أن العالم قد يرد حديثًا لا هوى، بل لنص آخر يراه أرجح، أو لقاعدة أصولية، كقول أبي حنيفة إن خبر الآحاد الظني لا يقوى على تخصيص القطعي من الكتاب والسنة المتواترة، مع قبوله للخبر واعتباره وتقديمه للحديث الضعيف على القياس.

آثار الذم وآثار المدح

ويجمع الطرفين حتى لا يفرح أحد بشطر ويترك شطرًا. فمن جهة الذم: حديث البخاري في اتخاذ الناس رؤوسًا جهالًا يفتون برأيهم فيضلون ويضلون، وفسره ابن عبد البر بالقياس على غير أصل والكلام في الدين بلا رد للفروع إلى أصولها. ومن جهة المدح: كتاب عمر «هذا ما رأى الله ورأى عمر، فإن يكن صوابًا فمن الله وإن يكن خطأ فمن عمر»، وقول ابن مسعود في المفوضة أقول فيها برأيي، وقول ربيعة الرأي فمن شاء أخذه ومن شاء تركه. ويلفت إلى ضابط عمر الدقيق: لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة، أي لا يسوى المستنبط بالثابت. ويستشهد بأن سوء التقدير يقع حتى بين الصحابة، فابن مسعود أنكر على من فسر الدخان بأنه من علامات الساعة وعده قولًا بالرأي، وقد جاء في صحيح مسلم عده من العلامات العشر.

الخلاصة

يختم بأن المسألة انتهت وبانت منذ قرون، حتى الحنابلة أنفسهم أخذوا بالرأي المنضبط بالشرع وتركوا وجهة نظر إمامهم بعد أن اتضح الأمر، فمن يحيي هذا الخلاف اليوم كمن نام طوال المباراة ثم أراد أن يسجل هدفًا بعد انتهائها. ثم يوجه كلمته للشاب: أن تترك ابن تيمية وابن القيم وابن عبد البر والذهبي وابن رجب ومن بعدهم من العلماء الذين ترحموا على أبي حنيفة ونفوا عنه رد السنة بالهوى، ثمانمائة سنة من أهل العلم، لتتبع من لا يفرق بين ضمير الغائب واسم الإشارة، فهذا قرارك وستحمل تبعته. ويعد بمواصلة الكلام في الرأي في الحلقة التالية.