لقاءات | كشف العلاقة بين تكوين والحدادية والنواصب الجدد | محمد إلهامي
أهمُّ ما جاء في الفيديو
لقاء مع الباحث في التاريخ والحضارة الإسلامية محمد إلهامي، يبحث لماذا تلتقي ثلاثة تيارات متباعدة الشعارات عند نتيجة واحدة: أن الأمة ضلّت، ثم يختلف كلٌّ في تعيين اللحظة التي ضلّت فيها.
السؤال الذي انعقد عليه اللقاء
يفتتح مصطفى الشرقاوي بقوله تعالى ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾، ثم يسأل ضيفه: كيف يُجمع في حلقة واحدة بين مركز تكوين ومن فيه، وبين من يسمّيهم النواصب الجدد، وبين الحدادية، وشعاراتهم متضادة؟ فيبني إلهامي جوابه على قاعدة: أن الساسة لا يعنيهم جوهر الخلاف الفكري بل أثره في الواقع، وأن من طرائق النفوذ استخراج صراع داخل الأمة ثم تركه يتسارع من تلقاء نفسه. ويضرب أمثلة تاريخية: توظيف حديث الأئمة من قريش لنقل الخلافة من العثمانيين إلى العرب، واختراع منصب أُسند إلى رجل لصناعة تنازع داخلي في القدس، وإدارة الصراع في اليمن وسوريا عن بعد لأنه لا يكلّف من يديره شيئًا.
القاسم المشترك
ويحرر إلهامي القاسم: ثلاثتهم يقولون إن الأمة ضلّت، ويختلفون في اللحظة. فعند تكوين الضلال من أصل الدخول في الدين، والحل الانسلاخ منه. وعند الحدادية من حين عُظّم أبو حنيفة والنووي والسيوطي وسُكت عن مخالفيهم. وعند صابر مشهور من حين اعتُبر عليّ خليفة، أي منذ الفتنة. ويبين وظيفة هذا الخطاب: أن يُنقل سبب الهزيمة من أسباب قائمة الآن إلى عيب متوارث في التاريخ، فتصير المعركة آمنة لا تكلّف صاحبها شيئًا.
مقاطع تكوين
وتُعرض مقاطع لإسلام بحيري: أن ما بعد أحداث غزة سيشهد موجة يسمّيها إرهابًا وأن مركزهم بمنزلة المصل لمواجهتها؛ وتشكيكه في أن المسجد الأقصى المذكور في القرآن هو الذي في فلسطين، وجعله القضية قومية عربية منذ ما قبل الإسلام؛ وقوله إن الفصائل القومية واليسارية سقطت وأن حماس كسبت لأنها ألبست القضية لباسًا دينيًّا مع إصراره على نفي الصلة بين القضية والدين. ويربط إلهامي ذلك بكتاب الإسلام المدني الديمقراطي وبتقرير مؤسسة راند سنة 2003 في بناء شبكات إسلامية معتدلة، وبما يُنشر في الصحافة الغربية من نصائح لإنهاء الحرب سريعًا حفاظًا على مسار التطبيع.
مقاطع صابر مشهور
ثم ينتقل إلى دعاواه واحدة واحدة. منها أن هارون الرشيد أمر الواقدي بتزوير التاريخ الإسلامي، ويقرر إلهامي أنه تابع الحلقة كاملة فلم يجد فيها دليلًا واحدًا، وأن الثابت أن الرشيد استدلّه على مواضع المشاهد والمقابر في الحجاز. ومنها وصف الواقدي بأنه أشبه بوزير إعلام للدولة العباسية، وليس في المصدر ما يدل عليه، وهو استنتاج كمن يستدل بغزارة إنتاج كاتب معاصر على أنه وزير إعلام. ومنها التشكيك في نقل الطبري عن مؤرخ شيعي، والجواب أن الطبري نصّ في مقدمته على أنه ينقل الروايات كما بلغته من غير تبنٍّ، وأن الرجل نفسه يثق بسيف بن عمر وهو عند أهل الجرح والتعديل في منزلة الواقدي، فالانتقاء ظاهر. ومنها أنه عرض غلاف كتاب على أنه تاريخ بغداد للخطيب البغدادي والغلاف في الحقيقة لذيل تاريخ بغداد لابن النجار، وهو ما يستدل به إلهامي على أنه لا يُعِدّ مادته بنفسه. ومنها دعوى أن الدولة العباسية امتداد لتنظيم ابن سبأ وأن قضاتها ومحدثيها وفقهاءها منه، والجواب أن العباسيين رأوا العباس أولى بالخلافة من علي لا العكس ولذلك وقع بينهم وبين العلويين ما وقع، وأنهم لم يرفضوا خلافة الثلاثة قبله. ومنها دعواه أن السيادة السنية عشرة قرون أنقذت القرآن والفقه وبقي الحديث والتاريخ مزوَّرَين؛ فيلزمه إلهامي بأمرين: كيف عجزت عشرة قرون عن إصلاح ما أفسده قرن واحد، وكيف يُنقذ الحلال والحرام والحديث هو مصدره. ومنها ما يخصّ الصحيحين، وفيه دعوى أن البخاري كان يميل إلى الدولة الأموية وأن مسلمًا كان يميل إلى العباسية، وهي دعوى تسقط زمنيًّا إذ لم يدرك واحد منهما الدولة الأموية.
مقاطع الحدادية
وتُعرض لمحمد شمس الدين دعوى أن كتب أهل السنة دُثِّرت وأُحرقت في فترة سيادة الأشاعرة وأن الأزهر أول من استخدم الطباعة فطبع كتب أئمته، فيصحح إلهامي دعوى الأسبقية بالإحالة إلى كتاب إعادة اكتشاف التراث الإسلامي. ويبين أن لازم هذا الكلام اتهام أجيال من العلماء إما بالنفاق وإما بالغفلة. ثم يُعرض احتجاجه بحديث يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، فيُقال: فأين العدول في القرون التي تزعم ضلالها؟ ويُعرض احتجاجه بموسوعة الإجماع وبآية ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ على أن الأمة لا تجتمع على باطل، فيقال: وقد أجمعت على الثناء على النووي ثمانية قرون بلا نكير، فمن الزائغ عن سبيل المؤمنين؟ ويُعرض مقطع سُئل فيه عن قول علماء الأمة في النووي فحوّل الجواب إلى غيره. ويُنبَّه على أن بعض تلاميذ هذا الاتجاه بلغ بهم الأمر إلى الطعن في البخاري وفي ابن تيمية، وأن من غلاة الطرف المقابل من يمتدح هذا الخطاب لأنه يخدمه.
لماذا الذهبي بالذات
ويسأل المقدّم عن سرّ اجتماع الأطراف الثلاثة على الطعن في الإمام الذهبي، فيجيب إلهامي بأن تخصصه التاريخ وأنه لم يظهر مؤرخ مثله بعده، وينقل قول ابن كثير وبه خُتم الحفاظ، وقول ابن حجر في استقرائه التام للرجال، وبيت تلميذ السبكي في وصفه بإمام الوجود حفظًا وذهب العصر معنى ولفظًا. ويرجع تميزه إلى جمعه بين التاريخ والحديث والفقه والقراءات مع اتزان نادر جعله يحكم بين المتنازعين بالإنصاف. ويضرب مثالين: حكمه بصدق الطرفين في مسألة رواية عن امرأة قال زوجها إنه لم يرها، لأنها كانت تحدّث من وراء حجاب؛ وتعليقه على تنازع أشعري وحنبلي بأن كل فرقة تستغرب موقف الأخرى وأنه يرجو المغفرة لكل مجتهد طلب الحق في هذه الأمة المرحومة. ثم تُفتح ترجمة أبي جعفر الباقر من سير أعلام النبلاء على الشاشة، وفيها يصفه الذهبي بالسيد الإمام ثم يقرر أنه لا عصمة إلا للأنبياء وأن كل أحد يؤخذ من قوله ويُترك، وينزله منزلته بين أقرانه في القراءة والفقه والحديث بلا محاباة ولا إجحاف، وينقل عن راوٍ فيه تشيّع سؤاله الباقر عن أبي بكر وعمر فأجاب بمحبتهما ووصفهما بإمامَي هدى. ويستنتج إلهامي أمرين: إنصاف الذهبي، وأن رواة التشيع الأوائل أنفسهم نقلوا هذا، فبطل أن يكون توثيقه لراوٍ فيه تشيّع ترويجًا للتشيع.
الخلاصة
يخلص اللقاء إلى أن الطعن في عالم بعينه ليس طعنًا في شخصه بل في الجهة العلمية التي زكّته: فمن قال إن عالمًا مبرَّزًا لا يفهم فنّه لم يُسقطه وحده بل أسقط الوسط العلمي كله الذي شهد له. ويقرر إلهامي أن سيادة الأشعرية في بعض العصور لم تكن سلطة تفرض بالقوة، وأن الفتوحات استمرت بعد ابن تيمية، وأن نفوذ من امتحن الناس في زمنه لم يتجاوز إقليمه. ويعترف بأن الطبع البشري يعسر معه الإنصاف، وأن هذا هو وجه ندرة الذهبي؛ ويذكر أن ابن تيمية على حدّة لسانه كان يفرّق بين المقامات فيعدّ الأشاعرة من أهل السنة عند مقارنتهم بغيرهم، وأن الذهبي نفسه كان يأخذ عليه حدّته مع طول ثنائه عليه. ويُختم بتحديد موعد حلقة تالية مخصصة للرد على اتهام الذهبي بنشر التشيع، ثم بكفارة المجلس.
