تفكيك دعاوى الخليفي في التكفير والتضليل (4): دعوى أن قيام الحجة يتحقق بمجرد الانقطاع في المناظرة

12 أغسطس 2026

من أغلاط الخليفي في مفهوم قيام الحجة أن المناظر إذا ألجم مخالفه بالدليل وأفحمه، فمعنى ذلك أن الحجة قد قامت عليه.

فالانقطاع في المناظرة قدر كاف في الحكم بأن المخالف قد قامت عليه الحجة، ويصح أن يحكم عليه بعينه بالكفر الأكبر الموجب للخلود في النار.

فقيام الحجة عند الخليفي يتحقق بمجرد الانقطاع في المناظرة.

يقول الخليفي: "ابن أبي دؤاد ليس وحده الذي ناظر أحمد، معه قضاة كثير ناظروا أحمد، لماذا الحجة تقوم على أبي دؤاد وحده؟ طيب هؤلاء القضاة لو قلنا: إن أحمد أقام الحجة عليهم، هؤلاء كم عددهم؟ عددهم كبير جدًا، بعضهم يقول: ثلاثين، وبعضهم يقول: سبعين رجلًا، طيب ما رأيك إن ابن تيمية يقول: إن أحمد أقام عليهم الحجة؟!"⁠1⁠.

فالخليفي يذكر هنا أن ابن تيمية نفسه يقرر بأن أحمد أقام الحجة على الذين ناظرهم؛ لأنه قطعهم في الحجة، وبنى على ذلك أن ما نسبه ابن تيمية إلى الإمام أحمد وغيره من أئمة السلف من عدم تكفير أكثر الجهمية غلط من ابن تيمية، فالخليفي يستدل بكلام ابن تيمية على خطأ كلام ابن تيمية نفسه.

ثم ذكر الخليفي أن ما سيذكره من كلام ابن تيمية من النصوص لم تنقل من كلامه، وأن المخالفين له يخفونها عن الناس، وأن هذا الإخفاء إنما هو لأجندة خفية!!⁠2⁠.

ثم أورد نقلين لابن تيمية:

النقل الأول: يقول ابن تيمية: "إنما الذي ناظر الجهمية في المحنة هو أحمد بن حنبل، وكان ذلك في خلافة المعتصم، بعد أن بقي في الحبس أكثر من سنتين، وجمعوا له أهل الكلام من البصرة وغيرها من الجهمية والمعتزلة والنجارية، مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث، صاحب حسين النجار، وناظرهم ثلاثة أيام، وقطعهم في تلك المناظرات"⁠3⁠.

يقول الخليفي معلقًا: "قطعهم يعني أقام عليهم الحجة"⁠4⁠.

النقل الثاني: قول ابن تيمية: "بقي أحمد بن حنبل في الحبس إلى سنة عشرين فجرى ما جرى من المناظرة حتى قطعهم بالحجة"⁠5⁠.

وعلق الخليفي على هذا النقل بقوله: "الآن جئت لك بكلام ابن تيمية: وهو يقول: أحمد قطعهم بالحجة، يعني أقام عليهم الحجة، يعني أيش؟ يعني كفار"⁠6⁠.

وما ذكره الخليفي في هذا الكلام غير صحيح، وهو مبني على سوء فهم لكلام ابن تيمية ولغيره من العلماء، فالخليفي يخلط بين الأمور، ولا يدرك الفروق بين المعاني المختلفة، وتراه يتخبط في استنتاجه وربطه بين الأفكار.

وبيان ما في كلام الخليفي من غلط واضطراب يتبين بما يلي:

الوجه الأول: أساس الغلط عند الخليفي أنه لم يدرك الفرق بين الانقطاع في المناظرة وبين قيام الحجة على المخالف، فتوهم أن مجرد الانقطاع في المناظرة موجب لقيام الحجة على المخالف والحكم عليه بالكفر الأكبر والخلود في النار إذا كان موضوع المناظرة فيما هو كفر.

وهذا خطأ كبير، وسوء فهم عظيم، فإن الانقطاع في المناظرة له أسباب عديدة معروفة عند علماء الجدل والمناظرة، منها: قوة حجة المخالف، وظهور دليل المناظر، ومنها: ذهول المناظر وعدم استحضاره لدليله، ومنها: عدم استحضاره للجواب على دليل مخالفه، ومنها: حاجته للتفكير في ضبط الجواب، ومنها: براعة المخالف في سوق الكلام والاعتراض، وغيرها من الأسباب.

فهذه الأوجه وغيرها تدل على أن الانقطاع في المناظرة ليس دليلًا ظاهرًا في أن المنقطع إنما انقطع لأن الحجة قد قامت عليه، وأنه أدرك ضعف دليله، وصحة دليل المخالف، وإنما ثمة احتمالات متعددة لانقطاعه ذلك.

فإذا ثبت الاحتمال في موجب الانقطاع فكيف يبنى التكفير والحكم بالخلود في النار على مثل هذه الأحوال التي تكتنفها كثير من الاحتمالات والظنون؟!!

وإقامة الحجة تعني تبين الحق وإزالة الشبهة، كما يقول ابن تيمية: "ليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة"⁠7⁠، ويقول ابن حزم: "صفة قيام الحجة عليه هو أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها"⁠8⁠.

وهذا الضابط لا يتحقق بمجرد الانقطاع في المناظرة، لما سبق بيانه أن الانقطاع له أسباب متعددة، وليست منحصرة في قوة الدليل وإلزامه للمخالف.

فإطلاق القول بأن الانقطاع في المناظرة موجب لقيام الحجة على المخالف خطأ ظاهر، وله لوازم شنيعة سيأتي بيان بعضها.

الوجه الثاني: أن كلام ابن تيمية ومواقفه الكثيرة تناقض ما نسبه إليه الخليفي، فالمستقرئ لكلام ابن تيمية يدرك بوضوح أن الانقطاع في المناظرة لا يستلزم عنده قيام الحجة ألبتة، وعلى هذا شواهد كثيرة من كلامه.

والخليفي حين وجد في كلام ابن تيمية عبارة "قطعهم بالحجة" توهم بفهمه المتكلف أن ذلك يعني أن ابن تيمية يرى أن الحجة قامت عليهم بمجرد هذا القطع، وهذا من أعظم الأغلاط التي نسبت إلى ابن تيمية.

وسأذكر هنا عددًا من أقوال ابن تيمية ومواقفه التي تدل على أن مجرد الانقطاع في المناظرة ليس موجبًا للحكم بقيام الحجة.

النقل الأول: يقول ابن تيمية: "ثبوت التكفير في حق الشخص المعين موقوف على قيام الحجة التي يكفر تاركها، وإن أطلق القول بتكفير من يقول ذلك، فهو مثل إطلاق القول بنصوص الوعيد، مع أن ثبوت حكم الوعيد في حق الشخص المعين موقوف على ثبوت شروطه وانتفاء موانعه، ولهذا أطلق الأئمة القول بالتكفير مع أنهم لم يحكموا في عين كل قائل بحكم الكفار، بل الذين امتحنوهم وأمروهم بالقول بخلق القرآن، وعاقبوا من لم يقل بذلك إما بالحبس والضرب والإخافة وقطع الرزق بل بالتكفير أيضًا، لم يكفروا كل واحد منهم، وأشهر الأئمة بذلك الإمام أحمد، وكلامه في تكفير الجهمية مع معاملته مع الذين امتحنوه وحبسوه وضربوه مشهور معروف"⁠9⁠.

فابن تيمية هنا استدل بموقف أحمد نفسه الذي ذكر أنه أفحم فيه الجهمية، وألجمهم بالحجة، فمجموع كلامه يدل دلالة قاطعة على أنه يرى أن الإلجام بالحجة والانقطاع في المناظرة ليس دليلًا على قيام الحجة الموجب للكفر والخلود في النار.

النقل الثاني: ما ذكر ابن تيمية في مناظرة الواسطية، فإنه ناظر علماء الأشاعرة، وهم يومئذ ينكرون العلو والاستواء على العرش وغيرها من المسائل الظاهرة، ودامت المناظرة أيامًا، ألجمهم بالحجة وتحداهم أن يأتوا بما ينقض قوله ثلاث سنين، ومع ذلك كله، لم ير هذا الانقطاع منهم قدرًا كافيًا في الحكم بأن الحجة قد قامت عليهم، ولم يكفرهم بأعيانهم، بل نص في الموضع نفسه على الإعذار بالجهل.

يقول ابن تيمية في أثناء ذكره لأحداث المناظرة: "ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكًا، فإن المنازع قد يكون مجتهدًا مخطئًا، يغفر الله خطأه، وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة، وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول، والقانت، وذو الحسنات الماحية، والمغفور له، وغير ذلك: فهذا أولى، بل موجب هذا الكلام أن من اعتقد ذلك نجا في هذا الاعتقاد، ومن اعتقد ضده، فقد يكون ناجيًا، وقد لا يكون ناجيًا"⁠10⁠.

النقل الثالث: أنه ذكر أنه قال لعلماء الجهمية وناظرهم حين تحدث إليهم بأنه لا يكفرهم، وهو قد ألجمهم بالحجة في كتبه ومناظراته الكثيرة، حيث يقول: "كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى فوق العرش لما وقعت محنتهم: أنا لو وافقتكم كنت كافرًا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون؛ لأنكم جهال، وكان هذا خطابًا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم"⁠11⁠.

النقل الرابع: أنه نقل عن الإمام الشافعي أنه لم يكفر حفص الفرد، مع أن الإمام الشافعي ناظره وألجمه بالحجة، يقول ابن تيمية: "كذلك الشافعي لما قال لحفص الفرد حين قال: القرآن مخلوق: كفرت بالله العظيم، بيّن له أن هذا القول كفر، ولم يحكم بردة حفص بمجرد ذلك، لأنه لم يتبين له الحجة التي يكفر بها، ولو اعتقد أنه مرتد لسعى في قتله، وقد صرح في كتبه بقبول شهادة أهل الأهواء والصلاة خلفهم"⁠12⁠.

فإن قيل: لكن ابن تيمية أخطأ فيما نسبه إلى الشافعي من عدم تكفير حفص الفرد.

قيل: ليس البحث الآن في تحرير موقف الإمام الشافعي من حفص الفرد، وإنما البحث في هذا الموضع في تحرير موقف ابن تيمية، ونقد ما نسبه إليه الخليفي من أنه يرى أن مجرد الانقطاع في المناظرة دليل على قيام الحجة.

فهذه أربعة مواضع من كلام ابن تيمية تدل دلالة ظاهرة قطعية على أنه لا يرى مجرد الانقطاع في المناظرة موجبًا للحكم بقيام الحجة، فما نسبه إليه الخليفي ظاهر البطلان والفساد.

والغريب حقًا أن الخليفي بسبب سوء فهمه وخلطه ينسب ابن تيمية إلى التناقض والمعاندة لما يقرره الإمام أحمد وأئمة السلف.

فهو يذكر أن ابن تيمية ينسب إلى الإمام أحمد وأئمة السلف أنهم لم يكفروا أكثر أعيانهم، ثم في الوقت نفسه يدعي أن ابن تيمية يقرر أن الإمام أحمد أقام الحجة على الجهمية، ولأجل هذا فهو يكفرهم بأعيانهم.

فهذا الخلط يستلزم أحد أمرين: إما أن ابن تيمية متناقض ولا يدري ما يقول، وإما أنه معاند لما عليه أئمة السلف.

وسبب ذلك أن الخليفي يفهم معنى انقطاع المناظرة خطأ، ثم أخذ يركب كلامًا من عنده لتسلم له دعاواه الباطلة التي لم يستطع إقامة حجة صحيحة عليها.

والحق أن الانقطاع في المناظرة لا يستلزم قيام الحجة عند ابن تيمية ولا غيره من العلماء، وبناء عليه فما ينسبه ابن تيمية إلى الإمام أحمد لا يعد تناقضًا منه، بل هو متسق تمام الاتساق، والخلل إنما هو في فهم الخليفي وطريقته وليس في كلام ابن تيمية.

الوجه الثالث: أن ثم شواهد متعددة من مواقف أئمة السلف تدل على أنهم لا يرون مجرد الانقطاع في المناظرة موجبًا للحكم بقيام الحجة على المخالف، القيام الذي يستوجب الحكم بالخروج من الملة والخلود في النار في الأمور المكفرة.

ومن الشواهد على ذلك: موقف ابن عباس ومن معه من الصحابة من الخوارج، فإن ابن عباس ناظرهم وأقام الحجة عليهم وألجمهم بالبرهان، وقطع كل ما يستندون إليه، ورجع لأجل هذا كثير منهم.

ولكن بقي كثير منهم لم يرجع عن مقالته، ومن مقالاتهم التي ناظرهم فيها ابن عباس تكفير علي بن أبي طالب وعثمان رضي الله عنهما، واستحلال دماء المسلمين واستباحة أعراضهم، وهي مقالة كفرية، ومع ذلك لم يحكم ابن عباس ومن معه من الصحابة بكفر من بقي بعد الانقطاع في تلك المناظرة على قوله، وإنما تعاملوا معهم على أنهم متأولون.

الوجه الرابع: أن ما قرره الخليفي مخالف لما نقل عن الإمام أحمد نفسه عن مشاهد المناظرة، وسأكتفي هنا بشاهدين:

الشاهد الأول: أن الإمام أحمد صلى خلف أحد من كان يناظره ويسعى إلى قتله في المناظرة.

فإن الإمام أحمد صلى خلف ابن سماعة من غير أمر يلزمه بذلك، ولم يعد الصلاة، وحين أخبر بالقصة بعد انقضاء المحنة لم يذكر أنه أعاد الصلاة، وابن سماعة كان من الداعين للإمام أحمد إلى القول بخلق القرآن، ومن الحاضرين لمناظرته، والساعين إلى قتله.

يقول الإمام أحمد: "جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم، فحضرت صلاة الظهر، فتقدم ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك؟ قال: فقلت: قد صلى عمر رضي الله عنه وجرحه يثعب دمًا"⁠13⁠.

وقال أبو بكر بن عبيد الله لأبي عبد الله: يا أبا عبد الله، فابن سماعة؟ فقال أبو عبد الله: "سمعته يقول له وقد أوقفت من الضرب وأنا بين العقابين: يا أمير المؤمنين، إنه رجل شريف، وهو رجل في نفسه مستور، ولعله يجيب أمير المؤمنين بما يكون له وجه عما دعاه إليه أمير المؤمنين. ثم قال لي ابن سماعة: ويحك! إن أمير المؤمنين مشفق عليك، وهو ذا بين يديك، فأجبه إلى ما يريد منك. قلت له: ما رأيت أمرًا أوضح من كتاب ولا سنة. فتنحى ابن سماعة وتكلم بكلام لم أفهمه"⁠14⁠.

وفي مشهد آخر اشتد على الإمام أحمد، فقد نقل الإمام عن ابن سماعة أنه قال: "يا أمير المؤمنين، اضرب عنقه ودمه في رقبتي"⁠15⁠.

فلو كان الإمام أحمد يكفر ابن سماعة لما صلى خلفه من الأصل، بل كان حال الإمام أحمد يدعو إلى ترك الصلاة خلفه، فإنه كان متعبًا، وكان الدم يسيل منه، ومع ذلك صلى خلف ابن سماعة! ولم يذكر الإمام أحمد أنه أعاد الصلاة.

فلو كان مجرد الانقطاع في المناظرة موجبًا لقيام الحجة المصححة للتكفير والحكم بالخروج من الملة، لما صلى الإمام أحمد خلف ابن سماعة، أو لأعاد الصلاة التي صلاها خلفه.

الشاهد الثاني: أن الإمام أحمد لم يكفر أحدًا ممن ناظره في خلق القرآن وانقطع في مناظرته، ومن ذلك أن الإمام أحمد قال: "قال لي عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، فقلت: فكان الله ولا علم؟! فأمسك، ولو قال: كان الله ولا علم لكفر بالله"⁠16⁠.

فلو كان مجرد الانقطاع قدرًا كافيًا في قيام الحجة لكفره الإمام أحمد لمجرد انقطاعه، ولم يذكر وجهًا آخر في التكفير.

الوجه الخامس: أن ربط الخليفي لقيام الحجة بالانقطاع في المناظرة يعد تعليقًا لحكم شرعي على أمر غير شرعي، يتصف بالإيهام وعدم التحقق من موجباته، فمن المعلوم أن الانقطاع في المناظرة وعدم الانقطاع ليس مرتبطًا بوضوح الحق وعدم وضوحه، وإنما هو مرتبط بأمور متعددة كما سبق بيانه، ومن أعظم ما يؤثر فيه قدرة المخالف على المراوغة والالتفات على البراهين.

فلا يصح أن يبنى حكم شرعي شريف على حالة تدخلها كثير من الملابسات والاحتمالات والتوهمات.

ونحن لا ننكر أن الانقطاع في المناظرة قد يكون دليلًا على قيام الحجة، ولكن لا بد مع ذلك من وجود قرائن متعددة تحتف بها، تسوغ جعل الانقطاع دليلًا موجبًا لقيام الحجة على المخالف.

ولكن هذه النتيجة لم تبن على مجرد الانقطاع في المناظرة، وإنما لما احتف بها من القرائن الموصلة إلى تلك النتيجة.

الوجه السادس: أنه يلزم على هذا الضابط الغريب أن يحكم بالكفر الأكبر والخلود في النار على كل مخالف ناظر غيره، ثم انقطع في المناظرة، ولو كانت المناظرة في مسألة كفرية خفية، فإن الخليفي جعل الضابط متحققًا بمجرد الانقطاع، فمتى ما تحقق الانقطاع من المناظر فهذا يعني أن الحجة قد قامت عليه، فإذا لم يتب ويرجع عما هو عليه من كفر ولو كان في مسألة خفية فهو كافر خالد مخلد في النار.

وهذا القدر من التوسع في إقامة الحجة لا يستطيع الخليفي أن يثبته من خلال الأدلة الشرعية الصحيحة، ولا من خلال كلام أئمة السلف، بل ما في الأدلة وما في كلام أئمة السلف مناقض لما يقول به.

ثم يقال للخليفي: هل الانقطاع في المناظرة خاص بالعالم أم يشمل حتى طلبة العلم والعوام؟

فإن قال: خاص بالعلماء، طولب بإقامة الدليل على هذه الدعوى، ودون ذلك خرط القتاد.

وإن قال: هو عام لكل من دخل في مناظرة ما، فمعنى ذلك أن كل عامي ناقشه طالب علم أعلم منه، فقد أقام الحجة عليه، وجاز تكفيره في أي مسألة، حتى ولو كان العامي لا يرى هذا الشخص في مقام من العلم، وهذا فيه فتح للتجاوز في باب التكفير وإلغاء لما ذكره العلماء من ضرورة الاحتياط فيه.

فإن قيل: الإمام أحمد إنما كفر أحمد ابن أبي دؤاد بعد المناظرة، فدل هذا على أن المعنى المؤثر في تكفيره راجع إلى انقطاعه في المناظرة، وهذا يدل على أن مجرد الانقطاع يدل على قيام الحجة؛ لأن الإمام أحمد لا يمكن أن يكفر أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه.

قيل: لا شك أن الإمام أحمد لا يمكن أن يكفر أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، ولكن لا دليل على أن الإمام أحمد إنما كفره لأنه ألجمه بالحجة وقطعه في المناظرة.

بل في كلام الإمام أحمد ما يدل على أنه يرى أن ابن أبي دؤاد ومعه جماعة لهم حكم خاص مختلف عن جملة من حضر المناظرة، فقد ذكر الإمام أنه سامح كل من حضر المحنة إلا أحمد ابن أبي دؤاد ومن كان مثله، يقول الإمام أحمد: "وقد جعلته في حل، إلا ابن أبي دؤاد ومن كان مثله، فإني لا أجعلهم في حل"⁠17⁠، ويقول الإمام: "قال لي إسحاق بن إبراهيم: اجعلني في حل، فقلت: قد جعلت كل من حضر في حل"⁠18⁠، ثم سأله إسحاق عن مسألة القول في خلق القرآن سؤال استرشاد هذه المرة.

فلو كان المعنى المعتبر عند الإمام أحمد الانقطاع في المناظرة لربط الحكم به، ولم يفرق بين ابن أبي دؤاد ومن كان مثله وبين غيرهم ممن حضر المناظرة وشمله حكم الانقطاع فيها.

فإن قيل: ما ذكره ابن تيمية ليس ملزمًا للخليفي، لأن الخليفي يصرح بأنه ليس مقلدًا لابن تيمية.

قيل: البحث ليس في اعتبار كلام الخليفي ولا في قيمة ما يعتقده؛ فإنه لا قيمة له، ولا تحرير فيه، وإنما البحث فيما نسبه الخليفي إلى ابن تيمية، فهي نسبة باطلة، وكذلك فيما نسبه إلى أئمة السلف، فهي نسبة باطلة أيضًا كما سبق بيانه.

ليعتقد الخليفي ما شاء من العقائد، فإنه لو اقتصر على ذلك لما حرص كثير من طلبة العلم على مناقشته، ولكن الخلل الكبير أن ينسب تلك العقائد الباطلة إلى أئمة السلف، وإلى ابن تيمية، ويصر بشكل غريب على تحريفه لكلامه.

كتبه: د. سلطان العميري

الهوامش

  1. 1صوتية: ابن تيمية: أحمد أقام الحجة على الجهمية.
  2. 2انظر: صوتية: ابن تيمية: أحمد أقام الحجة على الجهمية.
  3. 3درء تعارض العقل والنقل (7/257).
  4. 4صوتية: ابن تيمية: أحمد أقام الحجة على الجهمية.
  5. 5مجموع الفتاوى (13/183).
  6. 6صوتية: ابن تيمية: أحمد أقام الحجة على الجهمية.
  7. 7مجموع الفتاوى (12/444).
  8. 8الإحكام في أصول الأحكام (ص 72-73).
  9. 9بغية المرتاد (354).
  10. 10مجموع الفتاوى (3/171).
  11. 11الاستغاثة في الرد على البكري (253).
  12. 12انظر: مجموع الفتاوى (23/341).
  13. 13المحنة، المقدسي (41).
  14. 14المرجع السابق (48).
  15. 15المحنة (33).
  16. 16المحنة، حنبل بن إسحاق (102).
  17. 17المرجع السابق (71).
  18. 18المرجع السابق (104).
كلّ المقالات منهج التوثيق والتصحيح
المزيد

مقالات أُخرى