رسالة إلى الحدادية · 7 من 89

ذاتُ أنواط: صحابةٌ طلبوا ما شبَّهه النبيُّ بطلب بني إسرائيل، فما كفَّرهم ولا استتابهم

عن أبي واقدٍ الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حُنين ونحن حدثاءُ عهدٍ بكفر، وللمشركين سِدرةٌ يَعكُفون عندها ويَنُوطون بها أسلحتهم، يُقالُ لها: ذاتُ أنواط. فمررنا بسِدرةٍ فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذاتَ أنواطٍ كما لهم ذاتُ أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهُ أكبر! إنها السُّنَن. قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. لتَركبُنَّ سُنَنَ من كان قبلكم». واستنبط الشيخ محمد بن عبد الوهاب من مسائل هذا الحديث: «أن المسلم قد يفعل الكفر وهو لا يدري»، و«أن الجاهل يُعلَّمُ».

البيانقف أيها الموفق عند هذا المشهد النبوي المهيب؛ لترى كيف تتجلى حكمة النبوة وسعة عدالتها ورحمتها.

قومٌ من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا معه مجاهدين، رأوا سِدرةً للمشركين يعكفون عندها ويتبركون بنوط أسلحتهم بها، فقالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط».

فكان الجواب النبوي عظيماً كاشفاً؛ إذ شبّه مقالتهم بأخطر طلبٍ في تاريخ بني إسرائيل: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾، غير أنه ﷺ لم يستتبهم، ولم يأمرهم بتجديد إسلامهم، ولم يقل: برئت منكم؛ بل كبّر مستنكراً الفعل، ثم أقبل يُعلّمهم ويفقههم.. فكان المسلك النبوي تعليماً لا تكفيراً، وبياناً وتصحيحاً لا طرداً وإسقاطاً!

النبي ﷺ شبّه «القول بالقول» تحذيراً من مشابهة أهل الضلال، ولم يُنزّل على الصحابة حكم بني إسرائيل ولا أخرجهم من الملة؛ وفرقٌ هائل بين من يحذر أخاه قائلاً: «قولك هذا يشبه مقالة فلان فاحذره»، وبين من يرميه بعينه بأنه كافرٌ أو منافق!

بل ارفع بصرك إلى ما هو أبعد: فالمقيسُ عليه نفسُه ما حُكم عليه بالردّة! قال العلامة عبد الرحمن المعلمي في طلب بني إسرائيل ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾: «يظهر من جواب موسى عليه السلام أنه وإن أنكر عليهم جهلَهم لم يجعل طلبَهم ارتدادًا عن الدين، ويشهد لذلك أنهم لم يؤاخَذوا ههنا كما أُوخذوا عند اتخاذهم العجل؛ فكأنهم ههنا عُذروا بقرب عهدهم». فالطرفان معذوران بقرب العهد: هؤلاء وهؤلاء! فمن أين جئتم بميزانٍ لا يعذر أحدًا؟

ثم تأمل الكلمة التي وضعها الصحابي الجليل أبو واقد الليثي في صدر الحديث كأنه يضع المفتاح في يدك: «ونحن حدثاءُ عهدٍ بكفر»؛ فما ذكرها إلا ليُقرر مناط العذر؛ وهو الجهل الناشئ عن قرب العهد بالجاهلية قبل تمكن البيان الشرعي.

وهنا يقع الإلزام القاهر الذي يقطع دابر الغلو؛ فإن الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب -الذي يزعم هؤلاء الانتساب إليه- وقف على هذا الحديث بعينه فاستنبط منه أصلين جليين بلفظه: «أن المسلم قد يفعل الكفر وهو لا يدري»، و«أن الجاهل يُعلَّمُ». فأين هذا الفقه السلفي الناصع ممن يملأ الدنيا ضجيجاً اليوم فيزعم أن «الشرك لا يُتأوَّل، ولا يُعذَرُ فيه بالجهل»؟!

فإذا كان الشرك لا يُعذَرُ فيه جاهل، فماذا تصنعون بقومٍ صحبوا رسول الله ﷺ فطلبوا ما شبّهه المعصوم ﷺ بطلب اتخاذ إلهٍ مع الله، ومع ذلك لم يُكفّرهم ولم يُهدر إيمانهم؟! أتقولون خصوصية لهم بلا برهان، أم تنكرون ظاهر النص؟! إن أصولكم تتهاوى أمام هذا الحديث الصريح.

وقد فقِه هذا اللازمَ حفيدُ الإمام: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، فقال: «فإذا كان بعضُ الصحابة ظنّوا ذلك حسنًا وطلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم حتى بيّن لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل: اجعل لنا إلهًا؛ فكيف بغيرهم مع غلبة الجهل وبُعد العهد بآثار النبوة؟». فتأمّل: أئمةُ الدعوة يستخرجون من الحديث توسعةَ العذر لمن بعد الصحابة، والغلاةُ يستخرجون منه إهدارَ العذر عمّن دونهم! فبيتُ الشيخ يعذر، والمنتسبون إليه يُكفِّرون؛ فأيُّ الفريقين على منهاجه؟

ثم انظر يا رعاك الله إلى هذا الميزان المقلوب؛ أولئك قومٌ حدثاءُ عهدٍ بكفر، خرجت منهم كلمةٌ شبَّهها المعصومُ صلى الله عليه وسلم بأعظم ما قالته بنو إسرائيل، فوسِعهم عفوُ النبوة وبيانُها، فما خرجوا من الملّة ولا استُتيبوا ولا جُدِّد لهم إسلام. ثم أئمةٌ أعلامٌ أفنوا أعمارهم في حفظ السنة وشرحها والذبِّ عن الدين، ليس عندهم ما عند أولئك ولا قريبٌ منه، وإنما رام أحدُهم تنزيهَ ربّه فأخطأ الطريق في تأويل نصّ؛ فلا يسعهم عندكم عذرٌ ولا بيان، ولا يُنظَر لهم في سابقةٍ ولا حسنة!

فيا لله العجب! رحمةٌ وسِعت الجاهلَ وهو واقفٌ بين يدي النبوة، ضاقت عندكم عن العالِم وقد صارت بينه وبينكم القرون. أيُّ ميزانٍ هذا الذي كلَّما ازداد الرجلُ للدين خدمةً ازداد عندكم من العذر حرمانًا؟! فاتقِ اللهَ يا هذا؛ فإنَّ الذي وسَّع على أولئك هو الذي يزِنُك غدًا، وإنك لتُوصِدُ اليوم بابًا أنت أوّلُ من يقرعه، ولا يُفتح لك إلا بما فتحتَ به على عباده.

واعلم أن حراسة التوحيد الحقة تقتضي أن تقول ما قاله رسول الله ﷺ، وأن تسكت حيث سكت؛ فقد أنكر البدعة في مهدها، وحفظ لأهل الإسلام مقامهم وإيمانهم..

فأنكِر أنت كما أنكر، واحفَظ كما حفِظ؛ فإنك إن أنكرتَ وكفّرتَ وأسقطتَ، فقد زدتَ على رسول الله في دينه، وما زاد على النبوة أحدٌ إلا نقص دينه وخاب مسعاه!