سجودُ معاذٍ للنبي صلى الله عليه وسلم: أنكر الفعلَ ولم يحكم على الفاعل
لمّا قدِم معاذُ بن جبل رضي الله عنه من الشام سجَد للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟» قال: يا رسول الله، إني أتيتُ الشام فرأيتُهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوَدِدتُ في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فَلَا تَفْعَلُوا، فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا».
البيانقف عند حجم الواقعة أولًا، فإن أكثر الناس يمرّ بها ولا يتصوّرها. رجلٌ سجَد لغير الله. والسجودُ أخصُّ ما يكون من العبادة. وليس الساجد رجلًا من عامة الناس، بل معاذُ بن جبل، الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلمُ أمتي بالحلال والحرام معاذ». ثم انظر ماذا صنع النبي صلى الله عليه وسلم.
لم يقل: كفرتَ. ولم يقل: خرجتَ من الملة. ولم يُشهِر به في الناس، ولم يجعله موضوع خطبةٍ يحذّر منه فيها. وإنما بدأ بسؤالٍ واحد: «مَا هَذَا يَا مُعَاذُ؟». فاستفصل قبل أن يَحكُمَ، وهو الذي لا ينطق عن الهوى.
فلمّا بيّن معاذٌ قصده، جاء الجواب: «فَلَا تَفْعَلُوا». نهيٌ حاسمٌ عن الفعل، بلا حكمٍ على الفاعل. ثم زاده بيانًا فقال: «فَإِنِّي لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِغَيْرِ اللَّهِ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا». فسدّ الباب سدًّا محكمًا، وعلّمه ولم يهدمه.
وهذا هو الميزان الذي ضيّعه القوم. فالفعل منكرٌ عظيم لا يُقرّ عليه أحد، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يُقرّه ولم يُهوّن منه. ولكنه فرّق بين تخطئة الفعل والحكم على صاحبه؛ لأن معاذًا لم يقصد العبادة، وإنما قصد التعظيم عن جهلٍ بحكمه.
ولستُ أنا المستنبِطَ لهذا من الحديث حتى يُقال: تأويلُ مُميِّع. بل هو ما فهمه أهلُ العلم منه؛ قال الشوكاني في «نيل الأوطار» معلّقًا على هذا الحديث بعينه: «فيه دليلٌ على أنّ من سجد جاهلًا لغير الله لم يُكفَّر». جملةٌ واحدةٌ لا تحتمل لفًّا ولا دورانًا: سجودٌ لغير الله، ثم جهلٌ، ثم نفيُ التكفير صريحًا. فإن كان هذا إرجاءً فالشوكانيُّ عندكم مرجئ، وإن كان فقهًا فأعيدوا النظر فيمن أسقطتم.
فتأمل: العذرُ بالجهل الذي ينكره هؤلاء ويسمّونه إرجاءً وتمييعًا، أصلٌ عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم في أعظم باب، وهو باب السجود لغير الله. فإن كان العذرُ بالجهل تمييعًا، فإلى أين ينتهي بكم أصلُكم؟ إنه ينتهي بكم إلى صنيع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع معاذ، وحاشاه. وفسادُ اللازم دليلُ فساد الأصل الذي أنتجه؛ فراجعوا أصلَكم قبل أن يبلغ بكم ما لا تحتملونه.
ومن هنا يَسقُطُ اعتراضٌ يكرّره محمد بن شمس الدين كلّما ذُكر العذر بالجهل، فيقول ساخرًا: كيف يكون عالمًا ثم يُعذَرُ بالجهل؟ أعالِمُكم جاهل؟ فيقال له: العذر بالجهل ليس وصفًا للرجل بالجهل المطلق، وإنما هو جهلٌ بمسألةٍ بعينها؛ فليس في الأرض عالمٌ أحاط بكل شيءٍ علمًا، وكلُّ عالمٍ يَعلَمُ ويَجهَلُ. وهذا معاذُ بن جبل الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أعلمُ أمتي بالحلال والحرام معاذ»، جهِل حكم السجود لغير الله فعُذر. أفتقول: معاذٌ جاهل؟ أم تقول: عَلِم أشياء وجهِل هذه؟
فإن كان العذر بالجهل في مسألةٍ واحدة يُسقِطُ هيبةَ العالم ويُخرجه من العلم، فقد سقطت هيبة معاذٍ في مجلسٍ واحد، وحاشاه. وإن لم تَسقُطْ، وهو الحق الذي لا يجادل فيه مسلم، فقد بطل اعتراضك من أصله. ثم إنك تستكثر على النووي وابن حجر أن يجهلا بعض المسائل، وأنت تجهل من مسائل الدين ما لا يُحصى. فمن أولى بأن يُقالَ له: هذا جاهل؟
ثم اسأل هؤلاء الغلاة: النبي صلى الله عليه وسلم استفصل من معاذٍ قبل أن يَحكُمَ، وهو حاضرٌ بين يديه يستطيع أن يسأله. وأنتم تحكمون على أئمةٍ ماتوا قبل قرون بكلمةٍ التقطتموها من صفحة، ولم تسألوهم ولا تستطيعون. فمن أين جاءكم من العلم بقصدهم ما لم يستغنِ عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجلٍ ماثلٍ أمامه؟
وإن قال: معاذٌ صحابيّ وله فضله، قيل له: هذه حجةٌ عليك لا لك. فإن كان الفضل السابق يمنع من التسرّع في الحكم، فأين فضل النووي والسيوطي وأبي حنيفة؟ أَوَ لم يفنوا أعمارهم في خدمة السنة؟ فإن كنت لا ترى الفضل مانعًا فقد خالفت صنيع النبي صلى الله عليه وسلم مع معاذ، وإن رأيته مانعًا فلمَ لم تُعمله في الأئمة؟
يا هذا، لو عُرض معاذٌ على ميزانك لخرج من الملة في مجلسٍ واحد، ولقيل: سجد لغير الله فهو مشرك، وانتهت القصة. أفميزانٌ لا يثبت عليه معاذُ بن جبل يصلح أن تزن به أئمة الإسلام؟ فانظر كم إمامًا أسقطتَه به.
واكشف الباعث. إن الذي يجعل الرجل يتعجّل الحكم ليس العلم، فالعلم يورث التوقّف والتثبّت. وإنما هو ضيق العلم مع سعة الدعوى. فالمتمكّن يَعرِفُ كم في المسألة من احتمال فيتأنّى، والمتعجّل لا يرى إلا وجهًا واحدًا فيقطع به. ثم يزيّن له الشيطان أن قطعه هذا قوةٌ في الدين، وإنما هو ضعفٌ في الآلة.
وتأمل رحمة المعلّم صلى الله عليه وسلم: أخطأ أعلمُ الأمة بالحلال والحرام خطأً في أصل الأصول، فما زاده إلا تعليمًا وبيانًا. ثم بقي معاذٌ بعدها إمامًا يُبعث إلى اليمن ليعلّم الناس دينهم. فما أسقطته الزلّة، ولا حُبس عن الإمامة.
فاعرض نفسك على هذا: كم من طالب علمٍ صغيرٍ أسقطتَه بكلمة، وكم من عالمٍ كبيرٍ هدمتَ عمره بسطر. ثم تخيّل نفسك واقفًا يوم القيامة وقد جاء هؤلاء يطلبون حقوقهم، والحسنات تُقتسم.
نسأل الله أن يرزقنا حِلم المعلّم صلى الله عليه وسلم مع المخطئ، وأن يُعافينا من قسوةٍ نظنُّها غيرةً وهي هلاك.
