تفكيك دعاوى الخليفي في التكفير والتضليل (1): مفهوم غلاة الجهمية
من أصول الدعاوى التي يعتمد عليها الخليفي في تكفير أعيان الأشاعرة: مفهوم غلاة الجهمية، فإنه قرر أن غلاة الجهمية هم من ينفون صفة العلو، وبناء عليه فكل من ينفي صفة العلو فهو من غلاة الجهمية، ثم يقرر بأن أئمة السلف أجمعوا على تكفير غلاة الجهمية، ويقرر أن الأشاعرة ينفون صفة العلو، فالنتيجة أن السلف أجمعوا على تكفير الأشاعرة.1
فهذا الحكم من الخليفي قائم على ثلاث مقدمات:
- المقدمة الأولى: أن غلاة الجهمية هم من ينفون صفة العلو.
- المقدمة الثانية: أن السلف أجمعوا على تكفير غلاة الجهمية.
- المقدمة الثالثة: أن الأشاعرة ينفون صفة العلو.
النتيجة: أن الأشاعرة كفار بإجماع السلف.
يقول الخليفي: "إن سألتني من هم غلاة الجهمية قلت لك: من ينكرون علو الله على خلقه"2، ويقول: "الذي يظهر من كلام السلف تكفيرهم لغلاة الجهمية، نفاة العلو، تكفيرا مطلقا".
ويقول الخليفي: "لم يكن الجهمية الذين كفرهم السلف كلهم ينكرون العلو، بل كان هذا قول غلاتهم"3، فهو هنا يحصر إنكار العلو في غلاة الجهمية.
وحين ذكر الخليفي هذا التعريف استدل بقصة رجل زنديق وقعت مع الخليفة المهدي، فقد ذكر أنه دخل رأس من رؤوس الزنادقة يقال له "شمعلة" على المهدي فقال: "دلني على أصحابك. فقال: أصحابي أكثر من ذلك، فقال: دلني عليهم، فقال: صنفان ممن ينتحل القبلة: الجهمية والقدرية. الجهمي إذا غلا قال: ليس ثم شيء، وأشار إلى السماء، والقدري إذا غلا قال: هما اثنان، خالق خير وخالق شر فضرب عنقه وصلبه"4.
وما قرره الخليفي في كلامه غير صحيح، وهو مخالف لما يقرره العلماء، ومناقض لمسالك المحققين من علماء أهل السنة.
والبحث مع الخليفي هنا ليس في إطلاق وصف الجهمية، ولا في كون الأشاعرة يمكن أن يطلق عليهم وصف الجهمية، وإنما البحث منحصر في نقطة واحدة، هي: تحديد مفهوم غلاة الجهمية، وهل ضابطه نفي صفة العلو، بحيث أن من أنكر صفة العلو يكون داخلا في غلاة الجهمية؟
فكل ما سيذكر في هذا الموضع إنما هو جواب على هذه القضية بخصوصها، وإذا ثبت بطلانه - وهو ثابت بلا شك - سقط أصل من الأصول التي يبني عليه الخليفي تكفيره لأعيان الأشاعرة5.
والمستقرئ لكلام العلماء يدرك أن ما قرره الخليفي في مفهوم غلاة الجهمية يعد تحريفا لذلك المفهوم، وتحكما في تحديد المراد منه بغير دليل ولا برهان.
فلا شك أن الجهمية على طبقات متعددة، وليسوا على طبقة واحدة، ولا شك أن وصف الجهمية يطلق على طوائف مختلفة.
ومن طبقات الجهمية: الغلاة منهم، ويسمون الجهمية المحضة، والجهمية الخالصة، وهم على طبقات أيضا، وليسوا على طبقة واحدة.
والعلماء الذين تحدثوا عن هذه الطبقة، وعن مفهوم غلاة الجهمية يذكرون أنهم من أنكروا كل الأسماء والصفات، وإن سموه بشيء من الأسماء يجعلونه مجازا لا حقيقة، ولم يقصروا مفهوم غلاة التجهم على نفي صفة العلو.
فحقيقة غلاة الجهمية هم من قرروا التعطيل الكلي للأسماء والصفات، ولم يثبتوا لله شيئا من أسمائه وصفاته، فجوهر مذهبهم ضابطه الدقيق يقوم على التعطيل الكلي، فكل من وقع في التعطيل الكلي للأسماء والصفات هو من الجهمية الغالية، وأما ما عدا ذلك فهو ليس منهم.
ويدل على صحة هذا المعنى ما جاء عن شاذ بن يحيى الواسطي، قال: "كنت قاعدا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد ما تقول في الجهمية؟ قال: يستتابون، إن الجهمية غلت، ففرغت في غلوها إلى أن نفت، وإن المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت، فالجهمية يستتابون، والمشبهة كذي، رماهم بأمر عظيم"6.
ومعنى كلام يزيد بن هارون أن الجهمية بلغت في بدعتها إلى أن نفت عن الله أوصاف الكمال الذي يقتضي نفي الوجود الخارجي لله، والمشبهة بلغت في بدعتها أن شبهت الله بالمخلوقات.
وهذا النص يبين بوضوح معنى الغلو في التجهم عند السلف، وأنه راجع إلى معنى التعطيل الكلي، وليس راجعا إلى نفي صفة العلو.
وفي بيان طبقات الجهمية وضابط الجهمية الغلاة يقول ابن تيمية: "الجهمية على ثلاث درجات فشرها الغالية الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى قالوا: هو مجاز، فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، ولا يتكلم، وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم...
والدرجة الثانية: من التجهم: هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن ينفون صفاته، وهم أيضا لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها، بل يجعلون كثيرا منها من المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
وأما الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية أو غير الخبرية ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها"7.
ويبين ابن تيمية مفهوم التجهم المحض، فيقول: "التحقيق: أن التجهم المحض؛ وهو نفي الأسماء والصفات؛ كما يحكى عن جهم، والغالية من الملاحدة، ونحوهم ممن نفى أسماء الله الحسنى كفر، بين، مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول.
وأما نفي الصفات، مع إثبات الأسماء؛ كقول المعتزلة فهو دون هذا، لكنه عظيم أيضا.
وأما من أثبت الصفات المعلومة بالعقل والسمع، وإنما نازع في قيام الأمور الاختيارية به، كابن كلاب، ومن اتبعه، فهؤلاء ليسوا جهمية، بل وافقوا جهما في بعض قوله، وإن كانوا خالفوه في بعضه. وهؤلاء من أقرب الطوائف إلى السلف وأهل السنة والحديث"8.
وحين ذكر ابن تيمية قول العلماء الذين قالوا بأن الجهمية ليسوا من الثنتين والسبعين فرقة قال مبينا مرادهم: "وهذا أرادوا به التجهم المحض الذي كان عليه جهم نفسه ومتبعوه عليه، وهو نفي الأسماء مع نفي الصفات، بحيث لا يسمى الله بشيء من أسمائه الحسنى، ولا يسميه شيئا، ولا موجودا، ولا غير ذلك"9.
فابن تيمية في هذا النص يبين أمرين: الأول: ضابط التجهم المحض، والثاني: أن التجهم المحض هو الذي عليه الجهم ومتبعوه، وهذا تقرير مفيد في نقض دعوى الخليفي.
ويقول مبينا الجهمية المحضة الذين أطلق السلف القول بتكفيرهم: "المأثور عن السلف والأئمة إطلاق أقوال بتكفير "الجهمية المحضة"، الذين ينكرون الصفات، وحقيقة قولهم أن الله لا يتكلم ولا يرى؛ ولا يباين الخلق؛ ولا له علم ولا قدرة، ولا سمع ولا بصر، ولا حياة، بل القرآن مخلوق، وأهل الجنة لا يرونه، كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات"10.
وهذا يدل على أن التجهم المحض عند السلف هو التعطيل الكلي، الذي يتضمن نفي الأسماء والصفات كلها.
ويبين ابن القيم حقيقة قول غلاة الجهمية، فيذكر أنه قائم على تعطيل كل الصفات، حيث يقول: "عطل غلاة الجهمية صفاته، فلم يثبتوا له صفة تقوم به وإن تناقضوا"11.
ويفرق ابن القيم بين طبقات الجهمية في الحكم، فيقول: "فسق الاعتقاد كفسق أهل البدع الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويحرمون ما حرم الله، ويوجبون ما أوجب الله، ولكن ينفون كثيرا مما أثبت الله ورسوله جهلا وتأويلا وتقليدا للشيوخ، ويثبتون ما لم يثبته الله ورسوله كذلك، وهؤلاء كالخوارج المارقة، وكثير من الروافض والقدرية والمعتزلة، وكثير من الجهمية الذين ليسوا غلاة في التجهم.
وأما غالية الجهمية فكغلاة الرافضة ليس للطائفتين في الإسلام نصيب، ولذلك أخرجهم جماعة من السلف من الثنتين والسبعين فرقة، وقالوا: هم مباينون للملة"12.
وكلام العلماء السابق يثبت بوضوح أن حقيقة غلاة الجهمية تقوم على التعطيل الكلي للأسماء والصفات، وهذا يثبت بوضوح أن جوهر الغلو في التجهم يرجع إلى التعطيل المحض، وليس إلى تعطيل بعض الصفات، فهذا هو المعنى الجوهري في مفهوم التجهم الغالي.
فكل من وقع في التعطيل الكلي للأسماء والصفات فهو داخل في مفهوم التجهم المحض والغالي، وأما من لم يكن كذلك فإنه لا يدخل فيهم.
وبناء عليه، فمن أثبت الأسماء وأنكر الصفات فإنه لا يدخل في مفهوم غلاة الجهمية، وإن كان يسمى جهميا من حيث الإطلاق.
ومن أثبت الأسماء وجملة من الصفات، وأنكر بعضها فإنه لا يدخل في مفهوم غلاة الجهمية، وإن كان يمكن أن يسمى جهميا من حيث الإطلاق، ويمكن أن يقال: إنه وافق الجهمية.
بطلان دعوى أنه لم تكن الجهمية كلها تنكر العلو، وإنما ينكره الغلاة منهم
هذه الدعوى غريبة جدا، وهي مما تفرد به الخليفي، وأنشأه من تلقاء نفسه، ولم يقدم عليه دليلا؛ إلا بعض التوهمات التي استنبطها من كلام لا يدل على ما فهم.
والذي يقرأ كلام أئمة السلف عن الجهمية أتباع الجهم بن صفوان والجعد بن درهم وبشر المريسي يجد أن السلف أجمعوا على نسبة إنكار صفة العلو إليهم، وهم الأصل في تسمية الجهمية، وهم في جملتهم المعبرون عن التجهم الغالي، كما ذكر ابن تيمية، وهم الذين كان يتحدث عنهم أئمة السلف وحكموا عليهم بتلك الأحكام القاسية المستفيضة عنهم.
يقول إسحاق بن راهويه: "علامة جهم وأصحابه دعواهم على أهل الجماعة وما أولعوا به من الكذب: إنهم مشبهة، بل هم المعطلة، ولو جاز أن يقال لهم: هم المشبهة لاحتمل ذلك، وذلك أنهم يقولون: إن الرب تبارك وتعالى في كل مكان بكماله في أسفل الأرضين وأعلى السماوات على معنى واحد وكذبوا في ذلك ولزمهم الكفر"13.
ويقول حماد بن زيد: "القرآن كلام الله نزل به جبرائيل، ما يحاولون إلا أنه ليس في السماء إله"14، وقول ابن المبارك: "لا نقول كما قالت الجهمية إنه في الأرض ههنا، بل على العرش استوى"15.
وعلي بن الحسن بن شقيق، قال: سألت ابن المبارك كيف نعرف ربنا؟ قال: "على السماء السابعة على عرشه، لا نقول كما تقول الجهمية: إن إلهنا في الأرض"16.
ويقول علي بن عاصم بن علي: "ناظرت جهما فلم يثبت أن في السماء ربا جل ربنا عز وجل وتقدس"17.
وكلام أئمة السلف الذي فيه نسبة إنكار العلو إلى عموم الجهمية كثير جدا، وهذا يدل على أن ما ادعاه الخليفي من أن إنكار العلو إنما عرف به الغلاة غير صحيح.
والغريب حقا أن الخليفي ينقل هذه الأقوال وغيرها في عدد من مقالاته، ثم لا يكتشف أنها تناقض ما يقرره في مقالاته الأخرى18، فهو ينكر أقوال السلف التي فيها نسبة إنكار العلو إلى عموم الجهمية، ثم يأتي ويقول: لم تكن الجهمية كلها تنكر العلو، وإنما ينكره الغلاة منهم!!
بل إن من تأثر بالجهمية وأطلق عليهم لفظ الجهمية كالمعتزلة والأشاعرة ينكرون صفة العلو أيضا، فإنكار صفة العلو ملازم للجهمية، ولا يوجد جهمي من أتباع الجهم بن صفوان والجعد بن درهم ومن أتباع الطوائف التي أطلق عليهم أئمة السلف لفظ الجهمية إلا وهو ينكر صفة العلو.
إلا أن الخليفي له رأي آخر، وهو أن إنكار العلو لم يكن إلا من طائفة مخصوصة من الجهمية وهم الغلاة، وأن غيرهم فإنهم لم يكونوا ينكرون صفة العلو، واعتمد في ذلك على قول زنديق مجهول!!
كل ذلك حتى يثبت أن الأشاعرة أسوأ حالا من الجهمية أتباع الجهم بن صفوان والجعد بن درهم ونحوه!!
الرد على دليل الخليفي
وأما كلام الزنديق الذي استدل به الخليفي على مفهومه لغلاة الجهمية، وهو قوله: "الجهمي إذا غلا قال: ليس ثم شيء، وأشار إلى السماء"19، وهذا الدليل له منزلة عالية عند الخليفي، ولأجل هذا كرره مرات متعددة20.
واعتماد الخليفي عليه في غاية الضعف، وذلك لأمور:
الأمر الأول: أن كلام الزنديق لا يدل على أن مفهوم الغلو في التجهم يرجع إلى إنكار صفة العلو، وإنما غاية ما فيه أن من علامات الغلو في التجهم إنكار صفة العلو لله تعالى، وهناك فرق كبير بين الضابط وبين العلامة، فإنا نقول: من علامات قوة الإيمان المحافظة على قيام الليل وصيام النوافل، ولكن هذا لا يعني أن ضابط قوة الإيمان إنما يكون في هذين العملين.
وهذا ما يدل عليه صنيع البخاري، فإنه أورد هذا الأثر ضمن باب: "ما ذكر أهل العلم للمعطلة الذين يريدون أن يبدلوا كلام الله"، وذكر ضمن هذا الباب ذكر أئمة السلف لمقالات الجهمية، فغرضه بيان مقالات الجهمية، وليس بيان ضابط غلاة التجهم.
ويدل على صحة هذا المعنى ما جاء عن شاذ بن يحيى الواسطي، قال: "كنت قاعدا عند يزيد بن هارون، فجاء رجل فقال: يا أبا خالد ما تقول في الجهمية؟ قال: يستتابون، إن الجهمية غلت، ففرغت في غلوها إلى أن نفت، وإن المشبهة غلت ففرغت في غلوها حتى مثلت، فالجهمية يستتابون، والمشبهة كذي، رماهم بأمر عظيم"21.
وهذا النص يبين بوضوح معنى الغلو في التجهم عند السلف، وأنه راجع إلى معنى التعطيل الكلي، وليس راجعا إلى نفي صفة العلو.
الأمر الثاني: أن كلام ذلك الزنديق يمكن أن يفهم على وجه صحيح، يقرره كثير من أئمة السلف، وهو أن منتهى قول الجهمية إنكار وجود الله، فإن من انتفت عنه كل الأسماء والصفات لا يكون موجودا، فهو بيان للازم ضروري من لوازم قول الجهمية، وليس بيانا لضابط التجهم الغالي، وجعله متعلقا بنفي صفة العلو، فهذا الفهم بعيد كل البعد عن الكلام المنقول.
وكلام أئمة السلف الذي فيه أن مذهب الجهمية ينتهي إلى أنه ليس في السماء إله كثير جدا، ومن ذلك أنه جاء رجل إلى ابن المبارك فقال: "يا أبا عبد الرحمن، قد خفت الله عز وجل من كثرة ما أدعو على الجهمية، قال: لا تخف، فإنهم يزعمون أن إلهك الذي في السماء ليس بشيء"22، وقال الميموني: "ذاكرت أبا عبد الله أمر الجهمية وما يتكلمون، فقال: في كلامهم كلام الزنادقة، يدورون على التعطيل ليس يثبتون شيئا، وهكذا الزنادقة"23.
ويقول عباد بن العوام: "كلمت بشر المريسي وأصحاب بشر، فرأيت آخر كلامهم ينتهي أن يقولوا: ليس في السماء شيء"24.
ويقول سعيد بن عامر: "الجهمية شر قولا من اليهود والنصارى، قد اجتمعت اليهود والنصارى، وأهل الأديان أن الله تبارك وتعالى على العرش، وقالوا هم: ليس على العرش شيء"25.
وكلام أئمة السلف الذي فيه أن حقيقة قول الجهمية أنه ليس في السماء إله كثير جدا، وهو لا يختلف عن مدلول كلام ذلك الزنديق، ولكن الخليفي وجد في كلام الزنديق كلمة الغلو، فتمسك به، وجعله دليلا له على دعواه!!
الأمر الثالث: على التسليم بأن ذلك الزنديق يقصد بيان ضابط التجهم الغالي، وبيان متى يكون الجهمي غاليا، فكلامه غير صحيح، فإنكار صفة العلو ليس خاصا بحالة الغلو في التجهم، بل هو مما يتركب منه التجهم الغالي وغيره، ولهذا أورد البخاري في الباب نفسه قول حماد بن زيد وابن المبارك وغيرهما مما سبق ذكره.
فأئمة السلف ينقلون إنكار العلو عن عموم الجهمية، وعن أتباع الجهم بن صفوان والجعد بن درهم بخصوصهم، وهؤلاء هم أصل التجهم الغالي.
ونحن لا ننفي أن إنكار صفة العلو لله تعالى بدعة شنيعة، بل بدعة مكفرة، وأنها مما يدخل في التجهم الغالي، ولكن ليس هذا محل البحث، وإنما محل البحث هل مفهوم الغلو في التجهم يقوم على إنكار صفة العلو كما يقول الخليفي، أم أن مفهومه يقوم على التعطيل الكلي كما يقول ابن تيمية وابن القيم؟
الأمر الرابع: إن أبى الخليفي إلا أن يعتمد على تلك الرواية في تحديد ضابط الغلو في التجهم، فهذا دليل على فساد منهجه وفكره؛ إذ كيف يعتمد على كلام زنديق مجهول، ويترك الاعتماد على كلام ابن تيمية، وهو إمام محقق معلوم، هل يصح في العقل والشرع وقوانين العلم أن يترك المسلم كلام عالم مسلم في بيان أمر هو مختص به وعارف بتفاصيله، ويعتمد على كلام زنديق مجهول؟!! أي عقل سليم يقبل بهذا؟!، وأي منهج علمي يسلم بهذا؟!
والغريب حقا أن الخليفي ينكر على من يتبع كلام ابن تيمية ويشنع عليه بأنه لا يعتبر كلام السلف ولا ينطلق منه، ثم هو في الحقيقة يعتمد على كلام زنديق مجهول في بناء قاعدة من قواعده في تكفير طائفة من أمة الإسلام!!
فإن قيل: إن الاعتماد ليس على كلام الزنديق، وإنما على كلام البخاري وكلام الحسن بن موسى الأشيب، فإنهما رووه عن الزنديق على جهة الإقرار.
قيل: لا شك أن رواية كلام ما لا يدل على الاتفاق معه في كل التفاصيل، ثم إن الظاهر من صنيعهم أنهم إنما رووه عن الزنديق لبيان خطر الجهمية وشدة انحرافهم، وليس لبيان ضابط التجهم الغالي كما فهم الخليفي.
اعتراض وجوابه
حاول الخليفي في بعض كلامه أن يشكك في مفهوم غلاة التجهم الذي ذكره ابن تيمية، وذكر أن بعض كلام ابن تيمية لا يدل على حصر مفهوم غلو التجهم في التعطيل الكلي للأسماء والصفات، وذكر أن المفهوم الذي ذكره ابن تيمية لغلاة التجهم لا ينطبق إلا على فئة قليلة جدا، وهي نادرة جدا.
ويقول: إن عامة كلام السلف عن الجهمية يدور حول القرآن والرؤية ونحوها من الصفات، فكيف يتركون الكفر البواح الذي ينقله ابن تيمية عن غلاة الجهمية ويقتصرون على بعض الصفات، وربما يكون في بعضها خفاء؟!
يقول الخليفي: "تأمل قوله: "وحقيقة قولهم" لو الشيخ قصد ما يقولون، وأن الكلام على فئة معينة من الجهمية، وهذه الفئة بطبيعة الحال ستكون نادرة جدا؛ لأن مثل هذه زندقة لا يطيقها أحد، وهذه قرمطة واضحة، فإن هذا سيكون مشكلا جدا؛ لأن آثار السلف عامتها تتكلم عن أن من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن لم يؤمن بالرؤية فهو كافر، هكذا.... فلماذا السلف يتركون الكفر الواضح الذي تكلم فيه هؤلاء: أنهم نفوا عن الله الحياة والقدرة والسمع والبصر، ويذهبون إلى مسألة في تقدير المستدل خفية، وهي القول بخلق القرآن، هذا قول مشكل"26.
وهذا الكلام الذي ذكره الخليفي غير صحيح، وهي محاولة ضعيفة جدا في التخلص من مأزق مخالفة علماء السلف في مفهوم الجهمية المحضة، ويتبين ما في كلامه من غلط بالأمور الآتية:
الأمر الأول: أن كلام ابن تيمية واضح جدا في أنه يقصد بالجهمية الغالية فئة معينة ممن يسمون الجهمية، وهي الفئة التي تعتقد التعطيل الكلي للأسماء والصفات، ومما يدل على ذلك أنه كرر تعريفها بذلك في مواضع كثيرة من كتبه، فمن المستبعد عقلا أن يقصد مع ذلك التكرار عموم من يسمى جهمية.
ثم إنه في كثير من المواضع يقابل بين الجهمية الغالية وبين من عداهم ممن يسمون جهمية، ويذكر كلامه على جهة التقسيم، وهذا الأسلوب من أقوى ما يبين أنه يقصد فئة محددة معلومة الحقيقة والضابط.
الأمر الثاني: أن الجهمية الغلاة ليسوا قليلين، وإنما هم كثيرون في العدد، بل هم طوائف متعددة، فيدخل فيهم الجهم بن صفوان وأتباعه، ويدخل فيهم بشر المريسي وأتباعه، ويدخل فيهم الفلاسفة والباطنية من الشيعة والصوفية، وغيرهم، فهم أعداد كبيرة وشيع متنوعة.
وقد كان للجهمية أتباع الجهم بن صفوان وبشر المريسي والجعد بن درهم انتشار كبير في زمن السلف، ومن يقرأ في كلام السلف يدرك ذلك، وكثيرا ما يذكر الإمام الدارمي بأن بشر المريسي والثلجي قد أثروا في كثير من الناس بأساليبهم التي كانوا يعتمدون عليها، وأنه لولا انتشار مقالتهم وتأثرها لما رد عليهم.
يقول الدارمي عن الجهمية: "فلم يزالوا أذلة مقموعين، لا يقبل لهم قول، ولا يلتفت لهم إلى رأي، حتى ركنوا إلى بعض السلاطين الذين لم يجالسوا العلماء، ولم يزاحموا الفقهاء؛ فاختدعوهم بهذه المحنة الملعونة حتى أكرهوا الناس عليه بالسيوف والسياط، فلم تزل الجهمية سنوات يركبون فيها أهل السنة والجماعة بقوة ابن أبي دؤاد المحاد لله ولرسوله"27.
ولهذا حين ذكر ابن تيمية قول الجهمية الغلاة قال: "وهذا القول الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة هو قول القرامطة الباطنية، ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة الفلاسفة"28.
الأمر الثالث: أن أئمة السلف كانوا يعرفون حقيقة قول الجهمية الغلاة، ويعرفون عنهم ما ذكره ابن تيمية في ضابطهم.
ويذكرون بدعهم التي فيها إنكار جملة الصفات، ويحذرون منها، ويردون على ما كان له رواج بين الناس.
ومن أقوى ما يدل على ذلك ما ذكر عبدالله ابن الإمام أحمد، فإنه ذكر أنه وجد كتابا بخط أبيه، فيه ذكر ما يحتج به الجهمية من القرآن على أقوالهم، فذكر آيات كثيرة جدا مما يتأوله الجهمية، فيها استيعاب لجملة ما ينقل عن الجهمية من البدع، كإنكار الكلام والرؤية والعين والوجه واليدين والإرادة والقدرة، والسمع والبصر، وغيرها من الآيات29.
ومن يقرأ كتاب نقض الدارمي على بشر المريسي يدرك بوضوح أن أئمة السلف ناقشوا الجهمية في كثير من عقائدهم ومقالاتهم، كالقول بخلق القرآن ونفي صفة اليدين والقديم والوجه والعلو والاستواء والرؤية وغيرها، ويدرك بوضوح أن الدارمي كان يحكم على من يرد عليه وعلى الثلجي والمريسي بأحكام الكفر والضلال بناء على مقالاتهم تلك، وليس بناء على قولهم في خلق القرآن فقط، وهذا يدل على بطلان ما ذكره الخليفي.
والغريب حقا أن ابن تيمية نفسه حين ذكر الجهمية الغلاة نص على أن أئمة السلف يعرفون ذلك عنهم، حيث يقول: "الجهمية على ثلاث درجات: فشرها الغالية: الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى، قالوا: هو مجاز فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا تكلم ولا يتكلم، وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم كما ذكره الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية"30، ثم نقل عن الإمام أحمد، ونقل عن الأشعري نصا طويلا.
فكيف يقال بأن أئمة السلف لم يتكلموا عن انحرافات غلاة الجهمية التي ذكرها ابن تيمية؟!
الأمر الرابع: أما تركيز السلف على القول بخلق القرآن والاستواء على العرش؛ فلأن هذه المقالات كانت أكثر انتشارا من غيرها، ولأنها كانت أظهر ما يمثل التجهم، فمن قال بها، فهو الغالب يقول بما عداها، ولأن هذه المقالات من أظهر ما يدل على شناعة انحراف الجهمية، فالتركيز عليها والإكثار من ذكرها كان لأجل تلك الاعتبارات، وليس لأجل أن انحراف غلاة الجهمية مقتصر عليها.
فأئمة السلف يركزون على ما يعلنه الجهمية وينشرونه في الناس، فحين خاضت الجهمية في كلام الله تعالى، وادعوا أن كلام الله مخلوق، أنكر ذلك ابن المبارك، يقول الدارمي: "كره ابن المبارك حكاية كلامهم قبل أن يعلنوه. فلما أعلنوه أنكر عليهم وعابهم ذلك، وكذلك قال ابن حنبل: "كنا نرى السكوت عن هذا قبل أن يخوض فيه هؤلاء، فلما أظهروه لم نجد بدا من مخالفتهم والرد عليهم".
الأمر الخامس: قول الخليفي: "ويذهبون إلى مسألة في تقدير المستدل خفية، وهي القول بخلق القرآن" هذه مغالطة من الخليفي، فإن أئمة السلف في إنكارهم للباطل لا يراعون تقدير المخالف، وإنما يراعون المسألة نفسها في دين الله، فسواء قدر المخالف أنها خفية أم لم يقدر، فما دام انحرافه عظيما فيجب أن ينكر عليه بقدره.
ثم إن المخالف يعد كل المسائل خفية في تقديره، فإنه يعد ما جاء في صفة القدرة والحياة والسمع والبصر من الأمور الخفية؛ ولأجل هذا حاكمها إلى أصول عقلية، وصرفها عن ظاهرها.
فلماذا يفترض الخليفي أن مسألة القرآن خفية في تقدير المخالف، ولا يفترض ذلك في باقي الصفات التي أنكرها الجهمية الغلاة.
إشكال ودفعه
جاء في بعض كلام ابن تيمية إطلاق وصف الجهمية المحضة على المعتزلة، فكيف يقال: إنه يجعل ذلك الوصف خاصا بفئة معينة؟!
ومن ذلك قوله: "الجهمية المحضة من المعتزلة ومن وافقهم، يجعلون هذا كله مخلوقا منفصلا عن الله تعالى"31.
وقوله: "وهذا الأصل الباطل الذي أصله نفاة الصفات الجهمية المحضة من المعتزلة وغيرهم هو الذي فارقهم به جميع المثبتة للصفات"32.
والجواب: أن هذا الكلام لم يقله ابن تيمية في بيان حقيقة قول المعتزلة من حيث الإطلاق، وإنما قاله في بيان حقيقة قولهم في مسألة معينة، ولا شك أن المعتزلة وغيرهم وافقوا الجهمية المحضة في بعض الأبواب.
فغاية ما في كلام ابن تيمية هذا أن المعتزلة قالوا بقول الجهمية المحضة في أصل التعطيل، وفي صفة الكلام، ولكن كلامه لا يعني أنه لا فرق بين الطائفتين، بل هو نفسه يؤكد على وجود الفرق، وأن انحراف المعتزلة أقل من انحراف الجهمية المحضة.
وكلام ابن تيمية الذي فيه بيان الفرق بين الطائفتين سبق قدر منه، ومن كلامه الصريح البين قوله: "فإن زاد في التعطيل وقال: أنا لا أقول بقول المعتزلة؛ بل بقول الجهمية المحضة والباطنية من الفلاسفة والقرامطة فأنفي الأسماء مع الصفات ولا أسميه حيا ولا عالما ولا قادرا ولا متكلما إلا مجازا بمعنى السلب والإضافة: أي هو ليس بجاهل ولا عاجز وجعل غيره عالما قادرا"33.
فهو في هذا الموضع يبين أن المعتزلة أقل تعطيلا من الجهمية المحضة، وأنهم ليسوا متساوين معهم في الانحراف.
ويقول ابن تيمية: "أما من يقول ببعض التجهم، كالمعتزلة ونحوهم، الذين يتدينون بدين الإسلام باطنا وظاهرا، فهؤلاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بلا ريب، وكذلك من هو خير منهم، كالكلابية والكرامية"34.
وهو في هذا النص يقرر بأن المعتزلة يقولون ببعض التجهم، وأنهم ممن يدين بالإسلام ظاهرا وباطنا، وأنهم من أمة الإسلام بلا ريب، فكيف يقال: إن ابن تيمية يجعل المعتزلة من الجهمية المحضة؟!!
وبعد هذه المناقشة العلمية يظهر بطلان أصل من الأصول التي يقيم عليه الخليفي تكفيره لأعيان الأشاعرة، وبقيت أصول أخرى سيأتي نقدها إن شاء الله.
والحمد لله رب العالمين.
د. سلطان العميري
الهوامش
- 1هذا البحث سبقه أبحاث سابقة، ناقشت فيها عددا من الدعاوى، مثل: دعوى: إجماع السلف على تكفير أعيان الجهمية، ودعوى: تكفير الإمام أحمد لأعيان الجهمية، ودعوى: المطالبة بقوائم غير المعذورين، ودعوى: أن الإعذار بالجهل والتأويل مبني على التأثر بالإنسانوية والعلمانية، ودعوى: أن الإنكار على من يكفر منكر الصفات يستلزم أن صفات المخلوق أعظم من صفات الله، ودعوى: أن علماء الأشاعرة لا يعرفون الله، وغيرها من الدعاوى.
- 2مقال: ابن القيم: المعطلة غير الغلاة الجهلة فساق.
- 3مقال: قاعدة جليلة في تمييز الجهمية.
- 4خلق أفعال العباد، البخاري (11).
- 5للخليفي أصول أخرى يعتمد عليها في تكفير أعيان الأشاعرة، سبق نقض بعضها، وسيأتي في هذه السلسلة نقض ما بقي منها.
- 6رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/785).
- 7التسعينية (1/267).
- 8النبوات (758).
- 9مجموع الفتاوى (15/115).
- 10مجموع الفتاوى (3/372).
- 11طريق الهجرتين (1/173).
- 12مدارج السالكين (1/362).
- 13رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/788).
- 14خلق أفعال العباد (2/12).
- 15خلق أفعال العباد (2/17).
- 16رواه عبدالله ابن الإمام أحمد في السنة (22).
- 17رواه عبدالله ابن الإمام أحمد في السنة (156).
- 18انظر: مقال السلف ذموا نفاة العلو بأكثر مما ذموا به الخوارج والرافضة والقدرية.
- 19خلق أفعال العباد، البخاري (2/11).
- 20انظر: مقال: ابن القيم: المعطلة غير الغلاة الجهلة فساق، ومقال: قاعدة جليلة في تمييز الجهمية.
- 21رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (3/785).
- 22رواه عبدالله ابن الإمام أحمد في السنة (21)، وابن بطة في الإبانة الكبرى (6/57).
- 23رواه ابن بطة في الإبانة الكبرى (6/105).
- 24رواه عبدالله ابن الإمام أحمد في السنة (65).
- 25خلق أفعال العباد (2/15).
- 26صوتية: هل تكفير السلف مختص بالجهمية المحضة؟
- 27نقض الدارمي على بشر المريسي (207).
- 28التسعينية (1/250).
- 29انظر: السنة، عبدالله ابن الإمام أحمد (153).
- 30التسعينية (1/267).
- 31درء تعارض العقل والنقل (2/115).
- 32مجموع الفتاوى (15/115).
- 33مجموع الفتاوى (7/377).
- 34مجموع الفتاوى (15/118).
