«أنتَ عبدي وأنا ربُّك»: كلمةُ كفرٍ خرجت خطأً فلم يؤاخَذ بها صاحبُها
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: للهُ أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة، فانفلتت منه وعليها طعامُه وشرابه، فأيِس منها، فأتى شجرةً فاضطجع في ظلّها قد أيِس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمةً عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك. أخطأ من شدّة الفرح.
البيانتأملوا يرحمكم الله هذه الكلمة المفزعة، وجردوها تماماً من قائلها ومن حاله، ثم ضعوها وحدها في كفة الميزان: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك».
والله لو وُزنت بموازين الأرض كلها لكانت أشنع لفظٍ وأفحش مقالة، ولرُجحت بكفر الأولين والآخرين! فهل ثمة فظاعةٌ وجرأةٌ تفوق ادعاء الربوبية؟!
ومع هذا.. كيف ساقها النبي ﷺ في حديثه؟ وكيف حاسب قائلها؟
لقد محا المشرّع الحكيم ﷺ هذه الجريمة اللفظية العظمى بأربع كلماتٍ لا غير: «أخطأ من شدّة الفرح».
قفوا هنا طويلاً.. فالنبي ﷺ لم يقف عند بشاعة اللفظ المنطوق، ولم يقل: "الكلمة كفر فقائلها كافر"، ولم يقل: "ألزموه بلازم قوله الصريح"، ولم يطالب بامتحانه واستتابته! بل غاص ﷺ إلى أعماق القلب، فرأى نيةً طاهرة طاشت بها شدة الفرح، فأسقط اللفظ الكفري بحال صاحبه الصادق.
وهنا يتهشم صنم الغلو الحدادي الذي ينصبونه للناس! فمذهبهم الفاسد يقوم على أصلٍ واحد: "أن مجرد النطق باللفظ الخطأ، يوجب إسقاط القائل والحكم عليه، دون نظر لقصده وتأويله".
فلو كان مذهبهم حقاً، لما وسع النبيَّ ﷺ أن يَعذُرَ هذا الرجل أصلاً؛ إذ ليس بعد ادعاء الربوبية ذنبٌ يُغتفر! ولكن بان لكم أن ميزان النبوة يرى ما لا يراه هؤلاء القساة؛ فهو يفرق بين بشاعة الكلمة، وبين عذر القلب الذي أخرجها.
ثم تأملوا ما هو أعجب وألطف!
في أي سياقٍ ساق النبي ﷺ قصة هذا الرجل؟ هل ساقها محذراً ومشنعاً؟ لا والله! بل حكى زلته الشنيعة في أرفع مقامٍ لبيان سعة رحمة الله وفرحه بتوبة عبده!
فجاءت أعظم زلة، مذكورةً في أعظم سياق للرحمة. فمن اتخذ من زلات الأئمة وعثراتهم بضاعةً يجمعها للتشنيع، والتحذير، والتبديع، فقد حاد عن طريقة النبوة وضل عن سواء السبيل.
فيا للعقول المقلوبة! إذا كان سبق اللسان بأفظع كفرٍ، يُعذَرُ به صاحبه لسلامة قلبه.. فما بالكم بإمامٍ من جبال العلم، أفنى عمره في الذب عن دين الله، ثم اجتهد وأخطأ!
