شكَّ في قدرة الله فغفر اللهُ له: حديثٌ واحد يهدم صرحَ الغلاة من أساسه
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قال رجلٌ أسرف على نفسه لبنيه لمّا حضره الموت: إذا أنا متُّ فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذرّوني في الريح؛ فوالله لئن قدَر عليَّ ربي ليعذّبني عذابًا ما عذَّبه أحدًا. فلما فعلوا به ذلك، سأله الله: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتُك يا ربّ. فغفر الله له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فهذا رجلٌ شكَّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرِّي، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين؛ لكن كان جاهلًا لا يَعلَمُ ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك. والمتأوِّلُ من أهل الاجتهاد الحريصُ على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا».
البيانتأملوا -يرحمكم الله- في هذا البون الشاسع الذي يستأصل شأفة الغلو من جذورها؛ ففي خبر ذلك الرجل الذي أسرف على نفسه وتجاوز الله عنه -وهو من أهل الجنة يقيناً بنص الوحي المبين- عبرةٌ لأولي الألباب.
لم يكن ذلك الرجل عالماً نِحرِيراً، ولا مجاهداً منافحاً عن الشريعة، بل كان عبداً مسرفاً على نفسه بالتفريط والخطايا، قاده طغيان الخوف وتراكم الجهل إلى الشك في كمال قدرة الله جل وعلا على بعثه إن هو حُرِّق وذُرِّيَ في الريح!
ومع هذه الطامة العظمى، وسعته رحمة أرحم الراحمين وتجاوز عنه لصدق وجله وعذر جهله.
فبالله عليكم، كيف يستقيم في قسطاس العقل والشرع أن يُعذر رجلٌ أخطأ في أصلٍ قطعيٍّ من أصول الإيمان، ثم يُحجر العذر ويُمنع عن إمامٍ جليلٍ أفنى زهرة عمره وصحته في محاريب العلم، يذبّ عن حياض السنة، ويقود خطام الأمة إلى الهدى، لم يبتغِ سوى الحق، فزلّت قدمه في مسألة اجتهاد أو عارضه تأويل سائغ؟!
إن الشريعة السمحة التي شملت بمغفرتها رجلاً مسرفاً لجهله، لهي أحرى وأولى بأن تتغمد ورثة الأنبياء الذين شادوا صروح الدين ورفعوا لواءه. وما حرمان أئمة الإسلام من فسحة هذا العذر إلا عين الحيف، ومحض التطفيف في موازين القسط والإنصاف.
ولقد وقف شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه- إزاء هذه الحادثة موقفاً محكماً، يبلغ الغاية في الدقة المتناهية والإنصاف البديع؛ إذ لم يهون قط من شناعة مقالة الرجل، ولم يتعسف لها مخرجاً متكلفاً يُحرف حقيقتها، بل صدع بالحق المبين قائلاً: «وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين».
بيد أنه سلك الجادة المستقيمة لأئمة السنة، ففرّق تفريقاً قاطعاً بين «المقالة» و«قائلها المعيَّن»، فقال: «لكن كان جاهلاً لا يعلم ذلك، وكان مؤمناً يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك».
فالحكم على المقالة المجرّدة بأنها كفرٌ وِجهة، وتنزيل طائلة هذا الحكم على قائلها المعين وِجهةٌ أخرى تماماً!
وذلكم هو «الأصل الذهبي» المكين في دين الله، الذي يتنكر له غلاة زماننا ويجحدونه، بل لقد قادهم الصلف والغرور إلى أن يقذفوا سواد المسلمين وعلمائهم الأثبات بالجهل والتمييع، لا لشيء إلا لتمسكهم بهذا الفرق الشرعي المتين.
وما درى هؤلاء المفتونون أنهم هم أسرى الجهل المركب بحق؛ إذ يعارضون بتعسفهم صرائح نصوص الوحي، ويصادمون قواعد الشريعة المحكمة التي ربطت الأحكام بتوفر شروطها وانتفاء موانعها.
ولتُدرك أن النجاة في هذا الموقف المهيب لم تكن لرجحان صوابٍ، ولا لإصابة حقٍّ، ولا لسوابق حسنات؛ فالرجل بلا مِراء قد تورط في خطيئة فادحة، وأسرف على نفسه، وتطرق الشك منه إلى كمال قدرة ربه!
وإنما انتشلته من قعر الهلكة كلمةٌ صادقةٌ فاضت من مكنون فؤاده: «خشيتُك يا رب»!
فما أنجاه إلا صدق مخافته من مولاه، وسلامة قصده، ووجل باطنه، رغماً عن سوء صنيعه وعظم طامته.
فإذا كان هذا العفو الإلهي الفسيح قد أدرك رجلاً عامياً مسرفاً، لم يطرق أبواب العلم يوماً ولم يسبر مداركه؛ فما ظنكم برب العالمين مع إمامٍ طودٍ أوقف عمره واستفرغ أيامه في التماس الحق، والذود عن حياض السنة، والتمكين للشريعة، ثم زلت به القدم في بعض المسائل؟!
أيُعذر الجاهل الغمر، المقترف للموبقات، الشاك في قدرة خالقه، لصدق قصده وخوفه؛ ويُحجب الإمام المجاهد عن رحمة ربه وسعة مغفرته؟!
إن هذا لعمري هو الظلم البواح، والجور الذي تأباه شريعة الله ورسوله.
ثم قف أيها المسكين وواجه نفسك بصدق: ما الذي يؤمِّنك غداً بين يدي الملك الجبار، إذا أُوقف هذا الإمام الذي مزقت دينه وسعيت جاهداً في الطواف بإسقاطه، فناجى ربه بانكسار: «يا رب، أخطأتُ متأولاً، ولم أرد كفرًا ولا تعطيلاً ولا عناداً، بل اجتهدتُ فضللتُ الطريق، ولم يكن غاية قصدي إلا تنزيهاً لجنابك وخشيةً من عقابك».. ما الذي يؤمِّنك أن يتقبل الله عذره لنقاء طويته، وأن يسبغ عليه فضله فيتجاوز عن خطيئته ويدخله الجنة كما تجاوز عن الشاك في قدرته وأدخله الجنة؟!
وتذكّر -هداك الله- أن الشريعة التي بشرتنا بسعة هذا العفو، هي ذاتها التي أنذرتنا من خزي التألي على الله؛ يوم أن قال رجل لأخيه مغتراً: «والله لا يغفر الله لفلان»، فغضب الجبار سبحانه وقال: «مَن ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان؟! قد غفرتُ له وأحبطتُ عملك!».
فكيف بربك بمن استحوذ عليه الغلو وطمس بصيرته -كأمثال محمد بن شمس الدين- حتى تفوه بطامةٍ تُصم الآذان، مصرحاً بملء فيه: «لو غفر الله للسيوطي سيغفر للنصارى»؟!
فيا لها من مجازفةٍ هوجاء برحمة الله!
وأي ظلمٍ أشد وأقبح من أن تُعقد التسوية بين إمامٍ جهبذٍ من أئمة الإسلام، أذاب مهجته في خدمة الشريعة ونصرة السنة، وبين طغمةٍ من الكفار جحدوا التوحيد وكفروا برسالة سيد المرسلين ﷺ؟! فتكون العاقبة الوخيمة لهذا الغرور، أن ينجو الإمام الفاضل بسوابق حسناته وعفو سيده، وتُردى أنت في هاوية الخسران، فتُحبط أعمالك بجناية لسانك، وتأليك الفاجر على أرحم الراحمين!
فكيف الخلاص غداً إذا نُصبت الموازين القسط، وطارت الصحف، وقد مزقت في دار الغرور عرض ذلك الإمام، ورميته بالتكفير والتبديع؟! أأمنت مكر الله أن يسبغ عليه جلابيب رحمته، ويُصلِيك أنت عذاب غلوّك وتأليك عليه، يوم أن حكمتَ جازماً بأن الله لا يغفر للمجتهد المخطئ؟!
ولأجل هذا التقرير البديع، توّج شيخ الإسلام ابن تيمية كلامه بقياسٍ قاهرٍ يبتر حجج الغلاة، فصدع قائلاً: «والمتأول من أهل الاجتهاد، الحريص على متابعة الرسول، أولى بالمغفرة من مثل هذا». فإن كان ذاك العبد الذي خالجه الشك في قدرة الله قد تنعم بالمغفرة لصدق خشيته، فالإمام الذي استهلك أنفاسه حرصاً على اقتفاء أثر الرسول ﷺ، هو -ورب الكعبة- أحرى وأولى بسابغ الرحمة والمغفرة!
وإن من أعجب العجب، ومما يهتك ستر هؤلاء القوم ويكشف رقة ديانتهم وسوء طويتهم، أن أحد الفضلاء لما احتج عليه بهذا الحديث النبوي العظيم، ليقيم الحجة على رأسٍ من رؤوس الحدادية المعاصرة (محمد بن شمس الدين)، ويبرهن له على سعة رحمة الله وعذره للجاهل والمتأول؛ طاش لبّ هذا المتعالم، وانفلت لسانه يشتم ذلك العبد الذي غفر الله له!

فرمى الميت المسلم بالحمق، وعيَّره بمهنته السالفة (نباش القبور)! فيا للهول ويا لشدة الجرأة على محارم الله!
يُرمى بالحمق وتُنتهك حرمة رجلٍ زكاه الصادق المصدوق ﷺ مخبراً بأنه قد حطّ رحاله في الجنة، وتربع في رضوان ربه!
ووالله ما قاده إلى هذا السقوط الشنيع، والدرك المريع، إلا مران لسانه واعتياده على نهش الأعراض، والتبديع، والسباب المقذع؛ حتى لم يسلم من بذاءته إمامٌ مجتهد، ولا صحابيٌ جليل، بل لم يسلم منه حتى عبدٌ ضعيفٌ شمله الله بعفوه وأدخله فسيح جنته!
فهل كانت «قدرة الله» جل وعلا أمراً هيناً حتى يُعذر الشاك فيها؟! أم كان عفو الله وتجاوزه تهاوناً في حق ربوبيته؟! حاشا وكلا، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً!
بل هو الجود المطلق، وكمال الرحمة، ومحض العدل، لكل عبدٍ صدق قلبه وخاف ربه..
ولكنها موازينكم المظلمة الجائرة، وقلوبكم الغليظة القاسية التي قُدّت من جلمود. وإن موعدكم لآتٍ، يوم تجثو الخصوم على الركب، للحكم بين يدي ديان السماوات والأرض؛ الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
