«يحمل هذا العلمَ من كل خلفٍ عدولُه»: شهادةُ النبوة لحملة العلم في كل قرن
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يَحمِلُ هذا العلمَ من كل خلفٍ عدولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
البيانتأملوا هذا الميزان النبوي العظيم، لتعرفوا كيف حُفظ هذا الدين، وكيف تتكسر أمامه نصال الغلو.
فهذا هو أصل الباب؛ تعديلٌ نبويٌّ عام لحملة العلم في كل جيل. ومن زكّاه رسول الله ﷺ وعدّله، فهل يضره بعد ذلك طعن طاعن أو نبز غالي؟ ويعضد هذا أصلان عظيمان من الوحي: الأول، أن الله تكفل بحفظ الذكر، وحفظ الذكر لا يكون إلا بحفظ صدور الرجال الذين ينقلونه. والثاني، أن الله جل جلاله استشهد أهل العلم على أعظم حقيقة في الوجود: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾.. وربك لا يستشهد من خلقه إلا العدول الأثبات.
ثم انظروا إلى أعجب مفارقة، مشهدٌ يبكي القلب ويضحك العقل في آن واحد! تأملوا أول مهمة كلف بها الحديث هؤلاء العدول: «ينفون عنه تحريف الغالين». أي أن أول عمل للعالم في كل قرن أن يطرد الغلو عن الدين. والعجيب -ورب الكعبة- أن هذا "الحدادي" الغالي، الذي نص الحديث على أن العلماء يطردونه، قام هو اليوم ليطرد العلماء أنفسهم! لقد قلب الموازين؛ جعل الحرّاس لصوصاً وألقى بهم خارج الأسوار، ثم تربع هو على الباب حارساً!
فإذا انتفخ هذا الغالي أمامكم وقال: "لقد أخطأ الأئمة قرناً بعد قرن، فعدّلوا من لا يستحق، وشهدوا بالإمامة لمن ليس أهلاً لها!".. فقولوا له: رويداً يا مسكين! ما حال هؤلاء الشهود من علماء الأمة عندك؟ أنت الآن محاصرٌ بين خمسة جدران لا مخرج لك منها، فاختر لنفسك:
إما أنهم لم يعرفوا حال الرجل فشهدوا بغير علم.
أو أنهم عرفوا حقيقته فشهدوا بالزور.
أو أنه قد خفي عليهم ما وصل إليك أنت.. فصرت أعلم بالرجل من تلاميذه ومعاصريه!
أو أنهم اتفقوا جميعاً على كتمان الحق، فصاروا كأحبار اليهود!
أو أنهم لم يفهموا كلام من قبلهم ففاتهم الصواب.
أي بابٍ من هذه الأبواب فتحت، وأي جوابٍ اخترت، فقد طعنت في حملة العلم جميعاً، ورددت التعديل النبوي في وجوههم!
ثم اكشفوا له عن حقيقة جنايته البشعة.. قولوا له: إذا جاز على أئمة الإسلام مجتمعين أن يعدّلوا من يستحق الجرح، جاز عليهم بالضرورة أن يجرحوا من يستحق التعديل. وما النتيجة؟ تَسقُطُ الثقةُ بجرحهم وتعديلهم معاً! وعلى هذين العلمين الجليلين قامت صناعة الأسانيد التي وصل بها الدين كله إليك، وبها تحتج أنت وتخاصم! فسهمك الطائش لم يصب الإمام النووي ولا الحافظ ابن حجر وحدهما، بل هدمت به السُّلَّم الذي تقف عليه!
والقرآن العظيم يقرر أن تكذيب الواحد تكذيب للجميع: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾، وهم لم يكذبوا إلا نوحاً وحده. فمن أسقط إماماً شهدت له قرون الأمة كلها، فقد طعن في الشهود كلهم، شاء ذلك أم أبى.
ولسنا ندعي عصمة أحد. فالعالم يخطئ، وخطؤه مغفور، وهو فيه معذور بل ومأجور، ويُقيّض الله له من إخوانه من يبيّن الصواب، فيُكمّل بعضهم بعضاً. المستحيل -والذي نأباه ونرده- أن تجتمع الأمة كلها على باطل. نحن نقول: يخطئ العالم الواحد، ولا تضل الأمة كلها. وهذا الغالي المغرور يقول بلسان حاله: ضلت القرون كلها، وعميت الأمة بأسرها، وأصبت أنا!
فانظروا بعين البصيرة.. أي القولين يصدق حديث رسول الله، وأيهما يرده وينسفه؟
