رسالة إلى الحدادية · 6 من 89

«أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِه؟»: بَابُ قِرَاءَةِ النِّيَّاتِ مَسْدُودٌ بِنَصِّ النُّبُوَّة

بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً، فَلَحِقَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه. فَقَتَلَه. فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فَقَالَ: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه؟!» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه، إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْل. فَقَالَ: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!» فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيْهِ حَتَّى تَمَنَّى أُسَامَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْم.

البيانيَا هَذَا، إِنَّ أَخْطَرَ مَا فِي صَنْعَةِ الْغُلُوِّ لَيْسَ الْحُكْمَ نَفْسَهُ، بَلِ الطَّرِيقَ الَّذِي يُوصَلُ بِهِ إِلَيْه: أَنْ يُفْتَحَ بَابُ الْقُلُوبِ فَيُقْرَأَ مَا فِيهَا، ثُمَّ يُبْنَى عَلَى تِلْكَ الْقِرَاءَةِ حُكْمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة. وَهَذَا الْحَدِيثُ سَدَّ ذَلِكَ الْبَابَ سَدًّا لَا يُفْتَحُ بَعْدَه.

انْظُرْ إِلَى مَوْقِفِ أُسَامَة: لَيْسَ مُتَسَرِّعًا فِي مَجْلِسِ مُنَاظَرَةٍ، وَلَا صَاحِبَ هَوًى يَنْبُشُ فِي كِتَاب. هُوَ فِي سَاحَةِ قِتَالٍ، أَمَامَ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ كَلِمَةً فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي لَا تُقَالُ فِيهَا إِلَّا نَجَاةً مِنَ الْحَدِيد. وَالْقَرِينَةُ ظَاهِرَة، وَالْحَالُ نَاطِقَة، وَكُلُّ عَقْلٍ يَقُولُ: هَذَا مُتَعَوِّذ. وَأُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ وَابْنُ حِبِّه، لَمْ يَقْتُلْهُ بُغْضًا وَلَا شَهْوَة، وَإِنَّمَا بَنَى عَلَى مَا ظَنَّهُ يَقِينًا.

وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ جَاءَهُ الْجَوَابُ صَاعِقًا: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟!» فَاسْمَعْهَا جَيِّدًا: «حَتَّى تَعْلَم». جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّرِيقَ الْوَحِيدَ إِلَى الْحُكْمِ عَلَى الْبَاطِنِ أَنْ تَشُقَّ الْقَلْبَ فَتَنْظُرَ فِيهِ، وَهُوَ مُحَالٌ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ بَشَر. وَمَعْنَى ذَلِكَ بِلُغَةٍ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيل: لَيْسَ لَكَ إِلَى بَوَاطِنِ النَّاسِ سَبِيل، فَدَعْ عَنْكَ دَعْوَى الْعِلْمِ بِهَا.

ثُمَّ زَادَ الْأَمْرَ تَوْكِيدًا فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّى أُسَامَةُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ؛ أَيْ تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ إِسْلَامُهُ بَعْدَهَا لِيُمْحَى مَا مَضَى. وَهَذَا التَّكْرَارُ لَيْسَ فَضْلَةً فِي الْحَدِيثِ، بَلْ هُوَ مِيزَانٌ لِعِظَمِ الْجِنَايَة: أَنْ يُنْسَبَ إِلَى الْقَلْبِ مَا لَمْ يُطْلِعْكَ اللَّهُ عَلَيْه.

فَأَقْبِلِ الْآنَ عَلَى صَنْعَتِهِمْ: يَأْخُذُ الرَّجُلُ عِبَارَةً لِإِمَامٍ مَاتَ قَبْلَ خَمْسَةِ قُرُونٍ، مُحْتَمِلَةً فِي نَفْسِهَا، مَسْبُوقَةً بِعَشَرَاتِ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ فِي كُتُبِ صَاحِبِهَا، ثُمَّ يُخْبِرُكَ عَنْ قَلْبِهِ: أَرَادَ كَذَا، وَقَصَدَ كَذَا، وَهُوَ يَعْلَمُ الْحَقَّ وَيُكَابِرُ، وَإِنَّمَا يُبْطِنُ غَيْرَ مَا يُظْهِر. وَهَذَا هُوَ شَقُّ الْقُلُوبِ بِعَيْنِهِ، بَلْ هُوَ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ أُسَامَةَ شَقَّ قَلْبَ رَجُلٍ حَاضِرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ بِقَرِينَةٍ قَائِمَةٍ، وَهُمْ يَشُقُّونَ قُلُوبَ الْأَمْوَاتِ بِقَرَائِنَ مَفْقُودَة!

وَقَابِلْ بَيْنَ الْحَالَيْنِ تَعْرِفْ مِقْدَارَ الْجِنَايَة: الَّذِي قَتَلَهُ أُسَامَةُ مُشْرِكٌ فِي صَفِّ الْمُحَارِبِينَ، وَكَلِمَتُهُ وَاحِدَةٌ لَا سَابِقَةَ لَهَا. وَالَّذِي يُبَدَّعُ الْيَوْمَ إِمَامٌ مَلَأَتِ الْأَرْضَ مُصَنَّفَاتُهُ فِي نَصْرِ السُّنَّةِ، وَسَوَابِقُهُ فِي خِدْمَةِ الدِّينِ لَا تُحْصَى، وَلَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ نَفْسِهَا كَلَامٌ صَرِيحٌ يُفَسِّرُ مُجْمَلَه. فَإِذَا مُنِعَ أُسَامَةُ هُنَاكَ، فَمَنْعُ هَؤُلَاءِ هُنَا مِنْ بَابٍ أَوْلَى بِمَرَاتِب.

ثُمَّ تَأَمَّلْ مَا بَعْدَ الْمَنْعِ: النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُقِمْ عَلَى أُسَامَةَ حَدًّا وَلَمْ يُسْقِطْهُ، بَلْ رَدَعَهُ وَعَلَّمَهُ، وَبَقِيَ أُسَامَةُ حِبَّهُ وَأَمِيرَ جَيْشِه. فَهَذَا هُوَ مِيزَانُ أَهْلِ السُّنَّةِ الَّذِي ضَاعَ عِنْدَهُمْ: يُنْكَرُ الْخَطَأُ وَلَا يُهْدَرُ صَاحِبُه. وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا وَاحِدَةً مِنِ اثْنَتَيْنِ: إِمَّا السُّكُوتُ، وَإِمَّا الْإِسْقَاط.

فَيَا مَنْ جَعَلَ قِرَاءَةَ النِّيَّاتِ صَنْعَتَهُ، وَصَارَ يُخْبِرُ النَّاسَ عَمَّا فِي صُدُورِ الْأَئِمَّةِ كَأَنَّهُ اطَّلَعَ عَلَى الْغَيْبِ: بِأَيِّ آلَةٍ عَرَفْت؟ أَشَقَقْتَ الْقُلُوب؟ أَمْ أُطْلِعْتَ عَلَى الْغَيْب؟ فَإِنْ قُلْتَ: دَلَّتِ الْقَرَائِنُ، فَقَدْ كَانَتِ الْقَرَائِنُ مَعَ أُسَامَةَ أَظْهَرَ وَأَقْوَى، وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا.

وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ تَكَلَّفَ عِلْمَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ، أَوْشَكَ أَنْ يُفْضَحَ فِيمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ فَإِنَّ مَنِ ادَّعَى مَفَاتِيحَ الْغَيْبِ فَقَدْ نَازَعَ رَبَّهُ فِي صِفَةٍ لَمْ يُنَازَعْ فِيهَا.