قصة الفتنة المعاصرة بالإمام أبي حنيفة | د. فهد بن صالح العجلان | الحلقة (2)

الشيخ د. فهد بن صالح العجلان 25 يونيو 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

الحلقة الثانية من محاضرة الدكتور فهد بن صالح العجلان، وفيها يجيب عن ستة اعتراضات توجَّه إلى ما استقر عليه المسلمون في الإمام أبي حنيفة، ثم يبين إشكالات المرويات ومفاسد هذه الظاهرة.

خلاصة ما مضى

يستفتح بتلخيص الحلقة الأولى: أن الظاهرة طعن معاصر متقصَّد لإسقاط اعتبار الإمام وإلغاء مذهبه، وأنها ظاهرة عصرية لا تقتضيها حاجة، مادتها شبكات التواصل، ويغيب عنها أهل العلم المعروفون. وأن التعامل مع المقولات الواردة له مسلكان صحيحان: إجمالي بالكف عن الخوض واكتفاء بحسن الظن في الجميع، وتفصيلي بالنظر في أسباب الطعن وبيان أنه لا يؤثر على ما استقر عليه عمل الفقهاء.

ما لا تصح نسبته إليه

ثم يقرر أن من هذه المطاعن ما لا يجوز نسبته إلى الإمام: إما لضعف طرقه، وإما لأن قائله أخطأ في نسبة القول إليه كما يغلط العالم في النسبة، وإما لأن فيه تجاوزًا. ويستشهد بإنكار يحيى بن معين حين بلغه بعض ما قيل فقال: أساء؛ وبقوله: أصحابنا يفرطون في أبي حنيفة وأصحابه؛ وبقول الشافعي في الرد على محمد بن الحسن إنه يحب الكف عن ذكر ما قالوه لإفراطه؛ وبقول ابن تيمية إنه لا يستريب أحد في فقهه وفهمه وعلمه، وإن مما نُقل عنه ما هو كذب عليه قطعًا. ويبيّن أن نقل العلماء لهذه الآثار في كتبهم ليس إقرارًا لكل ما فيها، وإنما هو عادتهم في سوق المرويات، وإنما وقعت الفتنة حين صارت بأيدي من لا يحسن التعامل معها من الطرفين.

مسلكان

ويقابل بين مسلك عامة الفقهاء على اختلاف مذاهبهم - احترام علمه وتقدير مذهبه ومناقشة ما ينقل عنه بالحجة مع حفظ مقام من ردّوا عليه - ومسلك الخائضين الذين يرون أنه لا مناص من الطعن في أحد الطرفين. ويذكر أن فريقًا آخر قابلهم بالاستطالة على أئمة الحديث دفاعًا عن أبي حنيفة، فتقابل الضيقان تقابلًا مذمومًا.

ستة اعتراضات وأجوبتها

ثم يورد الاعتراضات ويجيب عنها. الأول: أن إعذاره يلزم منه الطعن في الناقد؛ فيجيب بأن الثناء على شخص لا يلزم منه القدح في جارحه، وأن هذا اللازم ينقلب على أصحابه إذ يلزمهم القدح في كل من أحسن القول فيه. الثاني: أن إجماع المتقدمين مقدَّم؛ فيجيب بأنه لا تعارض أصلًا، وبأنه لم ينعقد إجماع في ذمه لأن مدرسة أهل الرأي وأتباعه وطلابه وقضاته كانوا حاضرين في عصره، وينقل إشكال ابن أبي حاتم وجوابه، وبأن النقد كان من أكثر أهل الحديث لا من جميعهم كما دقّق ابن تيمية، وبأن الحجة في التوافق المتأخر إنما هي من جهة قيامه على نظر شرعي مصلحي. ويضيف أن لازم قولهم تجهيل الأمة قرونًا متوالية وأن الطائفة المنصورة اختفت. الثالث: أن الأقوال لا تموت بموت أصحابها؛ فيجيب بأن أقوالًا كثيرة ماتت بل في حياة أصحابها، وأن جعل كل طعن ماضٍ لازمًا لكل زمان دعوى منكرة في نفسها. الرابع: لماذا لا يُتأوَّل للطاعنين المعاصرين؟ فيفرّق بين ميت أفضى إلى ربه فصار المقام مقام استغفار له، وحيٍّ مقيم على خطئه مجتهد في نشره، وأن الواجب أن تضيق مسالك التأول عند الأحياء لا أن يطالب المرء بفتحها لنفسه في حياته. الخامس: أن غاية ما يثبت أن يكون من عامة المسلمين لا إمامًا؛ فيجيب بأن الإمامة أمر ثبت واستقر، وأن تتابع الناس على النظر في فقهه والحكم به في دمائهم وأموالهم شرف عظيم وحسنات جارية، وأن هذا لم يحصل إلا بصفات من صدق في طلب الحق وزهد وورع وتجنب للولايات. ويفرق بين إمامته وإمامة أهل البدع بأربعة فروق. السادس: أن من سلك طريق السلف لأجل المصلحة لا يُعنَّف؛ فيجيب بأن تحذيرهم كان ممن أجمعت الأمة على الاستماع لهم، وكان قبل استقرار المذهب، وكان له وجه مصلحة زال اليوم فلم يبقَ إلا إذكاء النزاع.

ست إشكالات في المرويات

ثم ينتقل إلى المرويات نفسها فيسجل عليها ست إشكالات. ضخامتها، حتى إن ما في تاريخ بغداد وحده يتجاوز مائة وخمسين صفحة بأسانيد متأخرة ورواة يخفى حالهم، ولو تفرغ لها باحث متمرس لاحتاج سنة للحكم الظاهر عليها، ثم يبقى إشكال فهم السياق وإشكال التعارض. وأنها مبحث دقيق تاريخي لا حاجة للشاب فيه، فبدل أن يُنصح بحفظ القرآن ودراسة التفسير والفقه والأصول يُدفع إليها. وأن الصحيح منها ليس على درجة واحدة، فمنه ما هو حق، ومنه تشديد اجتهادي، ومنه نظر اجتهادي، ومنه ما لا يصح نسبته، ومنه ما قيل في حال غضب، ومنه ما تاب منه الإمام. وأن كتابتها لم تكن بقصد أصحابها ولا برضاهم، ويستشهد بقول الأوزاعي: كان هذا العلم كريمًا يتلقاه الرجال بينهم، فلما دخل في الكتب دخل فيه غير أهله؛ وبإنكار الإمام أحمد الشديد على من يجمع المثالب. وينقل عن المعلمي أن كلام العالم قد يصدر على جهة الغضب فلا يؤخذ على حرفيته، وقول ابن خزيمة نحوه. وأنها قامت على مراعاة مصلحة حفظ دين الناس من التأثر بمن يُتَّبع، فهي تشديد مصلحي لا حكم تعبدي مستمر. وأنه لا حاجة معاصرة إليها أصلًا؛ والحاجة التي وقعت إنما كانت في الرد على من استطال على الأئمة من المتعصبين، وقد قدّم الشيخ المعلمي في «التنكيل» منهجًا عادلًا في ذلك، وتعمّد ألا ينقل متون الآثار الطاعنة لثلاث مفاسد ذكرها، وذكر عشرة شروط لا بد من اجتماعها حتى يُقبل الذم على ظاهره وقال: هيهات أن تجتمع. وختم كتابه بالاستغفار: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾.

خمس مفاسد

ثم يعدد مفاسد الظاهرة. الغيبة، وهي محرمة قطعًا، والاستثناء إنما هو للتحذير العارض لحاجة ترجى منه مصلحة ممن لكلمته أثر، لا استباحة كلية لعرض مسلم؛ ويسوق وصية أبي سنان: إذا كان طالب العلم قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم وقيعة في الناس، فمتى يفلح؟ والتعيير والتنابز بالألقاب، حيث يُختصر عالم في كلمة تُعيَّر بها، وهو يضاد أصل الأخلاق وأصل العدل؛ ومنه السخرية بالمذهب وفتاواه، وهي استطالة بالحق على الخلق، وقد عد ابن تيمية في الواسطية النهي عنها من اعتقاد أهل السنة. والتعصب والطعن المضاد، إذ تستفز هذه الطريقة محبي الإمام فتجرّهم إلى الاستطالة على أئمة الحديث، فتشتعل الخصومة من الجانبين. وإثارة الخصومات بين المؤمنين، وهي خصومة مع مذهب فقهي كامل ومع عامة المسلمين معه؛ وينقل عن ابن عقيل أنه كما يجب الإغضاء عن زلات الوالدين يجب الإغضاء عن زلات القرون المفضلة، وعن ابن تيمية أن كل طبقة متأخرة ينبغي أن تستعمل مع من قبلها معنى آية الاستغفار. والانشغال عن الدعوة الصحيحة وتشويهها، إذ يصير الموقف من أبي حنيفة عنوانًا لدعوتهم فينفر الناس منها.

الخلاصة

يختم بأن المطلوب ممن بقي مصرًّا يسير جدًّا: لا أن يكتب في فضل الإمام، ولا أن يدافع عنه، ولا حتى أن يعتقد فضله في قلبه؛ بل أن يكف لسانه وينشغل بما ينفعه وينشر السنة دون استطالة على أحد، وألا يجعل الطعن محنة يمتحن بها الشباب حتى لا يُعدّ متبعًا للسلف إلا إذا خاض في عرض هذا الإمام. ويقول إن السكوت لا حرج فيه بحال، وإن من أبى إلا المناكفة فليعلم أنه لن يلقى من العلماء ولا من عامة المسلمين إلا الإنكار، وألا يلتبس عليه الأمر فيحسب ذلك رفضًا لمنهج السلف؛ فإنما هو رفض لضعف العقل وضيق النفس وقصور العلم. ويختم بالآية التي كررها في المحاضرة: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.