قصة الفتنة المعاصرة بالإمام أبي حنيفة | د. فهد بن صالح العجلان | الحلقة (1)

الشيخ د. فهد بن صالح العجلان 22 يونيو 2026

أهمُّ ما جاء في الفيديو

محاضرة يفصل فيها د. فهد بن صالح العجلان ظاهرة معاصرة يسمّيها الفتنة بالإمام أبي حنيفة: يعرض صورها وسماتها، ثم يقرّر الاتفاق التاريخي على إمامته، ثم يفحص مطاعن الجرح واحدًا واحدًا.

تحرير الموضوع

يفتتح المحاضر ببيان ما ليست هذه المادة: ليست ترجمة لأبي حنيفة ولا بيانًا لفقهه، فذلك يُطلب من مظانه. وإنما هي حديث عن ظاهرة يعرّفها بأنها الطعن المتقصَّد بغرض الانتقاص والتحذير منه ومن مذهبه، لا نقدٌ علمي عابر اقتضاه بحث.

صور الظاهرة وسماتها

ويعدّ لها ثماني صور: الطعن في دينه تكفيرًا أو تشكيكًا أو تبديعًا، وتصويره معاندًا للسنة يقدّم قوله على صريح الحديث، والحكم ببطلان التمذهب بمذهبه وإخراجه من المذاهب المعتبرة، وذكر أوصاف قادحة عنه بقصد التحقير لا البيان، ووسمه بقلة الورع والتحايل على الشرع، وتجهيله والاستهانة بفقهه، والطعن في كل من يعظّمه، والسخرية من آرائه وفتاوى أصحابه. ثم يذكر أربع سمات: أنها لا تستوجبها حاجة معاصرة ولا نازلة، وأن مجالها الأبرز شبكات التواصل ولا حضور لها خارجها، وأنه لا يشارك فيها أحد من العلماء المعروفين وإنما عدد قليل من المنتسبين إلى طلب العلم بعضهم بأسماء مستعارة، وأنها تقوم على نقل روايات الجرح الواردة عن السلف والبناء عليها بدعوى أن ذلك هو اتباع منهجهم.

الأصل المتفق عليه

ثم يقرر أن فقهاء الإسلام على اختلاف أمصارهم ومذاهبهم أجمعوا قرونًا على توقيره والترحّم عليه واعتبار مذهبه حتى استُبيحت به الدماء والأموال والأعراض قضاءً وإفتاءً. ويستخرج من ذلك أمرين: دلالته على فضله، ودلالته على صحة مذهبه طريقًا سائغًا. ويستشهد بابن تيمية في عدّ من اتفق المسلمون على الثناء عليه ممن يُرجى له الخير، وفيهم عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وسفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وابن المبارك. وبقول ابن أبي الخير العمراني إنه يبرّئه من هذه المقالة لأن الله جعله إمامًا لخلق كثير وهو أكرم من أن يجعل الناس تابعين في الدين لرجل من أهل النار. وبقول ابن تيمية إن نسبة أمر محرَّم إلى إمام قدحٌ في إمامته وقدحٌ في الأمة إذ ائتمّت بمن لا تصح إمامته. ويسرد من الحنابلة المشهورين بنصرة العقيدة من أثنى عليه: عبد القادر الجيلاني وعبد الغني المقدسي وابن قدامة وابن تيمية وابن عبد الهادي وابن القيم وابن مفلح وابن رجب وابن المبرد، ويحيل على مادة بعنوان جهود علماء الحنابلة في الدفاع عن الإمام أبي حنيفة. ويدفع دعوى أن هذا الاتفاق كان سكوت خوف من سطوة الحنفية بأن السطوة لم تكن مطردة في كل عصر ومصر، وأن أهل السنة لم يسكتوا قط عن بدعة مغلَّظة خوفًا.

المسالك الأربعة

ثم يحرر المسالك في التعامل مع روايات الجرح. فمسلكان خاطئان: إنكار ثبوت هذه المطاعن مطلقًا حتى يبلغ الأمر ببعضهم إنكار كتب بأكملها، وهو مكابرة؛ والطعن في الناقدين أنفسهم كسفيان ومالك وأحمد بالحسد أو الجهل أو ضيق العقل، وهو كمن يصلح خدشًا فيهدم قصرًا، وينقل عن المعلمي أن الإنصاف ألا يُتخذ ما ثبت عن أئمة كسفيان ذريعة للطعن في فقه أبي حنيفة جملة، ولا يُتخذ فقهه ذريعة لردّ كلام أئمة الحديث. ومسلكان صحيحان: مسلك إجمالي هو الكفّ عن الخوض وحفظ مقامات الأئمة جميعًا، وهو الأنسب لأكثر الناس؛ ومسلك تفصيلي هو دراسة المطاعن في سياقها وبيان ما وقع من زلة لا يُتابَع عليها مع حفظ الفضل، وهو الذي يسلكه في هذه المحاضرة. ويجمل ما دارت عليه المرويات في ستة: الإرجاء، والقول بالسيف، والضعف في الحديث، والقول بخلق القرآن، وردّ بعض السنن، والأخذ بالرأي.

الإرجاء

فالدعوى أنه على قول مرجئة الفقهاء: أن الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان والعمل ليس منه. ووجه المخالفة من جهة اللفظ ومن جهة ما يلزم عليه. والجواب أنه غلط متأوَّل سبق إليه أعلام من التابعين وأتباعهم رُموا بالإرجاء: إبراهيم التيمي وطلق بن حبيب وعمرو بن مرة وذر الهمداني وحماد بن أبي سليمان وعبد العزيز بن أبي رواد. وينقل عن أبي عبيد في كتاب الإيمان تقسيمه الناس فرقتين كلتاهما من أهل العلم والدين، ثم فرقة ثالثة منسلخة تكتفي بمعرفة القلب. وعن ابن تيمية أن إرجاء الفقهاء من أخف البدع وأن خلافهم مع الجماعة يسير وبعضه لفظي، وأن حمادًا قال لشعبة أنت منا إلا قطرة. ثم يقرر أصلًا: أن أربع بدع شاعت زمن التابعين لحداثة الشبهة فخفيت على أجلّاء، ويسوق قول أحمد إن أهل الكوفة كلهم يفضّلون عليًّا على عثمان إلا اثنين، وقوله إن ثلث أهل البصرة قدرية، وقول ابن المديني لو تركت أهل البصرة للقدر وأهل الكوفة للرأي لذهب الحديث. ويقرر أصلين في فهم شدّة عبارات السلف: أن الكلام في الأوصاف لا يلزم تحققه في الأعيان، وأن التشديد والهجر سياسة شرعية مصلحية متغيرة؛ بدليل أمر أحمد بالسلام على أصحاب أبي حنيفة مع شدته عليهم.

القول بالسيف

وهو جواز الخروج على ولاة الجور. ويبين أنه من جنس ما قبله سبق إليه كبار من الصدر الأول. ويلاحظ فارقًا: أن هذه المسألة اشتدّ فيها بعض السلف عليه خاصةً لأنها كانت حيّة تُحدث فتنة في الواقع، بخلاف ما صار حدثًا ماضيًا؛ ومن ذلك قول الأوزاعي احتملنا من أبي حنيفة كل شيء حتى جاءنا بالسيف، وقصة أبي إسحاق الفزاري. ويذكر أن مذهب الحنفية استقر على تحريم الخروج، وأن الطحاوي نسب ذلك إلى الإمام في عقيدته: ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا.

الضعف في الحديث

ويقرر أنه نقد فنّي في الرواية لا يمسّ الديانة ولا الإمامة، وأن كثيرًا من الضعفاء في الحديث أئمة في غيره؛ وينقل عن ابن شاهين أن الكلام فيه من جهة ثقة الروايات واضطرابها لا من جهة اتهام بوضع أو كذب. ويجيب عن دعوى أن التضعيف يدلّ على جهله بالحديث بأن سببه قلة الضبط لا قلة المعرفة، وينقل تفسير الذهبي أن همّته انصرفت إلى القرآن والفقه لا إلى ضبط الألفاظ والأسانيد، وقاس عليه أهل فنون أخرى من القراء والفقهاء والزهاد. ويستشهد بقول أحمد تركنا أصحاب الرأي وكان عندهم حديث كثير فلم نكتمه عنهم، وبأن ترك المحدثين الرواية عن أهل الرأي موقف مصلحي لا جرح مسقِط، بدليل إنكار أحمد على شيخه أبي عاصم النبيل مجالسته لأحدهم دون أن يسقط روايته. ويسجّل مأخذًا على من يقحم درجة الراوي الحديثية عند الترجمة له في سياق فنّ آخر.

القول بخلق القرآن

ويبيّن أن الروايات فيه مجملة جدًّا لا تحدد من استتابه ولا كيف ولا نص قوله. ثم يقرر أنه لو أُخذت بأسوأ الاحتمالات فالتوبة تجبّ ما قبلها، والتوبة والكفر وردا في الرواية نفسها فيلزم قبولهما معًا أو ردّهما معًا؛ فالتعيير بها بعد التوبة لا يستقيم. ثم يسوق ما ينفي ثبوت القول أصلًا: تصريح أحمد بأنه لم يصح عندهم أنه كان يقول بخلق القرآن، وأن الأوزاعي عدّ ما عدّ ولم يذكره، وأن ابن المبارك سُئل عن الهوى فيه فقال الإرجاء ولم يزد. ويسوق ما يثبت براءته: تصريحه بإنكاره، وموافقة أبي يوسف، وقول الجوزجاني ومعلى بن منصور إنه لم يتكلم فيه هو ولا أبو يوسف ولا زفر ولا محمد ولا أحد من أصحابهم، وإنما تكلم فيه غيرهم؛ ونصّ العقيدة الطحاوية أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق. ويختم بنص لأبي نصر السجزي في وجوب حسن الظن بالعلماء وحمل أقوالهم على أحسن المحامل. ويعلّق بأن نسبة هذا القول إلى إمام متبوع بحجة التحذير منه هي أعظم سبب لإشاعته لا للتحذير منه.

ردّ بعض السنن

ويبيّن أنه ليس خاصًّا به، فقد انتُقد مالك بمثله؛ وينقل قول الليث إنه أحصى على مالك سبعين مسألة خالف فيها ما ثبت، وقول حماد بن زيد إنه لم يكن بالكوفة أوحش ردًّا للآثار من إبراهيم النخعي. ويؤصّل برسالة ابن تيمية رفع الملام عن الأئمة الأعلام وأصنافها الثلاثة في العذر: ألا يعتقد أن النبي ﷺ قاله، أو ألا يعتقد إرادة تلك المسألة به، أو أن يعتقد نسخه؛ وقوله ما من الفقهاء أحد إلا وقد خفيت عليه بعض السنة. ويستشهد بأخذ أبي حنيفة بحديثين خالفا القياس عنده، وبقصة أبي يوسف مع مالك في مقدار الصاع وقوله رجعت إلى قولك ولو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت، وبنقل ابن القيم أن أصحابه مجمعون على أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي. ويردّ قياس من قاس عذره على عذر القائل بخلق القرآن بأن ذاك مبني على أصل اعتقادي فاسد وهذا خلاف فقهي فرعي سائغ.

الأخذ بالرأي

ويبين أن الخصومة بين مدرستَي الحجاز والكوفة سابقة لعصره، وأن كلتيهما تعمل بالحديث والرأي والفرق في الدرجة؛ وينقل قول أحمد أبو حنيفة تابع لم يخترع قولًا، وقول ابن عبد البر إن جلّ ما يُنسب إليه اتباع لأهل بلده. ثم يقسم الرأي أربعة معانٍ: إعمال النظر والاجتهاد المعتبر وهو غير مذموم، والتوسع في القياس المؤدي إلى ردّ بعض السنن وقد سبق، والبدع المخالفة للأصول القطعية وهذا يخصّ من انتسب إليه من الأتباع لا الإمام، والأخذ بالحيل. ويقرر أن كتاب الحيل المنسوب إليه منحول أنكر نسبته علماء الحنفية أنفسهم، وينقل قول ابن تيمية إنه لا يجوز أن يُنسب الأمر بهذه الحيل إلى أحد من الأئمة ومن نسبه فهو مخطئ جاهل بأصول الفقهاء، وقول ابن القيم إنها دائرة بين الكفر والفسوق ولا تُنسب إلى إمام. ويعرض معالجة الشاطبي في الموافقات وتقسيمه الحيل، وميله إلى التحريم مع إنصافه في عرض أدلة المجيزين، وتعليله ذلك بندرة الاطلاع على كتب الحنفية في بلاده، وتحذيره من أن التعصب لمذهب واحد دون معرفة مآخذ غيره يورث حزازة في الاعتقاد بالأئمة.

الخلاصة

يخلص إلى أن هذه المطاعن الستة تتوزع على ثلاثة: ذنبٌ تاب منه فلا يجوز التعيير به، وزلّةٌ تأوّل فيها كما تأوّل من قبله ففتح باب الطعن فيه بها فتحٌ للطعن في أمة من فقهاء التابعين، واجتهادٌ سائغ في النظر محلّه البحث الفقهي لا الطعن الديني. ويعلن أن ما بقي من مطاعن لا يرى صحة نسبتها إليه أصلًا وأنه يرجئها إلى حلقة تالية، ثم يختم بقوله تعالى ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.