«لا تجتمع أمتي على ضلالة»: فكيف ضلَّلتم علماءَ القرون كلِّها؟
قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يجمع أمتي - أو قال: أمةَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم - على ضلالة. وفي لفظٍ: إن أمتي لا تجتمع على ضلالة.
البيانقف أيها الموفق متأملاً هذا الحديث العظيم؛ فإنه يهدم مذهب هؤلاء القوم من أساسه لا من أعلاه، ويقتلع جذور غلوهم من أرض الشريعة اقتلاعاً!
قال النبي ﷺ: «إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة»، وفي لفظٍ: «إن أمتي لا تجتمع على ضلالة».
إن قول هؤلاء الغلاة في إسقاط أئمة الإسلام عبر القرون (كالنووي وابن حجر وغيرهما) وتبديعهم لهم، يلزم منه طامةٌ كبرى! يلزم منه أن الأمة الإسلامية بعلمائها قد اجتمعت قروناً طويلة على تعظيم قومٍ هم في حقيقتهم "مبتدعة ضلال"، وعلى أخذ دينها وفقهها وحديثها عنهم، بل وتزكيتهم وجعلهم أئمة للإسلام! فإن كان طعن هؤلاء الغلاة صحيحاً؛ فقد اجتمعت الأمة إذن على ضلالةٍ وتوقيرٍ لأهل البدع! وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ في هذا الحديث أن هذا لا يكون أبدًا، ولا يقع البتة!
فضعوا الغالي أمام هذا الإلزام الصارم، فليس أمامه إلا مخرجان أحلاهما مر: إما أن يهرب ويقول: "لم تجتمع الأمة على إمامتهم، بل عظمهم طائفة فقط".. فنقول له: أخرج لنا إذن الطائفة الأخرى! أرنا الطائفة التي بدّعت النووي وابن حجر وأسقطتهما في القرون التي بيننا وبينهم؟ سَمِّ لنا رجالها إن كنت صادقاً! ولن يجد. وإما أن يتجرأ ويقول: "نعم اجتمعت الأمة على إمامتهم، ولكنها اجتمعت وأخطأت".. فهذا تكذيبٌ صريحٌ وردٌّ وقحٌ لحديث رسول الله ﷺ!
ثم اعلموا -يا رعاكم الله- أن هذا الحديث هو العمود الذي بنى عليه أهل العلم "حجية الإجماع"، وهؤلاء القوم يحتجون بالإجماع إذا وافق أهواءهم، فإذا خالفهم صار إجماعاً لا قيمة له! وقد قال الإمام الشاطبي: «ولا خلاف أنه لا اعتبار بإجماع العوام». فالمقصود بالأمة في الحديث: علماؤها الذين يحملون الشريعة. فإذا اتفق جبال العلم قرناً بعد قرنٍ على إمامة رجلٍ في الدين، فمن المحال شرعاً وعقلاً أن يكون مبتدعاً ضالاً يفسد الدين، ثم تعمى الأمة كلها عن ضلاله، ولا ينتبه له أحد، حتى يكتشفه متأخرٌ نكرةٌ بعد سبعة قرون!
وليس تقريرنا هذا ادعاءً لعصمة الأمة عن الخطأ في آحاد المسائل؛ فالخطأ والزلة تقع من الأفراد بل ومن الجماعات. وإنما المنفيُّ والمستحيل أن تتفق الأمة كلها -بعلمائها وطبقاتها- على باطلٍ أو تضلّ في تزكية إمام، ثم يبقى هذا الباطل مخيماً عليها قروناً حتى يكتشفه غالي اليوم! فتجويز هذا معناه ضياع شيءٍ من حفظ الدين، واتهامٌ للأمة المحمدية بالعمى والضلال، وهو من أفسد الأقوال وأبطلها!
فيا لله! أيهما نصدق: حديث رسول الله المبرئ لأمته من الاجتماع على الضلالة، أم ميزان الحدادية الذي جعل الأمة كلها في ضلالة وعمى حتى جاؤوا هم لينقذوها؟!
