رسالة إلى الحدادية · 2 من 89

﴿ويتَّبعْ غيرَ سبيل المؤمنين﴾: سَمُّوا لَنَا عَالِمًا وَاحِدًا سَبَقَكُمْ إِلَى هَذَا الطَّرِيق

قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾.

البيانقِفْ عِنْدَ هَذَا الْبَيَانِ الرَّبَّانِيّ؛ فَقَدْ ضَمَّ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى مُشَاقَّةِ الرَّسُولِ ﷺ جَرِيمَةً أُخْرَى، أَلَا وَهِيَ اتِّبَاعُ غَيْرِ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

وَمِنْ هَذِهِ الْمِشْكَاةِ اسْتَنْبَطَ الْأَئِمَّةُ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاع؛ فَمَتَى اجْتَمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَمْرٍ صَارَ إِجْمَاعُهَا هُوَ «السَّبِيل»، فَمَنْ تَنَكَّبَهُ فَقَدْ حَادَ عَنِ الْجَادَّةِ، وَاصْطَفَّ فِي خَنْدَقِ الْمُشَاقِقِينَ لِلدِّين.

ثُمَّ أَمْعِنِ النَّظَرَ فِي وَعِيدِ الْخِتَام: ﴿نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ﴾؛ أَيْ نَكِلُهُ إِلَى مَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِه.

وَلَعَمْرِي، إِنَّ هَذَا لَأَشَدُّ خِذْلَانٍ يُبْتَلَى بِهِ عَبْدٌ؛ أَنْ يَتْرُكَهُ اللَّهُ لِرَأْيِه.

فَمَنْ شَذَّ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مُسْتَبِدًّا بِفَهْمِهِ، تَخَلَّى اللَّهُ عَنْهُ وَتَرَكَهُ مَعَ غُرُورِهِ الَّذِي فَارَقَ بِهِ سَوَادَ الْأُمَّةِ، لِيَكُونَ الْمَآلُ الْمُفْجِع: ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾.

فَزِنْ -رَعَاكَ اللَّهُ- حَالَ هَؤُلَاءِ الْغُلَاةِ بِهَذَا الْمِيزَانِ الْقُرْآنِيِّ، وَاعْرِضْهُمْ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ فِي مَسْأَلَةٍ أَحْدَثُوا بِهَا جَلَبَةً وَضَجِيجًا؛ أَلَا وَهِيَ الطَّعْنُ فِي الْإِمَامِ النَّوَوِيِّ وَتَبْدِيعُهُ وَتَضْلِيلُهُ وَتَسْوِيغُ تَكْفِيرِه.

وَيْحَكَ يَا مُسْلِم! أُمَّةٌ بِأَكْمَلِهَا، بِعُلَمَائِهَا الْأَثْبَاتِ، تُقِرُّ بِفَضْلِهِ وَإِمَامَتِهِ، لَمْ يَشِذَّ عَنْ ذَلِكَ عَالِمٌ مُعْتَبَرٌ طِيلَةَ سَبْعَةِ قُرُونٍ، ثُمَّ يَنْبُتُ نَابِتٌ يَشُنُّ الْغَارَةَ عَلَيْهِ، وَيُضَلِّلُهُ، وَيُسَوِّغُ تَكْفِيرَه!

سَلْهُ: بِأَيِّ سَبِيلٍ مَشَيْت؟ إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ «سَبِيلُ الْمُؤْمِنِينَ»، فَاقْمَعْهُ بِقَوْلِكَ: سَمِّ لَنَا إِمَامًا وَاحِدًا سَبَقَكَ إِلَى هَذَا السَّبِيلِ فِي هَذِهِ الْقُرُونِ السَّبْعَة!

فَإِنْ أُبْلِسَ وَعَجَزَ، فَقَدْ دَانَ نَفْسَهُ بِلِسَانِه.

فَإِنْ تَتَرَّسَ بِشُبْهَتِهِ قَائِلًا: «الْعِبْرَةُ بِالدَّلِيلِ لَا بِكَثْرَةِ الْمُوَافِقِينَ!»، فَادْفَعْ فِي صَدْرِهِ وَقُلْ: كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِل؛ نَعَمْ، الْعِبْرَةُ بِالدَّلِيلِ، وَلَكِنْ مَنْ ذَا الَّذِي يَفْهَمُ الدَّلِيل؟ أَأَنْتَ وَحْدَكَ الَّذِي هُدِيتَ إِلَيْهِ وَعَمِيَ عَنْهُ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا؟!

إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَال: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وَالسَّبِيلُ إِنَّمَا هُوَ طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ مَطْرُوق. لَقَدْ سَلَكَ الْمُسْلِمُونَ سَبِيلًا بَيِّنًا، وَشَقَّ غُلَاةُ «الْحَدَّادِيَّةِ» لِأَنْفُسِهِمْ طَرِيقًا مُعْوَجًّا، ثُمَّ عَجَزُوا أَنْ يُسَمُّوا سَلَفًا لَهُمْ فِي هَذَا الْمَنْهَجِ الْخَبِيث.

وَدَعْنِي أَكْشِفْ لَكَ الْبَاعِثَ الدَّفِينَ وَرَاءَ هَذَا الشُّذُوذِ لِتَعْرِفَ حَقِيقَةَ الدَّاء.

وَايْمُ اللَّهِ، مَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرَةُ عَلَى التَّوْحِيدِ كَمَا يَزْعُمُون؛ فَلَوْ صَدَقُوا لَبَدَأُوا بِأَنْفُسِهِم.

إِنَّمَا هِيَ آفَةٌ نَفْسِيَّة؛ فَالنُّفُوسُ الصِّغَارُ إِذَا قَصُرَتْ هِمَمُهَا عَنْ بُلُوغِ مَنَازِلِ الْأَكَابِرِ، تَعَزَّتْ عَنْ نَقْصِهَا بِتَحْطِيمِ أَهْلِ الْفَضْل. فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الِارْتِقَاءِ إِلَيْهِمْ، اشْتَفَى بِإِنْزَالِهِمْ إِلَيْه!

وَهُوَ دَاءٌ قَدِيمٌ، يَتَلَوَّنُ فِي كُلِّ زَمَانٍ بِثَوْبٍ، وَثَوْبُهُ الْيَوْمَ: ادِّعَاءُ الدِّفَاعِ عَنِ الْعَقِيدَة؛ تَمَامًا كَمَا فَعَلَ سَلَفُهُمْ مِنَ الْخَوَارِجِ حِينَ رَفَعُوا الْمَصَاحِفَ فِي وُجُوهِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَفَّرُوهُمْ وَقَاتَلُوهُمْ بِاسْمِ الدِّين.

فَيَا أَيُّهَا الْمَفْتُونُ، اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلِ النَّجَاةَ فِي ذَلَاقَةِ اللِّسَانِ، وَلَا فِي كَثْرَةِ الْأَتْبَاعِ، وَلَا فِي بَرَاعَةِ الْجَدَلِ وَتَزْوِيقِ الْمَرْئِيَّاتِ (فَلَاتِرِ الْفِيدْيُو). إِنَّمَا جَعَلَ النَّجَاةَ فِي أَنْ تَضَعَ قَدَمَكَ حَيْثُ وَضَعَ الْمُؤْمِنُونَ أَقْدَامَهُم. فَتَبَصَّرْ فِي أَيِّ الصَّفَّيْنِ تَقِف: أَفِي صَفٍّ يَزْخَرُ بِأَمْثَالِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، وَالذَّهَبِيِّ، وَابْنِ كَثِيرٍ، وَابْنِ رَجَبٍ، وَابْنِ عَبْدِ الْهَادِي، وَابْنِ بَازٍ، وَابْنِ عُثَيْمِينَ، وَالْأَلْبَانِيِّ، وَسَائِرِ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي مِنْ أَئِمَّةِ الْعِلْم؟

أَمْ فِي صَفِّ غُلَاةٍ حَيَارَى، لَا شَيْخَ يُرَبِّيهِمْ، وَلَا عَالِمَ يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ، بَلْ مَقَالِيدُهُمْ بِيَدِ صُنَّاعِ الْمُحْتَوَى وَثُلَّةٍ مِنَ الْأَغْمَارِ غِلَاظِ الْأَكْبَادِ قُسَاةِ الْقُلُوب؟!

إِنَّ الْخَطْبَ لَيْسَ مُجَرَّدَ نِزَاعٍ فِي مَسْأَلَةٍ تُطْوَى وَتُنْسَى، بَلْ هُوَ مَوْقِفٌ جَلَلٌ سَتُسْأَلُ عَنْهُ بَيْنَ يَدَيْ دَيَّانِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض.

فَتَخَيَّلْ وُقُوفَكَ غَدًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، وَقَدْ سَأَلَكَ: بِأَيِّ سَبِيلٍ مَشَيْت؟ فَإِنْ تَذَرَّعْتَ بِأَنَّكَ عَلَى «سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ»، قِيلَ لَكَ: فَأَيْنَ هُم؟ فَإِنِ الْتَفَتَّ فَلَمْ تَجِدْ إِمَامًا وَاحِدًا يَقِفُ فِي صَفِّكَ، فَقَدْ تَجَلَّى لَكَ الْيَوْمَ مِنَ الْخِذْلَانِ مَا سَتَلْقَاهُ غَدًا.

غَيْرَ أَنَّ بَابَ التَّوْبَةِ وَالْأَوْبَةِ مُشْرَعٌ مَا دَامَ فِي الْعُمُرِ مُتَّسَع. فَلَيْسَ الْمُرَادُ إِحْرَاجَكَ بِالْإِقْرَارِ بِالْخَطَأِ أَمَامَ الْخَلْقِ، بَلْ غَايَةُ الْمُرَادِ أَنْ تَفِيءَ إِلَى الصَّفِّ الْمُبَارَكِ الَّذِي فَارَقْتَه.

فَمَنْ آبَ إِلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ أَدْرَكَ النَّجَاةَ وَلَوْ فِي الرَّمَقِ الْأَخِير. فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَن.

محمد بن شمس الدين يقرّر حجّية الإجماع بلسانه، والمقطع قبل نحو خمس سنين

نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِمَّنِ اتَّبَعَ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ فَوُلِّيَ مَعَهُمْ، وَلَا يَجْعَلَنَا مِمَّنْ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ فَهَلَك.