فضيحة كذب محمد شمس الدين على الشيخ وليد السعيدان

قناة مكافح الحدادية 22 نوفمبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

حلقة تُبرّئ الشيخ وليد بن راشد السعيدان مما نُسب إليه من عيب أهل المدينة، وتُثبت أن الدعوى كلها قامت على حذف كلمة واحدة من كتابه.

أصل الدعوى

نشر محمد شمس الدين مقطعًا يقرأ فيه من كتاب أصول الفقه على منهج أهل السنة والجماعة للشيخ وليد السعيدان، ويقرر أن الشيخ لم يكتفِ بالطعن في المالكية بل عاب أهل المدينة النبوية الذين عاش الإمام مالك بين ظهرانيهم. وتُعرض الحلقة نص الكتاب أمام المشاهد: الشيخ يقول إن عمل أهل المدينة بخلاف الحديث لا يعيب الحديث في شيء، بل يعيب عمل أهل المدينة. فكلمة «عمل» ساقطة من القراءة في كل موضع، وبسقوطها ينتقل الكلام من نقد فعلٍ إلى نقد قوم. وقد تكررت في المقطع مرات، فلم تعد تحتمل سبق النظر. ويُضرب لذلك مثال: من نقل قوله تعالى ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ ثم سكت، أيكون صادقًا؟

كذبة ثانية عن الإمام مالك

وفي المقطع نفسه توقّفٌ عند وصف مالك بأنه من أهل السنة، وقولٌ إن رأي الشيخ فيه غير معروف. والكتاب نفسه فيه بعد بضع صفحات ترحُّمٌ على مالك وثناء عليه بأنه ما جزى الله عالمًا عن أمته خيرًا مثله، وأن فضائله لا تُحصى وسبقه لا يُدرك، وأن هذا الإمام هو الذي ربّى الأمة على أن كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك إلا النبي ﷺ. فمن نقد كتابًا ولم يقرأه فقد تكلم فيما لا يعلم، ومن قرأه ثم نقل بعضه دون بعض فأمرٌ آخر.

القاعدة على وجهها

ثم تُحرَّر المسألة علميًّا. فالشيخ قرر أن كل قاعدة تُخالف منطوق الدليل الصحيح الصريح فهي باطلة مهما كان قائلها من الأئمة الكبار الأجلاء، وهذا معنى قول الأئمة الأربعة إذا صح الحديث فهو مذهبي، وقول مالك نفسه: كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرد إلا صاحب هذا القبر. وأما عمل أهل المدينة فليس شيئًا واحدًا. وتُعرض مراتبه من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية كما نقله الشيخ محمد علي آدم الإثيوبي في المنحة الرضية، وهو ممن يُنسب إليه الطرف الآخر التلمذة: الأولى ما يجري مجرى النقل كمقدار الصاع والمد وترك الزكاة في الخضروات، وهذه حجة باتفاق العلماء. والثانية العمل القديم قبل مقتل عثمان رضي الله عنه، وهو حجة عند مالك ومنصوص الشافعي وظاهر مذهب أحمد لأنه من سنة الخلفاء الراشدين. والثالثة الترجيح به عند تعارض دليلين متكافئين، وفيه نزاع: يرجّح به مالك والشافعي، ولا يرجّح به أبو حنيفة، وللحنابلة وجهان. والرابعة العمل المتأخر وحده بلا نقل ولا ترجيح، وهذا الذي عليه أئمة الناس أنه ليس بحجة، وهو قول محققي المالكية أنفسهم. وينقل عن الشنقيطي أن الصحيح عن مالك اشتراط شرطين: أن يكون فيما لا مجال للرأي فيه، وأن يكون من الصحابة أو التابعين. فكلام الشيخ إنما هو في المرتبة الرابعة وحدها، لا في الأولى ولا الثانية.

من نازع مالكًا في هذا الأصل

وتُساق شواهد أن المسألة ليست بدعًا من القول: رسالة الليث بن سعد إلى مالك وفيها تخطئته في هذا الأصل، ومناقشة الشافعي ومحمد بن الحسن له، وأن مالكًا نفسه منع الرشيد حين عزم على حمل الناس على الموطأ وقال إن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في البلاد فصار عند كل طائفة علم ليس عند غيرها. ثم يُقرأ ما نقله الشيخ السعيدان بعد الموضع المشنَّع عليه مباشرة من كلام ابن القيم، وفيه أن السنة هي العيار على العمل وليس العمل عيارًا على السنة، وأن الحجة اتباع السنة ولا تُترك لكون عمل بعض الأمة على خلافها وإلا لتُركت السنن. ثم يورد إلزامًا لا مخرج منه: هل يجوز أن تخفى سنة على من بقي بالمدينة بعد تفرّق جمهور الصحابة؟ فإن قيل لا، بطلت أكثر السنن التي رواها ابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء وعمرو بن العاص وأنس وعمار، وإن قيل نعم، فكيف تُترك السنة لعمل من قد يخفى عليه؟

أحد عشر موضعًا

ثم تُعرض أمثلة من الكتاب نفسه لمسائل جاء فيها عمل أهل المدينة على خلاف ما ثبت: تكرار قد قامت الصلاة في الإقامة، وخيار المجلس مع أن راوي حديثه ابن عمر مدني، وسجود التلاوة في النجم والانشقاق، وتحية المسجد والإمام يخطب، وتعويد الصبيان الصوم، والاستعاذة في أول القراءة، وسلام الخطيب على المأمومين، والتتريب من ولوغ الكلب، وتأمين الإمام، ومعانقة القادم من السفر، والتبكير إلى الجمعة. ويُذكر في الأخيرة أن الإمام أحمد سُئل عن قول مالك فيها فقال إن هذا خلاف حديث رسول الله ﷺ وتعجّب إلى أي شيء ذهب فيه، وأنكرها عليه ابن حبيب وهو مالكي. ثم يختم الشيخ السعيدان الموضع بالترحّم على مالك والدعاء له، وهو الموضع الذي لم يُقرأ.

مسألة القدر المعلّى

ووقف الطرف الآخر عند عبارة في الكتاب فيها أن أهل الحديث لهم السبق والقدر المعلّى، فحكم بأنها لا تصح وأن الصواب القدح المعلّى، وجعلها موضع سخرية. فتُعرض شواهد لصحة التعبير بالقدر بمعنى المكانة في الشعر وفي كتب التراجم وفي كلام معاصرين، ويُقال إنها لو كانت تصحيفًا مطبعيًّا لما كان في ذلك عيب، فالتصحيف واقع في كل كتاب بعد كتاب الله.

الإلزام بمنهج مالك

ثم تُقلب الدعوى: من احتج بمنهج الإمام مالك فليلتزمه. فمن منهجه الإكثار من «لا أدري» حتى قال إنه يخاف أن يُسأل عن مسائله يوم القيامة، وأنه ما جلس للتدريس حتى أمره سبعون من شيوخه، وكان المالكية يقولون لمن تكلم بلا شيخ: اسكت. ومن منهجه ما رواه ابن القاسم من إنكاره الشديد التحديث ببعض أحاديث الصفات أمام العامة، وهو لا يضعّفها إذ روى البخاري حديث الصورة من طريقه، وإنما كره إلقاءها على من لا يحتملها. ومنه موقفه ممن جاءه يناظره فقال إن غلبتني اتبعتك وإن غلبتك اتبعتني، فسأله: فإن جاء ثالث فغلبنا؟ قال اتبعناه. فقال له: بعث الله محمدًا ﷺ بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين، وذكر قول عمر بن عبد العزيز إن من جعل دينه عُرضة للخصومات أكثر التنقل. ومنه أنه لم يكفّر من الفرق إلا الروافض والقدرية والساحر ومدّعي علم الغيب.

من الذي يُسقط من

وفي الأثناء يُردّ قول الطرف الآخر إن ما يفعله ليس إسقاطًا للشيخ، بمثل الذبابة التي وقفت على الشجرة ثم استأذنتها في الطيران خشية أن تسقط، فقالت: ما شعرت بك حين وقفتِ حتى أشعر بك حين ذهبتِ. ويُذكّر بأن العلماء الذين زُكّوا في موقعه ثم رُدّت أسماؤهم بعد أن ردّوا عليه: الشيخ محمد صالح المنجد، والشيخ وليد السعيدان، والشيخ عثمان الخميس، وأن الشيخ الفوزان قرر أن من بدّع النووي فهو مبتدع. ويُسأل عن نقصان المحبة بعد الرد: الحب في الله لا يزيد بالبر ولا ينقص بالجفاء، فإن نقص فقد كان مدخولًا.

الخلاصة

ينتهي الرد إلى أن الدعوى كلها قامت على حذف كلمة «عمل»، وأن الشيخ السعيدان إنما تكلم في المخالفة لا في المخالِف، وأن المخالف المجتهد يدور بين الأجر والأجرين ويُستغفَر له ويُلتمس له العذر كما فصّل ابن تيمية في رفع الملام. ويحذّر من أن هذا الطريق لا يقف عند رجل: فالروافض يُسقطون القرن الأول، والنواصب يُسقطون علماء الدولة العباسية، وهؤلاء يُسقطون من جاء بعدهم، حتى لا يبقى للأمة سند تفهم به كتابها وسنتها فيخلو الطريق لمن يريد هدمها. ويختم بأن الرد على أهل العلم إنما يكون بين أهل العلم، وأن باب التعلّم مفتوح لمن أراده، ويدعو للشيخ وليد بالتوفيق ولمن خالفه بالهداية.