١٨/ نصرة للإمام المظلوم أبي حنيفة رحمه الله / تفنيد روايات الذم واسقاط ابن عبد البر / فايز الكندري
أهمُّ ما جاء في الفيديو
الحلقة الثامنة عشرة، وهي شقان: كشف لمحاولة إسقاط ابن عبد البر تمهيدًا لإسقاط من دافع عن أبي حنيفة، ثم فحص لروايات الذم الأشهر واحدة واحدة.
لماذا ابن عبد البر بالذات؟
يبدأ الشيخ فايز من فصل عقده المخالف في كتابه بعنوان «وقفة مع ابن عبد البر»، ويسأل: ما علاقة ابن عبد البر بأبي حنيفة؟ ثم يجيب بأن مطلع الفصل نفسه يكشف المقصد، إذ افتتحه بقوله إن المدافعين عن أبي حنيفة كثيرًا ما يعتمدون على كتابه «الانتقاء»، ثم أعقب ذلك بوصفه بالتشيع. ويبين أن التشيع في اصطلاح المتقدمين تفضيل علي على عثمان أو الغلو في محبته من غير طعن في أحد، وقد وصف به النسائي والحاكم، بل نسب بعضهم إلى الشافعي شيء منه، فما وجه إقحامه هنا إلا التمهيد؟
الحارث الأعور والوليد بن عقبة
ثم يتتبع خطوات التمهيد. أولاها: أن ابن عبد البر دافع عن الحارث الأعور وزعم أن الشعبي ظلمه، فأوهم القارئ أن المسألة مجمع عليها، والواقع أن العلماء اختلفوا فيه: وثقه ابن معين حتى قال الدارمي لا يتابع على قوله فيه إنه ثقة، وقال النسائي ليس به بأس، ووصفه الذهبي بالعلامة وقال إنه من أوعية العلم، وحمل قول الشعبي فيه على الخطأ لا على تعمد الكذب. وثانيتها: كلامه في الوليد بن عقبة، وقد ذكر ابن عبد البر أن أخباره فيها نكارة وشناعة، ثم قال غفر الله لنا وله، وأثنى على حلمه وشجاعته وأدبه. ويبين فايز أن ابن عبد البر إنما استند إلى آية نزلت فيه لا خلاف يعلمه في ذلك، وإلى حديث صحيح، لا إلى قول الأصمعي كما ادعي عليه؛ بل الأصمعي نفسه هو الذي أطلق عليه لفظ الفسق، والذهبي قال «وكان مع فسقه، والله يسامحه، شجاعًا قائمًا بأمر الجهاد»، فلماذا سكت عن هذين وشنع على الناقل وحده؟ ويجيب: لأنه يحتاج الأصمعي في روايات الذم، ولا يحتاج ابن عبد البر لأنه صخرة في طريقه.
«الكعبة بمكة أم بخراسان»
ثم ينتقل إلى روايات الذم. فأشهرها ما رواه الخطيب من سؤال عن رجل يشهد أن الكعبة حق ولا يدري أهي التي بمكة، وفي إسناده الحارث بن عمير البصري، قال ابن حبان روى عن الأثبات الموضوعات، وقال أبو الفتح الأزدي منكر الحديث، وقال ابن خزيمة كذاب. ولها طريق آخر فيه مؤمل بن إسماعيل، قال البخاري منكر الحديث، وقال المروزي إذا انفرد بحديث وجب التوقف فيه، وفيه أيضًا عباد بن كثير وقد قال فيه سفيان نفسه كذاب. ومثلها رواية القاسم بن حبيب التمار، قال ابن معين لا شيء، وقال ابن حجر لين الحديث. ثم يضيف ما هو أقوى من الإسناد: المذهب الحنفي يرى استقبال القبلة شرطًا لصحة الصلاة، ويكفر من تعمد الصلاة إلى غير القبلة لأنه استخفاف، فكيف يصح عنه ما ينقضه؟
«لو عبد هذه النعل»
ويقف عند أثر آخر عند الخطيب فيه نسبة قول إلى أبي حنيفة في تجويز عبادة النعل لمن يعرف الله بقلبه. ويقول: هذا مما لا يقوله أحد من أهل الملل، ولو صح إسناده كالشمس لرد، لأن مذهبًا يكفر من صلى بلا وضوء متعمدًا استخفافًا لا يجوز عبادة نعل. وفي إسناده عبد الله بن جعفر بن درستويه، سئل عنه البرقاني فقال ضعفوه. ويضيف أثرًا ثالثًا في نسبة القول إن إيمان أبي بكر وإيمان إبليس واحد، وفي إسناده محبوب بن موسى الأنطاكي قال فيه أبو داود ثقة لا يلتفت إلى حكاياته إلا من كتاب، ثم يبين أن سياقه نفسه يدل على أنه إلزام لا نقل، فقد ختم الراوي بقوله ومن كان من المرجئة ثم لم يقل بهذا انكسر عليه قوله، ولازم القول ليس بلازم، كما أن من يثبت الوجه لله لا يلزمه التشبيه وإن ألزمه به المؤول.
رواة أخرى ورواتها
ويمر على أثر مالك عند الوليد بن مسلم، فينقل أن الوليد وإن وثق فقد وصف بأنه يدلس تدليس التسوية عن الكذابين، وقال فيه أحمد كثير الخطأ، وقال أبو حاتم شديد الغلط، وقال أبو داود كل منكر يجيء عن الوليد بن مسلم. ثم أثرًا آخر فيه شريك النخعي، وقد وصف بالتدليس وكثرة الغلط والوهم، وقال فيه الأزدي غالي المذهب سيئ الحفظ، ونبه أحمد إلى شدته على المخالفين، وهي شدة تحمل صاحبها على المبالغة في الحكم.
الخلاصة
يقرر الشيخ فايز أن كثرة الطعون الساقطة نفسها قرينة لا حجة عليه: أي قاض منصف إذا رأى ركامًا من التهم المتهافتة على رجل ازداد حذرًا وأيقن أن وراءها ما وراءها، ولا يرمى بالحجارة إلا الشجر المثمر. ثم يبني القياس على أصل حديثي معروف: نحن نرد الحديث الصحيح إسناده إذا خالف ما هو أوثق منه ونسميه شاذًا، فكيف لا نرد رواية آحادية تخالف مئات المسائل المدونة في كتب تلاميذه وأصحاب مذهبه من «الهداية» و«فتح القدير» و«البحر الرائق» إلى حاشية ابن عابدين؟ ويستشهد بحديث «إذا سمعتم الحديث عني تعرفه قلوبكم… فأنا أولاكم به، وإذا سمعتم الحديث عني تنكره قلوبكم… فأنا أبعدكم منه».
