رسالة إلى الحدادية · 8 من 89

صحابيٌّ حكَّ المعوِّذتين من مصحفه متأولًا ولم يكفِّره أحدٌ من الصحابة

ثبت في صحاح الآثار أن صحابياً جليلاً كان يحك "المعوذتين" من مصحفه، متأولاً وبناءً على اجتهاده أنهما ليستا من القرآن، بل هما دعاءٌ وتعويذ أمر النبي ﷺ أن يُتعوّذ بهما.

البيانبعد أن قررنا الأصل الذهبي في التفريق بين (المقالة) و(قائلها)؛ قفوا الآن أمام هذا الأثر المزلزل الذي يقصم ظهر الغلو ويفضح جهل أصحابه! وتكمن عظمته في كونه يبلغ بالأمر أقصاه من الجهتين معاً: فالخطأ هنا وقع في أجلّ متعلَّق (وهو القرآن وكلام رب العالمين)، والفاعل من أعظم الناس منزلة (وهو صحابي جليل، نذكر فعله ونطوي اسمه حياءً وصيانةً لمقامه العالي).

لقد حكّ هذا الصحابي سورتين من كتاب الله، متأولاً باجتهاده أنهما ليستا من القرآن! وإنكارُ حرفٍ واحدٍ من القرآن -كما لا يخفى- كفرٌ وردةٌ بإجماع الأمة. ولكن.. هل كفّره أحدٌ من الصحابة؟! هل أسقطوه وشنعوا عليه؟! معاذ الله! بل عذروه وعذره المسلمون قاطبة؛ لعلمهم بصدقه وسابقته، ولأنه "متأول" أخطأ اجتهاده، قبل أن يتواتر الإجماع وتستفيض المصاحف.

وهنا نضع هذا الغالي الحدادي أمام إلزامٍ لا فكاك له منه: أنتم تُسقطون أئمة الإسلام لمجرد خطأٍ في تأويل صفة.. فإذا كان بشاعة الخطأ وحدها تكفي لإسقاط المخطئ دون نظرٍ لعذره وتأويله، فماذا أنتم صانعون بهذا الصحابي الجليل؟! فإن قلتم: نكفره ونسقطه.. فقد مرقتم من الدين، وطعنتم في أصحاب سيد المرسلين! وإن قلتم: لا، بل نراعي منزلته، واجتهاده، ونلتمس له العذر.. فقد أقررتم صاغرين بالأصل الذهبي الذي تنكرونه علينا اليوم! ولا مخرج لكم إلا أن تزنوا الناس بميزانين!

ثم تعالوا نسألكم بسؤالكم الأثير الذي تدندنون به لتشنيع دفاعنا عن العلماء (أتُعظمون الإمام الفلاني أكثر من صفات الله؟)، فنقول لكم: أفكان الصحابة والأمة يُعظمون هذا الصحابي الجليل أكثر من إجلالهم للقرآن؟! فإن قلتم "لا".. فقد اعترفتم بأن حفظ مقام المخطئ المتأول، ليس استهانةً بخطئه، ولا تفريطاً في حق الله وحق كتابه! فلماذا تشنعون علينا إذا حفظنا مقامات أئمة الدين مع بيان خطئهم؟! وإن قلتم "نعم".. فقد رميتم أصحاب محمد ﷺ بما فررتم منه!

فيا سبحان الله! الميزان الشرعي واحدٌ لا يتبدل، من تأول باجتهاد وشبهة فهو معذورٌ مأجور.

فمتى يدرك هؤلاء القساة أن الشريعة جاءت بالعدل والرحمة، وأن الحكم يختلف باختلاف حال المخطئ، لا بمحاكم التفتيش الصماء التي نصبوها لعباد الله؟!