تفكيك دعاوى الخليفي في التكفير والتضليل (2): دعوى أن الأشعرية شر من الجهمية وأنهم أولى بالتكفير
من الدعاوى التي لا يمل الخليفي من تكرارها القول بأن الأشعرية في نفي العلو شر من الجهمية، وأنهم أشد منهم انحرافًا، وبالتالي فهم أولى بالتكفير من الجهمية، فإذا كان أئمة السلف قد كفروا الجهمية، فإن ذلك يقتضي أن يكفروا الأشعرية من باب أولى؛ لأنهم وقعوا فيما هو أشد انحرافًا من عقيدة الجهمية وأشر منه.
يقول الخليفي: "الأشاعرة فاقوا الجهمية الأولى في مسائل، منها: قولهم في القرآن، فقد صرح ابن أبي العز بأن قولهم في القرآن أكفر من قول المعتزلة، وأشار إلى هذا ابن القيم في الصواعق المرسلة، ونص ابن تيمية في الاستقامة على أن قولهم في إنكار العلو أشنع من القول بخلق القرآن"1.
ويقول عن الأشعرية: "قولهم في القرآن والعلو أخبث من قول المعتزلة والجهمية، الذين اتفق السلف على تكفيرهم، فكيف يقال بأن أكثر أهل العلم على القول بإسلامهم"2.
ثم خلص الخليفي إلى النتيجة التي يدندن حولها، فيقول: "كل ما قيل في الجهمية الأولى يقال في الأشاعرة من باب أولى"3.
ويقول مؤكدًا كلامه السابق: "فأي دين هذا الذي يسمح لك بتسنين الجهمية الذين فاقوا الجهمية الذين كفرهم السلف"4.
وكتب أحد تلاميذه أو معارفه مقالًا بعنوان "باب في أن مقالة الأشعرية في العلو أخبث من مقالة الجهمية الأولى"، ونشره الخليفي في موقعه محتفيًا به، ومؤيدًا لما فيه، وقال: "هذا جمع... في النصوص الدالة على أن مقالة الجهمية الأشعرية في العلو أخبث من مقالة الجهمية الأولى، وبالتالي فتكفير الأولى وترك هذه تناقض، خصوصًا مع نفي التكفير المطلق والمعين الذي درج عليه المعاصرون"5.
بل يرى الخليفي أن إنكار الأشعرية للعلو أعظم كفرًا من شرك المشركين، فيقول: "من نفائس ابن تيمية: كفر الأشعري منكري العلو أعظم من كفر عباد القبور"6، ثم أورد قول ابن تيمية: "يتبين أن الذي قلته أقبح من هذا الشرك ومن جعل الأنداد لله، كما أن جحود فرعون الذي وافقتموه على أنه ليس فوق السموات رب العالمين إله موسى جحود لرب العالمين ولأنه في السماء كان أعظم من شرك المشركين الذين كانوا يقرون بذلك ويعبدون معه آلهة"7.
فحاصل مجموع كلام الخليفي أن قول الأشاعرة في نفي العلو وفي الكلام وفي الإيمان وفي القدر شر من قول الجهمية والمعتزلة، وبالتالي فهم أولى بالتكفير منهم.
فحقيقة ما يتبناه الخليفي في هذه الدعوى يتحصل في أمرين:
- الأول: أن الأشاعرة أشد انحرافًا من الجهمية والمعتزلة.
- الثاني: أن الأشاعرة أولى بالتكفير من الجهمية والمعتزلة.
وقد استدل الخليفي على دعواه هذه بعدد من الأدلة:
الدليل الأول: أن أئمة السلف كفروا من قال: الله في كل مكان بذاته، وقول الأشاعرة بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه، ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا شماله، أشنع من قول الجهمية الأولى من أنه في كل مكان بذاته، وأبعد عن النقل والعقل والفطرة، وإذا كان كذلك فهم أولى بالتكفير من الجهمية8.
وقد استند في دليله هذا على عدد من الشواهد من كلام ابن تيمية، وسيأتي التعليق عليها، وبيان أنها في مجملها لا تدل على دعواه.
الدليل الثاني: أن ابن أبي العز صرح بأن قول الأشعرية في القرآن أكفر من قول المعتزلة9، يقول الخليفي: "قد أطلق ابن أبي العز وابن القيم وابن تيمية أن مذهب الأشاعرة في القرآن أخبث من مذهب المعتزلة"10.
وهو يشير إلى قول ابن أبي العز: "فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته وهو المتلو المكتوب المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا - فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق، بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة، فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه. وهذا تصريح بأن صفات الله محكية"11.
الدليل الثالث: أن ابن تيمية صرح بأن قول الأشاعرة في الإيمان أشنع من قول المعتزلة12، وهو يشير إلى قول ابن تيمية: "وأنتم وافقتم الجهمية في الإرجاء والجبر فقلتم: الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم بلسانه، وهذا عند السلف والأئمة شر من قول المعتزلة"13.
الدليل الرابع: أن الأشاعرة شر من المعتزلة في باب القدر، يقول الخليفي: "ما ينبغي إطلاق أن الأشاعرة خير من المعتزلة إلا في باب الصفات، وإلا فهم في باب الإيمان والقدر شر من المعتزلة، فقد صرح شيخ الإسلام أن قول الجبرية شر من قول القدرية، لأن فيه تجرئة للعصاة"14.
وما قرره الخليفي في هذه الدعوى غير صحيح، فلا بدعة الأشاعرة شر من بدعة الجهمية بإطلاق، ولا الأشاعرة أولى بالتكفير من الجهمية بإطلاق، ولا كلام أئمة السلف الذي اعتمد عليه يدل على دعواه.
والبحث هنا منحصر في أن الأشاعرة شر من الجهمية، وأشد انحرافًا منهم، وأنهم فاقوا الجهمية في القول بالكفر، وأنهم أولى بالكفر من الجهمية.
فالحديث منحصر في هذه القضية فقط، وليس الغرض من البحث الدفاع عن المذهب الأشعري وما فيه من انحراف عن السنة، وليس البحث في إثبات أن الأشاعرة وافقوا الجهمية أم لا، وليس في كون قول الأشعرية في نفي العلو كفرًا أم لا؟ ولا في كون قول الأشاعرة في نفي العلو تترتب عليه لوازم شنيعة، فكل هذه القضايا ليست محل البحث الآن، وإنما محله منحصر في دعوى الخليفي بأن الأشعرية فاقوا الجهمية في الكفر، وأنهم أشد منهم قولًا بالكفر، فهم أولى بالتكفير من الجهمية.
وبناء عليه، فكل الأقوال التي يذكرها الخليفي، أو ينقلها عن العلماء، وفيها أن الأشعرية وافقوا الجهمية في قدر من أقوالهم ليست محل بحثنا الآن، فلا يأتي أحد ويكرر تلك الأقوال، فالبحث هنا لا يقصد مناقشتها، وإنما يقصد مناقشة فكرة محددة، هي: أن الأشاعرة أشد انحرافًا من الجهمية، وأكثر ابتداعًا منهم، وبالتالي فهم أولى بالتكفير منهم.
ومقتضى هذا أن الأشاعرة قالوا بقول لم تقل به الجهمية، وأن هذا القول أعظم من قول الجهمية، أما إذا ثبت أن ما قالت به الأشاعرة قد قالت به الجهمية، فقد سقطت دعوى الخليفي برمتها وتبين الخلل فيها.
الأمور الدالة على بطلان دعوى الخليفي
المتتبع لكلام الخليفي حول هذه الدعوى يدرك بوضوح أنه وقع في كثير من الأغلاط المنهجية والعلمية، وسأذكر قدرًا كبيرًا منها في هذه المناقشة، وسأقدم بذكر أصول تلك الأغلاط في بداية المناقشة حتى يدرك القارئ الكريم مواضعها فيما سيأتي من الكلام، فمن تلك الأغلاط:
- الغلط الأول: أنه لم يسلك المنهج الصحيح في المقارنة بين المذاهب.
- الغلط الثاني: أنه لم يسلك المنهج الصحيح في المقارنة بين الأقوال.
- الغلط الثالث: توهمه أن الواقع في الكفر الأشد أولى بالتكفير من الواقع في الكفر الأخف.
- الغلط الرابع: تصويره بأن الأشعرية أتوا بقول لم تقل به الجهمية.
- الغلط الخامس: الانتقاء من كلام العلماء، وإغفال ما يناقض دعواه من أقوالهم.
- الغلط السادس: الجهل بمسالك العلماء في استعمال أسلوب التفضيل في التقبيح والتضليل.
وتفصيل هذه الأغلاط وغيرها، وذكر قدر مما يندرج ضمنها يتحصل بما يلي:
الأمر الأول: الذي يطالع طريقة الخليفي في الموازنة بين الأقوال والمذاهب يدرك بوضوح أنه لا يعرف المنهج الصحيح الذي يمكن من خلاله الحكم على مذهب ما بأنه أشد انحرافًا من المذهب الآخر، فتراه ينظر في الأقوال، فإذا وجد في كلام بعض العلماء جملة أو كلمة توحي بأن المذهب الأشعري شر من مذهب الجهمية في قضية ما أخذها، وأبرزها على أنها دليل على دعواه بأنهم شر مطلقًا من الجهمية، وأولى بالتكفير منهم.
وهذا المسلك في غاية البعد عن المنهج العلمي المتبع في المقارنة بين المذاهب، فإن المقارنة بين المذاهب يجب أن تكون مركبة من عدد من الجوانب، من أهمها:
الجانب الأول: المنهج الاستدلالي الكلي. وإذا اعتبرنا هذا الأمر، فالأشاعرة أقل انحرافًا من الجهمية والمعتزلة في أصولهم الاستدلالية التي يعتمدون عليها ومنطلقاتهم وقواعدهم في الاستدلال، فمع أنهم يشتركون في كثير من الأصول البدعية المنحرفة، إلا أن الأشاعرة أقوى اعتبارًا للوحي من الجهمية، وأكثر استدلالًا به منهم، ولهذا أقروا بعدد من الأصول الشرعية، وأثبتوا الأسماء وعددًا من الصفات لله تعالى بخلاف الجهمية.
الجانب الثاني: مجمل المقررات العقدية. وإذا اعتبرنا هذا الأمر، فالأشاعرة أقل انحرافًا من الجهمية والمعتزلة في كثير من الأبواب، فهم في الصفات أقروا بأصل ثبوت الصفات لله تعالى، بخلاف الجهمية والمعتزلة، فإنهم يقيمون مذهبهم على التعطيل، ولهذا يجعلهم ابن تيمية في صف الصفاتية الذين يقابلون الجهمية والمعتزلة.
الجانب الثالث: في الدفاع عن الإسلام. وإذا اعتبرنا هذا الأمر فلا شك أن الأشاعرة خير من الجهمية والمعتزلة في هذا الباب، فلهم مساع مشكورة وأعمال مذكورة في الرد على المنحرفين من الزنادقة وغيرهم.
الجانب الرابع: في الموقف من الصحابة وأئمة السلف. وإذا اعتبرنا هذا الأمر فلا شك أن الأشعرية أكثر تقديرًا للصحابة رضي الله عنهم ولأئمة السلف، وأكثر اتباعًا لهم، وإن كانوا كثيري المخالفة لهم.
الجانب الخامس: في تعظيم الوحي وتقديره وقبوله والعناية به. إذا اعتبرنا هذا الأمر، فلا شك أن الأشاعرة أكثر تعظيمًا للوحي من الجهمية والمعتزلة، وأقوى تقديرًا له وقبولًا له وعناية به، ويشهد لذلك ذلك التراث الكبير جدًا في تفسير القرآن والحديث والسنة والعناية به.
وهذه الأمور فيها تفاصيل كثيرة، تستحق أن تفرد في كتاب؛ لعظيم أهميتها وعميق أثرها، ولم أذكر كثيرًا من التفاصيل هنا لأن المجال لا يناسبها.
ولابن تيمية كلام كثير في هذا الموضوع، ولولا خشية الإطالة وخروج البحث عن موضوعه لذكرت قدرًا من كلامه وما فيه من التحرير والتدقيق، فهو قد عقد مقارنة بين الفلاسفة واليهود والنصارى، وبين الفلاسفة والجهمية، وبين الجهمية واليهود والنصارى، وبين الرافضة والمتكلمين، وغير ذلك كثير، وهو في كل تلك المواضع يذكر منهجية التفصيل والتفريق.
ولا بد من التنبيه على أنه ليس المراد بهذه المقارنة إلغاء الانحراف في المذهب الأشعري أو تقليله، وإنما المراد بيان خطأ مسلك الخليفي في المقارنة بين المذاهب، وأنه لم يسلك المسلك الصحيح الذي يعتبره العلماء.
وهو لا يعني أن بعض أعيان الأشاعرة قد وقع في أمور شنيعة تتعلق بالصحابة وأئمة السلف أو بتعظيم الوحي، ولكن البحث ليس عن الأفراد، وإنما عن مجمل حال المذهب ومجمل حال أتباعه.
الأمر الثاني: بعد أن بينا الخلل المنهجي في المقارنة بين المذاهب عند الخليفي، فإنا سنبين هنا الخلل التفصيلي فيما ادعاه، فكما أنه لا يحسن المقارنة بين المذاهب فهو لا يحسن المقارنة بين الأقوال أيضًا، فهو غالبًا يعتمد في المقارنة بين الأقوال على جهة واحدة، وهي الجهة التي تخدم الفكرة التي يريد الوصول إليها غالبًا!!
والحق أن المقارنة بينها لا بد أن ينظر إليها من عدد من الجهات، حتى يكون الباحث أكثر تحقيقًا للعدل وأقرب إصابة للحق.
وسنطبق هذا الأمر على أعظم قضية ادعى الخليفي فيها أن مذهب الأشاعرة شر من مذهب الجهمية، وهي قولهم في نفي صفة العلو.
وحاصل ما يقرره الخليفي: أن الجهمية يقولون إن الله تعالى في كل مكان، وأما الأشاعرة، فإنهم يقولون: إن الله تعالى لا في مكان، فهو ليس داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا شماله، ولا متصل به ولا منفصل عنه.
وهذا القول يستلزم أن الله تعالى معدوم، وقول الجهمية لا يستلزم هذا اللازم الشنيع، ونتيجة ذلك، فقول الأشاعرة أشد كفرًا من قول الجهمية.
ويذكر في بعض المواضع أن قول الأشاعرة أشد مناقضة للعقل، فهو إذن أشد كفرًا ومجانبة للشريعة.
فهذه القضية التي لا يمل الخليفي من تكرارها، وهي في غاية الضعف والانحراف عن المنهج العلمي، ونحن في هذا الموضع لا نريد أن نقع فيما وقع فيه الخليفي فنقول: إن قول الأشعرية أقل انحرافًا من قول الجهمية بإطلاق، وإنما نريد أن نقول: إن القضية فيها تفصيل، وفيها جهات من النظر لا بد من اعتبارها جميعًا.
فإن من عرف حقيقة قول الجهمية والأشعرية يدرك بوضوح أن قول الجهمية في صفة العلو أشد انحرافًا وضلالًا من بعض الجهات، فهم حين أنكروا اتصاف الله تعالى بالعلو، حكم بعضهم على أن الله تعالى في كل مكان، وهذا يقتضي أن الله تعالى يوجد في أمكنة القاذورات والأوساخ، فحقيقة قولهم وإن كانت أقل مناقضة للعقل من قول الأشعرية - مع أن كليهما مناقض له - إلا أنها في غاية المنافاة لتعظيم الله وإجلاله.
وأما الأشاعرة فإنهم حين رأوا هذه النتيجة القبيحة التي وصل إليها الجهمية، أرادوا تنزيه الله تعالى، فانتهوا إلى أن يقولوا: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا يمينه ولا شماله، فهم يقولون: لا نثبت صفة العلو لله، ولا نقول: إنه في كل مكان كما قالت الجهمية وما نتج عنها من الحلولية، فإن ذلك مناف لعظمة الله وجلاله، وإنما نقول إنه لا داخل العالم ولا خارجه.
فقول الأشاعرة وإن كان أظهر تناقضًا عقلًا، إلا أنه أشد تنزيهًا لله تعالى، بل هم لم يقولوا به إلا لأجل أن ينزهوا الله تعالى عما انتهت إليه الجهمية، فهو أقل انحرافًا من قول الجهمية من هذه الجهة.
فإن قيل: لكن قول الأشاعرة يستلزم أن الله تعالى غير موجود.
قيل: إن شناعة قول الأشاعرة من هذه الجهة لا تعني أن قول الجهمية ليس أشنع من قولهم من جهة أخرى.
ثم إن الأشاعرة لا يقبلون بهذا اللازم، ويصرحون صباح مساء بنفيه، ويردون على من يتبناه من الملاحدة وغيرهم، ولا يوجد عالم من علماء المسلمين المعتبرين يتعامل مع الأشاعرة بخصوصهم على أنهم ملاحدة منكرون لوجود الله تعالى، بل هو باطل مناف لما هو معلوم من حالهم بالضرورة، وهذا بخلاف الجهمية، فإنه لا يعرف عن كثير منهم إنكار أن الله تعالى في كل مكان، وإنما حاول كثير منهم أن يقدم لها تفاسير لا تنفي حقيقتها الشنيعة.
فظهر بهذا الفرق الجلي بين تعامل الأشاعرة مع لازم قولهم، وبين تعامل الجهمية، وهذا يدل على أن ما عليه الجهمية أشد شناعة وبعدًا عن الحق من هذه الجهة.
فإن قيل: لكن قول الأشاعرة أشد مناقضة للعقل، ومنافرة للفطرة، وهذا يقتضي بداهة أنه شر مما يقوله الجهمية.
قيل: لا يلزم من كون القول أشد منافاة للعقل والفطرة أن يكون أشد كفرًا، فإن الكفر حكم شرعي لا يحكم به إلا بناء على مخالفة مقتضيات النصوص الشرعية ودلالتها، وليس بناء على مخالفة العقل.
فكون القول في غاية المناقضة للعقل لا يعني أنه أشد كفرًا في الشريعة، يقول ابن تيمية عن ابن حمويه: "كان هو أبعدهم عن تحقيق الاتحاد والأقرب إلى الإسلام، وإن كان أكثرهم تناقضًا وهذيانًا، فكثرة الهذيان خير من كثرة الكفر"15.
ثم إنه يلزم من ذلك أن من أنكر اجتماع النقيضين يكون أشد كفرًا ممن أنكر وجوب الصلاة مثلًا، ومن أنكر أن الكل أكبر من الجزء أشد كفرًا ممن أنكر صفة النزول والاستواء مثلًا.
الأمر الثالث: على التسليم بأن مذهب الأشاعرة أشد انحرافًا وكفرًا من مذهب الجهمية والمعتزلة، وعلى التسليم بأن قول الأشاعرة في نفي صفة العلو لله تعالى أشد انحرافًا وكفرًا من قول الجهمية، فإن الخليفي وقع في غلط آخر، وهو توهمه أن من وقع في الكفر الأشد يكون أولى بالتكفير ممن وقع في الكفر الأخف بإطلاق، وهذا غير صحيح، بل هو انحراف ظاهر.
فتكفير الأعيان كما أنه يقوم على نوع المكفر، فإنه يقوم أيضًا على حال المعين الذي وقع في الكفر، فقد يكون الرجل واقعًا في مكفر أشد وأظهر، ولكن تكفيره يكون أقل من تكفير من وقع في المكفر الأخف؛ لأنه قد احتفت بحاله أمور توجب قوة الإعذار في حقه16.
ولهذا كان ابن تيمية يفرق بين أنواع المتأولين لآيات لقاء الله ورؤيته، فيقول: "فصار أصل قولهم شركًا وردة ظاهرة ونفاقًا، أعني من الجهة التي يخالفون فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، وإن كانوا من جهة أخرى مؤمنين به، مقرين بما جاء به، ولكنهم آمنوا ببعض، وكفروا ببعض، ومنهم من يعلم ذلك، فيكون منافقًا محضًا، ومنهم جهال، اشتبه الأمر عليهم، وإن كانوا فضلاء، فهؤلاء فيهم إيمان، وقد يغفر للمخطئ المجتهد سيئته في متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم"17.
فانظر كيف يتعامل ابن تيمية مع أحوال المخالفين المتنوعة، ويعطي كل نوع منها الحكم الذي يناسبه، وقارن ذلك بما يقوم به الخليفي حتى تدرك عظيم الانحراف والخلل المنهجي في تقريره.
فإذا أراد الخليفي أن يثبت أن أعيان علماء الأشاعرة أولى بالتكفير من أعيان الجهمية فعليه واجبان لا بد من الوفاء بهما:
- الأول: أن يثبت أن قولهم أشد كفرًا وانحرافًا من كل الوجوه.
- الثاني: أن يثبت أن حال علماء الأشاعرة أشد ابتعادًا عن الإعذار بالجهل والتأويل من أعيان الجهمية، فإن لم يحقق هذين الواجبين فكلامه ساقط لا قيمة له.
وهو في الحقيقة لم يحقق واحدًا منهما، فما ادعاه من أن مذهب الأشاعرة أشد انحرافًا من مذهب الجهمية غير صحيح، وما ادعاه من أن قول الأشاعرة في نفي صفة العلو أشد كفرًا من مذهب الجهمية بإطلاق غير صحيح، وأما الأمر الآخر فيما يتعلق بأعيان الأشاعرة فهو يتهرب منه كثيرًا، ولم يستطع إثباته.
الأمر الرابع: أن قول الخليفي بأن الأشعرية قالت بقول لم تقل به الجهمية غير صحيح، فالقول بأن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه لم يتفرد به الأشاعرة، وإنما سبقهم إليه بعض الجهمية من الغلاة، وابن تيمية في عدد من المواضع ينسب هذا القول إلى طائفة من الجهمية، يقول ابن تيمية عن الجهمية: "إنما يحكون عنهم أن الله في كل مكان، وهذا قول طائفة منهم، كالنجارية، وهو قول عوامهم وعبادهم، وأما جمهور نظارهم من الجهمية والمعتزلة والضرارية وغيرهم، فإنما يقولون: هو لا داخل العالم ولا خارجه، ولا هو فوق العالم"18.
فظاهر كلام ابن تيمية هنا أن هذا القول يقول به جمهور نظار الجهمية والمعتزلة والضرارية، وكل هؤلاء ليس من الأشعرية.
ويقول ابن تيمية: "الحلول هو الذي أظهرته الجهمية للناس حتى عرفه السلف والأئمة وردوه، وأما حقيقة قولهم فهو النفي، أنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولكن هذا لم تسمعه الأئمة، ولم يعرفوا أنه قولهم إلا من باطنهم؛ ولهذا كان الأئمة يحكون عن الجهمية أنه في كل مكان ويحكون عنهم وصفه بالصفات السلبية"19.
فهذا النص يدل على أن أئمة السلف يعرفون أن حقيقة قول الجهمية هي القول بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولكن الجهمية لم يجرؤوا على التصريح به، فهنا فرق بين علم السلف به وبين تصريح الجهمية.
وقد نقل ابن تيمية عن ابن كلاب إنكار هذا القول، يقول ابن تيمية: "قال ابن كلاب: وأخرج من الأثر والنظر قول من قال: إن الله سبحانه لا داخل العالم ولا خارجه"20.
وهذا يدل على أن القول بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه قول قديم قبل ظهور الأشعرية، وقد جعل ابن تيمية وابن القيم هذا القول مما يبطل به قول الجهمية والمعتزلة، ويسوقانه في نقض مقالتهم21.
وثبوت هذا الأمر يبطل دعوى الخليفي بأن الأشاعرة أشد كفرًا من الجهمية، فمن المعلوم عقلًا أن إثبات المساواة والمماثلة بين قول الأشعرية وقول بعض الجهمية ينفي الأشدية بالضرورة.
وهذا يبطل أيضًا اللغة التشنيعية والعاطفية التي يستعملها الخليفي، حين يصور للناس بأن الأشاعرة أتوا بقول لم تقل به الجهمية، فهذا خطأ تاريخي ظاهر البطلان.
فإن قيل: هذا إقرار منك بأن الأشاعرة وافقوا غلاة الجهمية في بعض أقوالهم.
قيل: هذا الأمر لا ينكر، بل هو مقرر معلوم، وليس هو محل البحث الآن، وإنما محل البحث منحصر في نقطة واحدة محددة، وهي أن قول الأشاعرة أشد كفرًا من قول الجهمية، وإثبات أن طائفة كبيرة من الجهمية قالت بمثل قول الأشاعرة يبطل تلك الدعوى التي ادعاها الخليفي.
الأمر الخامس: المتأمل في صنيع الخليفي في هذه الدعوى وغيرها من الدعاوى يجد أنه وقع في الانتقاء المقيت، المخالف للمنهج العلمي الصادق النزيه، فإنه أخذ يتتبع كلمات العلماء التي يمكن أن يفهم منها أن بدعة الأشاعرة شر من الجهمية وأشد كفرًا، فأخذ يبرزها وينشرها في مقالات متعددة، ويغفل أقوالهم الأخرى التي فيها ما يدل على أن بدعة الأشاعرة أخف من بدعة الجهمية، وأنهم أقرب إلى أهل السنة منهم.
ومن أشهر العلماء الذين مارس الخليفي في كلامهم تلك الانتقائية المقيتة ابن تيمية، فإنه من أكثر العلماء الذين تحدثوا عن الأشعرية ووصفوا مذهبهم بتفصيل. والذي يقرأ فيما ينشره الخليفي عن ابن تيمية يجد صورة غير الصورة التي يقررها ابن تيمية في كتبه، وغير التعامل الواقعي الذي كان يتعامل به ابن تيمية مع الأشاعرة، فالخليفي يبحث في كلام ابن تيمية عما يؤيد تصوراته المسبقة، ولا يحرر كلام ابن تيمية وموقفه كما هو.
وسنذكر هنا جملة من أقوال ابن تيمية في حكمه على مذهب الأشعرية، وهي تناقض تمام المناقضة ما ينسبه إليه الخليفي بناء على ما انتقاه من كلامه. وسأكتفي في هذا البحث بستة نقول:
النقل الأول: يقول ابن تيمية: "أقرب هؤلاء الجهمية الأشعرية، يقولون: إن له صفات سبعًا: الحياة والعلم والقدرة والإرادة والكلام والسمع والبصر. وينفون ما عداها، وفيهم من يضم إلى ذلك اليد فقط، ومنهم من يتوقف في نفي ما سواها، وغلاتهم يقطعون بنفي ما سواها"22.
ففي هذا الكلام يقرر ابن تيمية أن الأشعرية أقرب الطوائف التي يطلق عليها لقب الجهمية إلى أهل السنة، والخليفي ينقل عن ابن تيمية أنهم أشد كفرًا من الجهمية، بل أشد كفرًا من المشركين عباد القبور!!
النقل الثاني: يقول ابن تيمية: "وأما من يقول ببعض التجهم كالمعتزلة ونحوهم الذين يتدينون بدين الإسلام باطنًا وظاهرًا فهؤلاء من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بلا ريب. وكذلك من هو خير منهم كالكلابية والكرامية"23.
فهذا نص صريح في أن الأشعرية خير من المعتزلة، والمعتزلة خير من الجهمية، ولكن الخليفي يصر على أن يشوه مذهب ابن تيمية وينسب إليه أن الأشاعرة أشد كفرًا من الجهمية!!
النقل الثالث: يقول ابن تيمية عن الأشعرية: "فصار في مذهبهم في الرسالة تركيب من الوراثتين، لبسوا حق ورثة الأنبياء بباطل ورثة أتباع الصابئة، كما كان في مذهب أهل الكلام المحض المبتدع كالمعتزلة تركيب وليس بين الأثارة النبوية وبين الأثارة الصابئة؛ لكن أولئك أشد اتباعًا للأثارة النبوية وأقرب إلى مذهب أهل السنة من المعتزلة ونحوهم من وجوه كثيرة. ولهذا وافقهم في بعض ما ابتدعوه كثير من أهل الفقه والحديث والتصوف؛ لوجوه: أحدها: كثرة الحق الذي يقولونه وظهور الأثارة النبوية عندهم"24، ثم ذكر الأسباب الأخرى، وبعضها راجع إلى صنيع الأشعرية وبعضها راجع إلى تفريط أهل الحق.
والمعنى الذي ذكره ابن تيمية من أن كثيرًا من أهل الفقه والحديث والتصوف وافقوا الأشعرية فيما ابتدعوه يدل بوضوح شديد على أن الأشعرية أقرب الطوائف الكلامية إلى الحق عند ابن تيمية، لأن اتفاق هذا العدد الكبير من هذه الأمة من علماء ومحدثين وفقهاء وعباد وصالحين على موافقة الأشعرية لم يكن ليقع لولا قربهم من السنة، فلو كانوا شرًا من الجهمية لما وقع هذا.
النقل الرابع: يقول ابن تيمية: "والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة. وأنا كنت من أعظم الناس تأليفًا لقلوب المسلمين وطلبًا لاتفاق كلمتهم واتباعًا لما أمرنا به من الاعتصام بحبل الله، وأزلت عامة ما كان في النفوس من الوحشة"25.
فابن تيمية يتحدث هنا عن الأشعرية المتأخرين الذين كانوا في زمانه، وهم من أتباع الجويني والغزالي والرازي والآمدي، فهو لا يقصد الأشعرية المتقدمين قطعًا.
النقل الخامس: يقول ابن تيمية في رده على الرافضي: "غالب شناعته على الأشعرية ومن وافقهم، والأشعرية خير من المعتزلة والرافضة عند كل من يدري ما يقول، ويتقي الله فيما يقول، وإذا قيل: إن في كلامهم - وكلام من قد وافقهم أحيانًا من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم - ما هو ضعيف، فكثير من ذلك الضعيف إنما تلقوه من المعتزلة، فهم أصل الخطأ في هذا الباب، وبعض ذلك أخطئوا فيه لإفراط المعتزلة في الخطأ، فقابلوهم مقابلة انحرفوا فيها"26.
فهذا النص يدل على أن خيرية الأشعرية على المعتزلة ظاهرة جدًا عند ابن تيمية، وقريبة من القطع، إلى درجة أنه جعل من يخالف في ذلك أو يشك فيه فإنه لا يدري ما يقول، وأنه لو خالف في ذلك فإنه سيكون قليل التقوى، فكيف ينسب إليه الخليفي أنه يحكم على الأشعرية بأنهم شر من الجهمية والمعتزلة؟!!
النقل السادس: يقول ابن تيمية: "التحقيق: أن التجهم المحض؛ وهو نفي الأسماء والصفات؛ كما يحكى عن جهم، والغالية من الملاحدة، ونحوهم ممن نفى أسماء الله الحسنى كفر، بين، مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول.
وأما نفي الصفات، مع إثبات الأسماء؛ كقول المعتزلة فهو دون هذا، لكنه عظيم أيضًا.
وأما من أثبت الصفات المعلومة بالعقل والسمع، وإنما نازع في قيام الأمور الاختيارية به، كابن كلاب، ومن اتبعه، فهؤلاء ليسوا جهمية، بل وافقوا جهمًا في بعض قوله، وإن كانوا خالفوه في بعضه. وهؤلاء من أقرب الطوائف إلى السلف وأهل السنة والحديث"27.
وقد اجتمع مع هذه التقريرات تطبيقه العملي، فإنه كان يتعامل مع علماء عصره من الأشاعرة بتقدير واحترام، فقد مدح شيخ الإسلام القاضي بدر الدين ابن جماعة وأيده، ونقل السبكي في طبقاته أن تقي الدين ابن تيمية كان كثيرًا ما يثني على والده تقي الدين السبكي، وأنه كان لا يعظم أحدًا من أهل العصر كتعظيمه له، كما ذكر في ترجمة علاء الدين الباجي أنه لما رآه ابن تيمية عظمه، ولم يجر بين يديه بلفظة، فأخذ الشيخ علاء الدين يقول: تكلم نبحث معك، وابن تيمية يقول: مثلي لا يتكلم بين يديك، أنا وظيفتي الاستفادة منك28.
والمنصف إذا طالع هذه الأقوال من ابن تيمية يدرك بوضوح أنها أقوى في دلالتها على مذهب ابن تيمية مما ينقله الخليفي عنه، وذلك أن ابن تيمية في تلك الأقوال يقارب بين المذاهب ومنطلقاتها، ويستعمل أحكامًا صريحة جدًا في بيان قرب الأشعرية، وأنها أقل انحرافًا، وأقرب إلى السنة، بل يطبق ذلك تطبيقًا عمليًا ظاهرًا.
فاجتمع في تلك النصوص الدلالة القولية المنهجية والتطبيق العملي الدال على نقيض ما ينسبه إليه الخليفي.
كان يمكن للخليفي أن يحكي موقف ابن تيمية كما هو بتمامه، ثم بعد ذلك يعلن مخالفته له، ولكنه لم يفعل، وإنما أخذ ينتقي من كلام ابن تيمية ما يظنه دالًا على ما يريد.
وهنا يقال للخليفي: خالف ابن تيمية ورد عليه حكمه على الأشعرية، ولكن لا تحرف مذهبه، ولا تنتق من كلامه ما تظن أنه يخدم الفكرة التي تريدها، فهذه جريمة في حق العلم، ونوع من الكذب، ونقص في الأمانة.
فإن قيل: إن ابن تيمية إنما مدح الأشاعرة المتقدمين، ولم يكن يقصد الأشاعرة المتأخرين الذين أنكروا العلو وتأثروا بالجهمية.
قيل: لا شك أن ابن تيمية في قدر من ثنائه على الأشاعرة كان يقصد المتقدمين منهم، ولكن هذا ليس نافعًا للخليفي لأمرين:
الأمر الأول: أن المتقدمين من الأشعرية قالوا بأن القرآن ليس كلام الله حقيقة، وإنما هو عبارة أو حكاية عن كلام الله، وعندهم انحراف في الصفات الاختيارية، والخليفي يرى أن هذا تجهم، فهم إذن متأثرون بالجهمية عنده.
ولهذا يقول الخليفي: "صرح السجزي وابن بطة أن ابن كلاب شر من المعتزلة، وهذا ينطبق على الماتريدي"، ثم نقل عن السجزي أقوالًا، منها قوله: "ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم، وهم: أبو محمد بن كلاب، وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري"29.
فالخليفي يرى أن ابن كلاب والأشعري ضررهم أشد من المعتزلة.
الأمر الثاني: أن كثيرًا من النصوص التي نقلتها هنا يقصد ابن تيمية فيها المتأخرين بلا شك، فهو في بعضها يتحدث عن أشاعرة زمانه، وفي بعضها يتحدث عن الأشاعرة الذين تأثروا بالمعتزلة، وفي بعضها يبين الطبقات الأساسية للجهمية، ويذكر فيهم الأشعرية، والمتأخرون منهم يدخلون فيهم بلا شك.
الأمر السادس: الخليفي لا يفهم كلام العلماء ولا يعرف مقصودهم منه، فالعلماء يطلقون على قول ما بأنه شر من قول كذا، ولا يقصدون أنه أشد انحرافًا منه، أو أشد كفرًا منه بالضرورة، وإنما يقصدون أنه أشد خفاء منه، فربما يؤثر على الناس من حيث لا يشعرون، أو أشد تأثيرًا في لبس الحق بالباطل.
فالأشرية والأخبثية متعلقة بطبيعة القول وما فيه من الخفاء والالتباس والتستر بقدر من الحق، وليست متعلقة بطبيعة الانحراف وشدة المخالفة للشريعة.
وهذا المعنى له أمثلة متعددة في كلام العلماء، من ذلك:
المثال الأول: قولهم بأن قول الواقفة شر من قول الجهمية، فهم لا يقصدون أن قول الواقفة أشد انحرافًا من قول الجهمية، أو أنه أشد مناقضة لدين الله منه، وإنما يقصدون أنه أكثر خفاء والتباسًا على الناس، فيكون تأثيره أكثر عليهم، وهذا المعنى جاء بيانه في كلام الإمام أحمد.
يقول أبو الحارث: "سألت أبا عبد الله، قلت: إن بعض الناس يقول: إن هؤلاء الواقفة هم شر من الجهمية؟ قال: هم أشد على الناس تزيينًا من الجهمية، هم يشككون الناس، وذلك أن الجهمية قد بان أمرهم، وهؤلاء إذا قالوا: إنا لا نتكلم، استمالوا العامة، إنما هذا يصير إلى قول الجهمية"30.
ويقول الحسن بن ثواب المخرمي: قلت لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل: الواقفة؟ قال: "هم شر من الجهمية، استتروا بالوقف"31.
ويقول إسحاق بن راهويه عن الذي يقف في القرآن: "هو عندي شر من الذي يقول إنه مخلوق، لأنه يقتدي به غيره"32.
فالإمام أحمد وابن راهويه حكما على قول الواقفة بأنه شر من الجهمية، ثم فسرا مرادهما، وهو أنه أشد في تزيين الباطل من الجهمية، وحالهم أكثر التباسًا من الجهمية، فتأثر الناس بهم أكثر.
المثال الثاني: قول الإمام أحمد عن اللفظية بأنه شر من الجهمية، ذكر يعقوب بن بختان أنه سأل أبا عبد الله عمن قال: "أقول كلامي ولفظي، وكلام الله غير مخلوق؟ فقال: هذا قول سوء، هؤلاء شر من الجهمية"33، ويقول أحمد بن زنجويه: "سمعت أحمد يقول: اللفظية شر من الجهمية"34.
فالإمام أحمد حين عرض عليه قول اللفظية الذي بمعنى: أن لفظ الإنسان مخلوق، وكلام الله غير مخلوق، وهذا القول أقل خطأ من قول الجهمية الذين صرحوا بأن كلام الله مخلوق، حكم عليه بأنه شر من قول الجهمية، وهو لا يقصد أنه أشد انحرافًا، وأبعد عن الشريعة، وإنما يقصد أنه أكثر تدليسًا وتلبيسًا على الناس.
المثال الثالث: قول الإمام أحمد عن قول شبابة في الإيمان: أخبث قول قيل في الإيمان، يقول الأثرم: سمعت أبا عبد الله وقيل له: شبابة أي شيء يقول فيه؟ فقال: "شبابة كان يدعو إلى الإرجاء، قال: وقد حكي عن شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل، ما سمعت عن أحد مثله، قال: قال شبابة: إذا قال فقد عمل، قال: الإيمان قول وعمل كما يقولون، فإذا قال فقد عمل بجارحته، أي بلسانه، فقد عمل بلسانه حين تكلم"35.
فالإمام أحمد لا يقصد أن قول شبابة أشد مخالفة للشريعة، وأكثر انحرافًا عنها، وإنما يقصد أن قوله فيه التباس شديد، فظاهره موافقة أهل السنة في الإيمان، وباطنه موافقة المرجئة، وإدراك حقيقته فيه خفاء على كثير من الناس، ولأجل هذا حكم عليه الإمام أحمد بأنه أخبث قول قيل في الإيمان.
فالعلماء قد يطلقون على قول من أقوال الأشعرية بأنه شر من قول الجهمية أو المعتزلة، ويقصدون أنه أكثر خفاء والتباسًا بالحق، وتدليسًا على الناس.
الأمر السابع: أن الخليفي لا يدرك المفاضلة النسبية بين الأقوال، ومعناها: أن بعض الأقوال قد يكون أشد خطأ من بعض الأقوال في جهة معينة، ويكون القول الآخر أشد خطأ منه من جهة أخرى، وهذا التفاضل لا يوجب أن يكون أحد القولين أشد من الآخر مطلقًا، وإنما لا بد فيه من التفصيل والتفريق، ليحقق طالب العلم العدل والوضوح في الأحكام.
وهذا المسلك له أمثلة متعددة في كلام العلماء، ومن أمثلته: مقارنة ابن تيمية بين قول الأشعرية والمعتزلة في القرآن، وإثباته أن قول الأشعرية أشد من جهة، وقول المعتزلة أشد من جهة.
وفي بيان هذا المنهج يقول ابن تيمية: "صار هؤلاء مخالفين لأئمة السنة والحديث في شيئين: أحدهما: أن نصف القرآن من كلام الله، والنصف الآخر ليس كلام الله عندهم؛ بل خلقه الله في الهواء، أو في اللوح المحفوظ، أو أحدثه جبريل، أو محمد صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء في كونهم جعلوا نصف القرآن مخلوقًا موافقون لمن قال بخلقه؛ لكن هؤلاء يقولون: إن هذا النصف المخلوق كلام الله، وأولئك يقولون: هو مخلوق منفصل عن الله، وهو كلامه؛ لكن أولئك لا يجعلون لله كلامًا متصلًا به قائمًا بنفسه، ولا معاني ولا حروفًا، وهؤلاء يقولون: لله كلام قائم به متصل به هو معنى، فصار أولئك أشد بدعة في نفيهم حقيقة الكلام عن الله، وفي جعلهم كلام الله مخلوقًا، وهؤلاء أشد بدعة في إخراجهم ما هو من كلام الله عن أن يكون من كلام الله"36.
انظر إلى التحليل العميق العالي الذي لا يحسنه الخليفي ولا يعرفه، وتأمل كيف حلل ابن تيمية الأقوال، ونظر في كل قول بما يناسبه من النظر، فخلص إلى التفصيل في المقارنة بين الأقوال، فلم يطلق على قول ما بأنه أشد انحرافًا وبدعة، وإنما فصل وفرق.
وبعد هذا التصريح الواضح البين في المقارنة بين مذهب الأشاعرة والمعتزلة في القرآن، والتصريح بالتفصيل فيهما، تأمل قول الخليفي حين قال - وتعجب منه -: "قد أطلق ابن أبي العز وابن القيم وابن تيمية أن مذهب الأشاعرة في القرآن أخبث من مذهب المعتزلة"37.
كيف يصح أن ننسب إلى ابن تيمية أنه أطلق القول بأن مذهب الأشاعرة في القرآن أخبث من مذهب المعتزلة، وهو يفصل فيهما ويفرق بين جهات النظر؟!!
مناقشة الشواهد التي اعتمد عليها الخليفي
أورد الخليفي في إثبات دعواه بأن الأشعرية أشد انحرافًا من الجهمية، وأنهم أولى بالتكفير منهم، عددًا من أقوال العلماء، وخاصة ابن تيمية منهم، وسنناقش في هذا الموضع أظهر تلك الأقوال وأكثرها قربًا في ظاهرها مما يدعيه.
وقد نشر الخليفي مقالًا في قناته لأحد معارفه جمع فيه أقوالًا كثيرة لابن تيمية وغيره يدعي فيها أنها تدل على أن مقالة الأشعرية في العلو أخبث من مقالة الجهمية الأولى بإطلاق.
وحين يطالع القارئ مقاله يجد أن تلك الأقوال التي جمعها من كلام ابن تيمية لا تدل على فكرة المقال، وهي أن مقالة الأشعرية في العلو أخبث من مقالة الجهمية هكذا بالإطلاق، وإنما مجمل النقول التي نقلها تدل على أن العقلاء يعلمون بطلان قول الأشاعرة بالضرورة، أو أن قولهم معلوم بطلانه ببداهة العقول، أو أن الأشاعرة لا يمكنهم أن يردوا على الحلولية من الجهمية، أو أن قولهم في غاية الشناعة والبعد عن الشريعة وأقوال أئمة السلف، أو أنهم وافقوا جماعة من المنحرفين من الجهمية وغيرهم.
وكل هذه المعاني ليست هي محل البحث، وكثير من طلبة العلم السلفيين لا ينازعون الخليفي في تقريرها، وإنما محل البحث منحصر في قضية محددة، هي: أن مقالة الأشاعرة في نفي العلو شر من مقالة الجهمية وأكثر كفرًا وضلالًا، وهذا ما لم يستطع إثباته من كلام ابن تيمية ألبتة، بل هي مخالفة لتقريراته بوضوح.
ومع ذلك، فثمة أقوال لابن تيمية مما أوردوه في ظاهرها ما يمكن أن يدل على دعواهم، وسأوردها مع غيرها في هذا الموضع.
الشاهد الأول: أن ابن تيمية حكم على قول الجهمية بأنه خير من قول الأشعرية في العلو، حيث يقول: "قول هؤلاء وإن كان باطلًا، كما قد بين في غير هذا الموضع، فالمقصود أن النفاة الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا بخارجه، لا يمكنهم إبطال قول هؤلاء، بل قد يقول القائل: إن قول هؤلاء الحلولية خير من قول أولئك المعطلة، الذين يقولون: لا داخل العالم ولا خارجه"38.
قال صاحب المقال الذي أيده الخليفي معلقًا: "فانظر يرحمك الله كيف فضل الشيخ حلوليي الجهمية على معطلتهم، وهم الأشعرية المتأخرون، بلا خلاف بينهم"39.
وهذا الاستنباط غير صحيح؛ لأمور:
الأول: أنه ليس في كلام ابن تيمية ما يدل على أنه يقصد بالنفاة الأشاعرة فقط، وظاهر كلامه في مواضع متعددة يدل على أنه يقصد طائفة من الجهمية يقولون بهذا القول، ومنهم الأشاعرة بلا شك، ولكن جعل قوله هذا مقصودًا به الأشعرية بخصوصهم تقول على ابن تيمية.
الثاني: أن قول ابن تيمية بأن قول الحلولية خير من قول النفاة لا يعني أنه أقل كفرًا منه بإطلاق، وإنما يعني أنه أقل كفرًا من جهة ما يستلزمه قول النفاة، وهذا ليس محل المبحث، فلا شك أن قول النفاة من الجهمية - الذي يتبناه الأشعرية - يستلزم نوعًا من الكفر أعظم من قول الحلولية، كما سبق بيانه.
ولكن لازم القول ليس بقول، ولا يصح أن يجعل قولًا للأشعرية، وهم يصرحون بالبراءة منه ليلًا ونهارًا، بل ابن تيمية نفسه يصرح بنفي هذا اللازم عنهم، ولا ينسبه إليهم، فهو لا يعد الأشاعرة من الملاحدة قطعًا، بلا شك ولا تردد.
الثالث: إذا أصر الخليفي على نسبة لازم قول النفاة إلى الأشاعرة، وأن حقيقة قولهم تعني أن الله غير موجود، فيلزمه أن يصرح بأنهم ملاحدة ينكرون وجود الله تعالى، ولا يقبل منه ألبتة غير هذا الحكم، ويلزمه أن ينقل من كلام ابن تيمية وحاله ما يدل على هذه النتيجة القبيحة الباطلة بالضرورة، بل هي مناقضة لما هو معلوم بالضرورة من العلوم الشرعية عند المشتغلين بها.
فإن كانت هذه الدعوى منافية لما هو معلوم من كلام ابن تيمية وحاله بالضرورة، فلماذا يدعي الخليفي أن قوله يدل على تلك الدعوى؟!!
الشاهد الثاني: أن ابن تيمية قال عن المعتزلة: "هم ينسبون مثبتة الصفات إلى مشابهة النصارى، وهم أشبه بالنصارى، لأنه يلزمهم أن يقولوا: إنه في كل مكان، وهذا أعظم من قول النصارى، أو أن يقولوا ما هو شر من هذا، وهو أنه لا داخل العالم ولا خارجه"40.
قال صاحب المقال الذي أيده الخليفي: "تأمل تصريحه رحمه الله بأن القول بأن الله في كل مكان شر من قول النصارى بأن الله حل في عيسى عليه السلام، وأن القول بأنه لا داخل العالم ولا خارجه شر من الاثنين"41.
وهذا التعليق غير مفيد للخليفي ومن تبعه في إثبات تلك الدعوى، لأن ابن تيمية إنما يتحدث عن لازم القول كما صرح في كلامه، وهذا ليس محل البحث، فكون أحد المسلمين يتبنى قولًا يلزم عنه من بعض الوجوه لازم شنيع يكون أشد مخالفة للحق من قول النصارى لا يعني أن القول يكون أشد انحرافًا من قول النصارى من كل الوجوه، ولا يعني ذلك أن المسلم يكون أشد انحرافًا من النصارى من كل الوجوه.
فالبحث في اللوازم مفيد جدًا في نقض الأقوال، وبيان بطلانها، والكشف عن وجوه الخلل فيها، وأما المقارنة بين الأقوال، وبيان قربها وبعدها من الحق والوحي، فلا بد من اعتبار أمور أخرى كما سبق بيانه.
ولا يعني لزوم لازم شنيع من قول مسلم من بعض الأوجه أن يكون المسلم شرًا من الكفار، فلا يمكن أن يكون منكر القرآن والرسول والوحي والسنة والأحكام والمكذب بالشرائع خيرًا من المنتسب إلى الإسلام المؤمن بهذا كله، ولو كان يتبنى أقوالًا تلزم عنها لوازم شنيعة.
الشاهد الثالث: أن ابن أبي العز صرح بأن قول الأشعرية في القرآن أكفر من قول المعتزلة42، حيث يقول: "فإن قالوا: إنما أشار إلى حكاية ما في نفسه وعبارته، وهو المتلو المكتوب المسموع، فأما أن يشير إلى ذاته فلا، فهذا صريح القول بأن القرآن مخلوق، بل هم في ذلك أكفر من المعتزلة، فإن حكاية الشيء بمثله وشبهه. وهذا تصريح بأن صفات الله محكية"43.
يقول الخليفي: "قد أطلق ابن أبي العز وابن القيم وابن تيمية أن مذهب الأشاعرة في القرآن أخبث من مذهب المعتزلة"44.
وهذا التعليق من الخليفي غير صحيح، أما ابن تيمية فقد نص على أن قول الأشاعرة أشد من قول المعتزلة في القرآن من وجه، وقول المعتزلة أشد منهم من وجه، كما سبق نقل كلامه، فكيف يصح أن يقال: أطلق ابن تيمية أن مذهب الأشاعرة في القرآن أخبث من مذهب المعتزلة؟!! ما هذه الجرأة العجيبة في نسبة الأقوال إلى الأئمة؟!!
بل صرح ابن تيمية أن قول الأشاعرة خير من قول المعتزلة في القرآن من بعض الوجوه، حيث يقول: "مقصود المعتزلة بذلك إثبات أن القرآن مخلوق، والأشعرية خير منهم في نفي الخلق عن القرآن، ولكن عيبهم في تقصيرهم في إكمال السنة"45.
وأما ابن أبي العز فإن كلامه ليس فيه نسبة القول إلى الأشعرية، وإنما يذكره احتمالًا في مقام المناقشة لقولهم، فقال: "فإن قالوا"، فهو يذكر جوابًا محتملًا لهم، وبين حكم ذلك الجواب فيما إذا قالوه.
ثم على التسليم بأنه ينسب ذلك القول إلى الأشعرية، فليس فيه أن قولهم أكفر من قول المعتزلة بإطلاق، وإنما قال: "في ذلك"، يعني من تلك الجهة، وما يترتب عليها من لوازم، فيكون قوله موافقًا لقول ابن تيمية في التفصيل والتفريق بين جهات النظر كما سبق بيانه.
والغريب حقًا أن الخليفي ينقل نصًا عن الشيخ محمد العثيمين فيه ذكر لهذا القيد (خير من هذا الوجه)، ولكن الخليفي لا يعتبره، وكأنه لا وجود له! يقول الشيخ محمد: "فصار المعتزلة والجهمية خيرًا منهم من هذا الوجه؛ لأن الجهمية والمعتزلة يقولون هذا كلام الله، وهم يقولون: هذا ليس كلام الله، بل هو عبارة عن كلام الله"46.
فلماذا لم يعتبر الخليفي هذا القيد، ويعبر بكلام فيه تحقيق وتدقيق، ويبين للناس أن العلماء حين يقارنون بين قول المعتزلة والأشاعرة في القرآن يفرقون ويفصلون، وليس كما يصور هو؟!!
الشاهد الرابع: أن ابن تيمية صرح بأن قول الأشاعرة في الإيمان أشنع من قول المعتزلة47، حيث يقول: "وأنتم وافقتم الجهمية في الإرجاء والجبر فقلتم: الإيمان مجرد تصديق القلب، وإن لم يتكلم بلسانه، وهذا عند السلف والأئمة شر من قول المعتزلة"48.
الشاهد الخامس: أن الأشاعرة شر من المعتزلة في باب القدر، يقول الخليفي: "ما ينبغي إطلاق أن الأشاعرة خير من المعتزلة إلا في باب الصفات، وإلا فهم في باب الإيمان والقدر شر من المعتزلة، فقد صرح شيخ الإسلام أن قول الجبرية شر من قول القدرية، لأن فيه تجرئة للعصاة"49.
وما بناه الخليفي في هذين الشاهدين غير صحيح، لأمور:
الأمر الأول: أن هذه الأقوال من ابن تيمية ليس فيها دليل على دعوى الخليفي بأن الأشاعرة شر من المعتزلة؛ لأن غاية ما فيها مقارنة بين مقالتين عقديتين مشهورتين، هما القول بالجبر والقول بالقدر، والقول بالإرجاء والقول بقول الخوارج، فهذه المقالات قارن العلماء بينها، وبينهم خلاف معروف في أيها أشد، وكثير من العلماء يفصل في المقارنة، فيقول: القول بالجبر أشد من جهة والقول بالقدر أشد من جهة، وكذلك الحال في الإرجاء، فهو أشد من جهة ما يؤدي إليه من التفريط في الالتزام بالشريعة، وقول الخوارج أشد من جهة استحلال الدماء، وتكفير المسلمين، وتخريب الديار، وتقنيط الناس من رحمة الله.
فلا يصح منهجيًا أن يأتي متأخر ويأخذ بعض أقوال ابن تيمية، ويجعلها معيارًا في التفضيل بين المذاهب، ويعرض عن أقواله الأخرى في المقارنة بين تلك الأقوال.
الأمر الثاني: على التسليم بأن ما ذكره الخليفي عن ابن تيمية يدل على أن قول المعتزلة خير من قول الأشعرية في القدر والإيمان، فلماذا يعرض عن أقوال ابن تيمية الأخرى التي فيها ما يدل على نقيض قوله؟ ولماذا يعرض عن أقوال ابن تيمية الصريحة التي فيها تفضيل الأشعرية على المعتزلة والجهمية؟
فهذا خلل كبير في الفهم والاستدلال والبناء، يدل على انتقائية مقيتة، منافية للعلم والنزاهة.
فابن تيمية الذي قال: القول بالإرجاء شر من قول المعتزلة، هو نفسه الذي يقول: إن الأشعرية خير من المعتزلة، وأقرب للحق والسنة، فلماذا لا تجمع كل أقواله؟! ولماذا تنتقى بعض أقواله دون بعض؟!
الأمر الثالث: أن قول ابن تيمية ليس فيه أن قول الأشاعرة أشد انحرافًا وضلالًا من قول المعتزلة في الإيمان والقدر، وإنما غاية ما فيه أنه شر منه، والأشرية لا تعني شدة الانحراف والضلال بالضرورة كما سبق بيانه؛ وإنما تعني في كثير من المواضع الأشرية من جهة الأثر الواقعي، أو من جهة الالتباس وعدم الوضوح، أو من جهة الغفلة عن الانحراف فيه، وكل هذه المعاني ليست هي محل البحث، كما سبق بيانه.
الأمر الرابع: أن الخليفي نسب إلى ابن تيمية أن قول الأشعرية بخصوصهم في القدر شر من قول المعتزلة في القدر، ولم يذكر كلام ابن تيمية الدال على ذلك، فلا أدري كيف نسبه إلى ابن تيمية، فالظاهر من كلام ابن تيمية أنه يفضل القول بالقدر على القول بالجبر الذي يتضمن تعطيل الشرع والأمر والنهي، أو الذين يحتجون بالقدر على الشرع، وهذا لا ينطبق على معنى الجبر الذي يتبناه الأشاعرة.
ثم إن ابن تيمية له أقوال يفضل فيها قول الأشاعرة في القدر على قول المعتزلة، حيث يقول عن الأشعرية: "هم وإن كانوا يتناقضون وفي قولهم ما هو باطل عقلًا ونقلًا، فأقوالهم في القدر والصفات والرؤية خير من أقوال المعتزلة وموافقيهم من الشيعة"50.
فهذا نص صريح من كلام ابن تيمية يذكر فيه أن قول الأشاعرة في القدر خير من قول المعتزلة، فكيف ينسب إلى ابن تيمية أنه يقول: قول المعتزلة في القدر خير من قول الأشاعرة؟!!
وبهذه المناقشة المفصلة لدعوى الخليفي يظهر للقارئ المنصف حجم الخلل الكبير في دعواه، وأنه في الحقيقة لم يبنها على أصول علمية صحيحة، وإنما بناها على أغلاط علمية عديدة، وثبوت تلك الأغلاط مؤذن بسقوط تلك الدعوى من أصلها.
ولا بد من التذكير بأن محل البحث ليس في الدفاع عن المذهب الأشعري، وليس في شناعة قول الأشاعرة في نفي علو الله، ولا في كونهم وافقوا جملة من الجهمية في قولهم، ولا في كون قولهم يلزم عنه لوازم كفرية شنيعة، ولا في كونهم بقولهم هذا لا يستطيعون الرد على الحلولية من الجهمية، ولا في كون مذهب الأشاعرة أشد انحرافًا من بعض الجهات من قول الجهمية أو المعتزلة.
كل هذه المعاني ليست هي محل البحث، بل قرر في البحث ما يؤيدها، وإنما محل البحث منحصر في نقطة واحدة فقط، هي: أن مذهب الأشاعرة في نفي العلو وفي الكلام وفي الإيمان وفي القدر شر من قول الجهمية والمعتزلة بإطلاق.
وكل نقاش لهذا البحث لا يكون حول هذه القضية فهو خارج عن محله وموضوعه.
د. سلطان العميري
الهوامش
- 1مقالة: المتخبطون بين تسنين الجهمية وتكفير الخوارج.
- 2مقال: تعقيب على أحمد الحازمي في نقله الخلاف في تكفير المعتزلة.
- 3مقالة: المتخبطون بين تسنين الجهمية وتكفير الخوارج.
- 4مقالة: المتخبطون بين تسنين الجهمية وتكفير الخوارج.
- 5مقالة: باب في أن مقالة الأشعرية في العلو أخبث من مقالة الجهمية الأولى، للأخ أبي سعيد الرادسي.
- 6مقال: من نفائس ابن تيمية: كفر الأشعرية منكري العلو أعظم من كفر عباد الأوثان.
- 7بيان تلبيس الجهمية (4/181).
- 8انظر: مقالة: باب في أن مقالة الأشعرية في العلو أخبث من مقالة الجهمية الأولى، للأخ أبي سعيد الرادسي.
- 9انظر: مقالة تقويم المعاصرين (الحلقة السادسة).
- 10مقال: لماذا كفر السلف الجهمية؟
- 11شرح العقيدة الطحاوية (1/151).
- 12انظر: الوجوه في إثبات الإجماع على أن بدعة الأشعرية مكفرة (35)، ومقالة تقويم المعاصرين (الحلقة السادسة).
- 13الفتاوى الكبرى (1/136).
- 14مقال: الرد على حاتم العوني في مسألة الخلاف بين أهل الحديث والأشاعرة.
- 15مجموع الفتاوى (1/141).
- 16الخليفي له رأي بعدم التفريق بين الحكم المطلق والحكم على الأعيان في المسائل الظاهرة، وسيأتي نقض هذه الدعوى وبيان ما فيها من خلل.
- 17بيان تلبيس الجهمية (8/33).
- 18مجموع الفتاوى (7/381).
- 19مجموع الفتاوى (13/151).
- 20درء تعارض العقل والنقل (1/116).
- 21انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية، ابن القيم (432).
- 22مجموع الفتاوى (1/358).
- 23مجموع الفتاوى (17/448).
- 24مجموع الفتاوى (21/31).
- 25مجموع الفتاوى (3/227).
- 26منهاج السنة النبوية (1/444).
- 27النبوات (578).
- 28انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (2/721).
- 29مقال: المرء مع من أحب يا أحمد المعلم!
- 30السنة، الخلال (5/135).
- 31السنة، الخلال (2/214).
- 32السنة، الخلال (5/131).
- 33السنة، الخلال (3/83).
- 34مناقب الإمام أحمد، ابن الجوزي (251).
- 35السنة، الخلال (3/571).
- 36مجموع الفتاوى (12/377).
- 37مقال: لماذا كفر السلف الجهمية؟
- 38درء تعارض العقل والنقل (1/315).
- 39مقالة: باب في أن مقالة الأشعرية في العلو أخبث من مقالة الجهمية الأولى، للأخ أبي سعيد الرادسي.
- 40درء تعارض العقل والنقل (1/155).
- 41مقالة: باب في أن مقالة الأشعرية في العلو أخبث من مقالة الجهمية الأولى، للأخ أبي سعيد الرادسي.
- 42انظر: مقالة تقويم المعاصرين (الحلقة السادسة).
- 43شرح العقيدة الطحاوية (1/151).
- 44مقال: لماذا كفر السلف الجهمية؟
- 45منهاج السنة النبوية (2/466).
- 46النقل موجود في قناة الخليفي، وكلام الشيخ محمد منشور في الشبكة، وله روابط عديدة، وللشيخ محمد العثيمين كلام آخر شبيه بكلامه هذا في شرح العقيدة السفارينية (416).
- 47انظر: الوجوه في إثبات الإجماع على أن بدعة الأشعرية مكفرة (35)، ومقالة تقويم المعاصرين (الحلقة السادسة).
- 48الفتاوى الكبرى (1/136).
- 49مقال: الرد على حاتم العوني في مسألة الخلاف بين أهل الحديث والأشاعرة.
- 50منهاج السنة النبوية (3/351).
