رسالة إلى الحدادية · 3 من 89

﴿ولكن ما تعمَّدت قلوبكم﴾: اللهُ علَّق المؤاخذةَ بالقصد، وهم علَّقوها باللفظ

قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾.

البيانتدبر -أرشدك الله- كيف فرّق الباري جل وعلا بين أمرين طمس الغلاة الفروق بينهما: الخطأ، والتعمد.

فرفع سبحانه الجناح عن المخطئ رفعاً تاماً، وناط المؤاخذة بالتعمد وحده. ثم أمعن النظر أين جعل مستقر التعمد؛ فقال: ﴿مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فردّه إلى المضغة المخفية (القلب)، لا إلى زلة اللسان، ولا إلى سقطة القلم، ولا إلى تسطير الورق.

وهذا مفرق الطرق الذي ضل فيه القوم؛ إذ تراهم يسمرون أنظارهم على اللفظ المجرد؛ فمتى ثبت اللفظ، ثبت عندهم الحكم على قائله بلا هوادة، في حسبةٍ جافةٍ لا فقه فيها ولا روية. والحال أن الله لم يُعلق الأحكام الكبرى باللفظ العاري، بل بما يكمن وراءه من قصد القلب.

فمن أصدر أحكامه متمسكاً باللفظ وحده، فقد شقّ الآية فأخذ شطرها ونبذ شطرها الآخر، ثم سمى عواره هذا تحقيقاً وتدقيقاً!

ثم قف متأملاً دقة البيان الإلهي: لم يقل سبحانه «ما تعمدتم»، بل قال: ﴿مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ فنسب الفعل للقلب تنبيهاً قاطعاً على أن مناط المؤاخذة ومربطها يقع في سريرةٍ لا يعلم خباياها إلا علام الغيوب.

فمن نصب نفسه مفتشاً وحاكماً على مقاصد الناس ونواياهم، فقد تقحم مرتقىً صعباً، وجلس مجلساً ليس لبشرٍ أن يجلسه.

وألقِ على هذا الغالي سؤالاً يقطع حجته: أنت تنبّش في أسفار الأئمة تطلب عثراتهم، فهل قامت لديك بينةٌ جليةٌ أنهم تعمدوا الباطل؟

فإن أجاب: «لا أطّلع على القلوب»، قيل له: إذن فقد أقررتَ بانتفاء شرط المؤاخذة الرباني الذي اشترطته الآية، فعلامَ تبدّع وتكفّر؟!

وإن كابر وقال: «أعلم مقاصدهم من ظاهر كلامهم»، قُمع بالقول: هذا ضربٌ من الاستنباط والظن، والله جل ثناؤه علّق المؤاخذة بيقين القصد، لا بظنون استنباطك ومجازفات فهمك.

وسبحان الله! لقد تورط رأسهم (محمد بن شمس الدين) في طوام عقدية؛ فأنكر جملةً من الأسماء والصفات، ونسب «الروح» لله تعالى، وجنح لقول المجبرة، وتورط في القول بالكلام النفسي الذي هو مذهب الأشاعرة، إلى غير ذلك من شطحاته الموبقة.

فإذا ما قُرع بالحجة ونُبه على مزالقه، تترس بقوله: «سبق لسان، ولم أقصد!»، ورمى ناصحيه بالترصد وتتبع العثرات؛ فيهبُّ أتباعه كالبنيان المرصوص لتسويغ خطأه وتوسيع المخارج لزلته.

حتى إذا ولّى هو أو أتباعه وجوههم شطر جبلٍ من أئمة الإسلام، فنقبوا في زوايا أسفاره فعثروا على كلمةٍ محتملة، أوصدوا دونه أبواب التأويل، وصادروا دلالات السياق، ووأدوا حسن الظن، وسارعوا إلى تبديعه ونسف إمامته!

فأي تطفيفٍ هذا؟! وبأي ميزانٍ مضطرب يُعذر المعاصرون أنفسهم وشيوخهم بما يضنون به على ورثة الأنبياء؟!

وها هو شيخهم المذكور تتوالى سقطاته الغليظة؛ فقد تفوّه في مناظرة مشهورة مع ملحد بأن للنبي ﷺ حالاً «قبل إسلامه!»، نافياً عنه وصف الحنيفية قبل المبعث، مروراً بقبائح في القدر تفوق ما يُنكرونه على الطوائف المخالفة.

قولُه في النبي صلى الله عليه وسلم: «قبل إسلامه»، والصواب: قبل البعثة

ومع هذه العظائم، ترى غلمانه يستبسلون في ترقيع خرقه، ويتعسفون المخارج لصرف كلامه إلى أحسن المحامل!

فسبحان الديان الذي أوقعكم في شر ما لم تعذروا فيه غيركم.

وأما خصومه فقد أنصفوه؛ فقد نُشر في (قناة شؤون إسلامية) تحذيرٌ من مزالقه، ومع ذلك حملوها على محمل «سبق اللسان في حرارة المناظرة»، وناشدوه التراجع، ولم يُسارعوا إلى تبديعه أو الإطاحة به. فبذل له خصومه من فُسحة العذر وحسن التأويل، ما يبخل به هو وغلمانه على سادات الأمة وأئمة الملة!

فيجتمع لهذا المتصدر في زماننا من رحابة الأعذار، وتكلف المخارج، ما لا يحظى بعُشره الجبالُ الرواسي من أئمة الإسلام الذين شيدوا صروح الملة ونصروا السنة قروناً متطاولة.

فإن كان تبرير «سبق اللسان» و«سلامة القصد» سائغاً مقبولاً لمثل هذا المتكلم في مزالقه المهلكة؛ فكيف يُسلب هذا العذر من النووي، وابن حجر، والبيهقي، وسائر أئمة الهدى؟!

ألا إن هذا هو الهوى المردي الذي يعمي ويصم؛ إذ غدت «الغيرة على العقيدة» لديهم لافتةً زائفة، تُرفع لتقديس رموزهم المعاصرة، وتُتخذ مبضعاً لذبح أئمة الإسلام.

وكما جلوْنا من قبل، فوالله ما الباعث على هذا المسلك المشين حرصٌ متوقدٌ على صفاء العقيدة؛ فلو صدقوا لبدأوا بتطهير قلوبهم من أدران الكبر والخيلاء.

وإنما هي لذةٌ خفية، وشهوةٌ خبيثة، تتسلل إلى نفس المرء حين يُسقط الكبار من شواهق منازلهم، ليتوهم أنه أضحى حاكماً عليهم ورقيباً على دينهم.

إنها نشوة غرور يزينها إبليس حتى يخيل لصاحبها أنها حميةٌ للدين، وما هي في حقيقتها إلا حميةٌ للنفس المريضة أن تُقِرّ بضآلتها.

ثم ارجع البصر مرة أخرى إلى مسك ختام الآية: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾. لقد ذيلها الباري جل ثناؤه بصفتي المغفرة والرحمة، بينما ذيّل هؤلاء الغلاة أحكامهم بالتبديع القاسي والإسقاط المرير.

فيا مسكين! ترفع كفيك في جُنح الليل تستجدي ربك المغفرة والرحمة لزلاتك، ثم تصبح فتشحّ بالرحمة، وتضنّ بحسن الظن، على أئمةٍ أفنوا أعمارهم في نصرة دين نبيك ﷺ وخدمة ملته!

فاعرض أعمالك على قسطاس الحق قبل أن تُعرض عليه في يوم التغابن، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾. فمن قتر على عباد الله في الأعذار، وضيق عليهم واسعاً، فليترقب أن يُضيّق عليه في يومٍ لا ينجي فيه إلا سعة رحمة الله.

ولا يفهمَنّ فاهمٌ أن في هذا الطرح تسويغاً للأخطاء أو مداهنةً في الباطل؛ كلا، فالخطأ يُجلّى ويُردُّ بحجةٍ وعلمٍ وإنصاف، والقول المخالف للسنة يُنقض كائناً من كان قائله.

وإنما المعترك الحقيقي يكمن في إدراك البون الشاسع بين «تخطئة القول» و«الحكم على قائله»؛ فالأولى صيانةٌ للدين وواجبة، والثانية جنايةٌ على المسلم لا تُقام بمجرد الظنون والمحتملات.

فتفقه في هذا الفرق الدقيق قبل أن تطلق لسانك، فإن الديان سائلك عن كل عرضٍ مسلمٍ استبحته بغير حق.

نسأل الله أن يرزقنا الإنصاف والعدل في الحكم، وأن يتجاوز عما أخطأنا فيه، ولا يؤاخذنا بما لم تتعمده قلوبنا، إنه جوادٌ كريم.