رسالة إلى الحدادية · 5 من 89

قصةُ حاطب بن أبي بلتعة: التأويلُ وحسنُ القصد يمنعان التكفير ولو عظُم الفعل

لمّا كتب حاطبُ بن أبي بلتعة إلى المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له: «يا حاطبُ، ما هذا؟!» قال: يا رسول الله، لا تعجَلْ عليَّ... وما فعلتُ كفرًا ولا ارتدادًا، ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد صدَقَكم». قال عمر: يا رسول الله، دعني أضربْ عنقَ هذا المنافق. قال: «إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعلّ الله أن يكون قد اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم».

البيانقف أيها الموفق أمام هذا الموقف النبوي العظيم؛ لترى كيف تتكسر عنده رماح الغلاة، وكيف تتهاوى أمامه قسوة القلوب المريضة التي خلت من الرحمة والفقه معاً.

وقبل أن نغوص في المعاني، قفوا متأملين: لعل من ألطاف الله الخفية، ورحمته الواسعة بهذه الأمة، أن قدّر وقوع هذه الزلة من صحابي جليل؛ لتكون درساً ربانياً لمن بعدهم إلى يوم القيامة.. نتعلم منه كيف نعذر، وكيف نلتمس الأعذار، وكيف نحفظ مقامات الرجال الكبار إذا زلوا وعثروا!

إن هذا الحديث هو أقوى أدلة الباب على "العذر بالتأويل". فالفعل في ظاهره من أشد ما يكون؛ مراسلة المشركين بأخبار النبي ﷺ في وقت الحرب! ومع ذلك، لما ذكر حاطب عذراً يحتمله حاله، قبله النبي ﷺ وقال: «لقد صدَقَكم». قال الإمام الخطابي معلقاً على هذا الفقه العظيم: «إذا تعاطى شيئًا من المحظور وادّعى أمرًا مما يحتمله التأويل، كان القولُ قولَه في ذلك وإن كان غالبُ الظنّ بخلافه». فيا سبحان الله! يُقبَلُ عذره ويُصدَّق، حتى وإن كان غالب الظن بخلافه! فكما قَبِل النبي ﷺ العذر في زلةٍ عمليةٍ شديدة الخطر، فإننا نرجو العفو والصفح لإمامٍ مجتهدٍ زلّ وتأول مسألةً وهو يَظُنُّ أنه ينزه الله ويعظمه، ولا نقطع بهلكته كما يفعل الغلاة!

والدرس الثاني.. في موقف عمر الفاروق رضي الله عنه؛ فقد اشتدت غيرته لله حين رأى الفعل الخطير حتى قال: «دعني أضرب عنق هذا المنافق». لكن تأملوا الفارق الشاسع بين غيرة الصحابة الصادقة وبين قسوة الغلاة! فبمجرد أن ذكّره النبي ﷺ بسابقة حاطب في بدر وما له من حسنات، وقف عمر عند النص، وبكى، وتراجع فوراً، ولم يجادل أو يُصر على الطعن والإسقاط! أما الغالي اليوم؛ فتُعْرَض عليه بحار العلم وقناطير الحسنات والجهاد لإمامٍ من أئمة المسلمين زلّ في مسألة، فلا تزيده تلك الحسنات إلا إصراراً على التجريح والتبديع! فعمر رضي الله عنه خضع لميزان الشريعة وسلّم حين رأى الحسنات، وهؤلاء لا تقنعهم حسنات أهل الأرض جميعاً؛ لأن ميزانهم الهوى، وقلوبهم أُشربت قسوةً لا تلين.

والدرس الثالث القاصم لظهور الغلاة.. أن النبي ﷺ لم يزن حاطباً بموقفٍ واحدٍ أو زلةٍ واحدة ليلغي بها تاريخه، بل نظر في سيرته كلها وقال: «إنه قد شهد بدرًا»! فأدخل حسناته السابقة المشرقة، في الحكم على فعلته الحاضرة. وهذا هو بعينه يا عباد الله ما يُسميه هؤلاء الغلاة اليوم "الموازنة"، ويعدّونه تمييعاً وتضييعاً للدين، ويشنعون على من يقول به! وقد فعله رسول الله ﷺ بنفسه، وفي أخطر موقفٍ يمكن تصوره!

فقولوا لهذا الغالي الذي يُسقِطُ أئمة الإسلام: إذا كان هذا العذر وهذه الموازنة تُشرع في زلةٍ عمليةٍ بالغة الخطورة كمراسلة المشركين وقت الحرب.. فكيف بمن تأول صفةً من صفات الله، أو زلّ في مسألةٍ علمية، يريد بها تنزيه ربه ونصرة دينه (حتى وإن أخطأ الطريق) كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: رام نفعًا فضر من غير قصد ومن البر ما يكون عقوقًا. ولهذا، بوّب الإمام البخاري لهذا الحديث بعنوانٍ صريحٍ يقطع دابر التكفيريين، فقال: «باب من لم يَرَ إكفارَ من قال ذلك متأوِّلًا أو جاهلًا».

فأين يذهب هؤلاء القوم، وكيف يقرأون سنة نبيهم؟ أم على قلوبٍ أقفالها؟!