الرد الأيسر على الخليفي (1): الأئمة والمراجع ومنهج التعامل مع المخالف
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يرد الشيخ أبو الفضل المصري تفصيلًا على تعقيب أبي جعفر الخليفي على الأجوبة العشرة، فيحرر معنى الرد العلمي، ويدافع عن اختياره لابن عبد البر والخطيب البغدادي نموذجين لمنهج التعامل مع المخالف، ثم يلزم الخليفي بالمناهج الكاملة للأئمة الذين اختارهم.
العلم لا ينفصل عن الأدب والحلم
افتتح المقطع بأن العلم بالتعلم والحلم بالتحلم، وأن أصحاب الحديث تعلموا من أحمد العلم والأدب معًا. لذلك رفض تحويل نقاش في السلف وأحكام الدين إلى «كوميديا سوداء»، وأكد أنه سيجيب بعلم وحلم من غير استهزاء وغمز.
من هو صاحب الرد العلمي؟
العالم من شهد له أهل العلم، لا من كثرت مقاطعه وكتاباته. والخليفي مجهول العين والحال عند أهل العلم، ومع ذلك خوطب بلقب الشيخ وتأدب الرد معه. أما وصف الجواب بأنه ضعيف ومنتفخ ومنقول من هنا وهناك فيحتاج برهانًا، ولا يكفي للحكم على عشرات النقول الموثقة من كتب الأئمة.
الأسئلة لمحمد شمس أم للخليفي؟
ذكر الخليفي أن الأسئلة قالها محمد شمس وهو أعاد قراءتها. والجواب أن النسبة لا تغير شيئًا: إن أعادها مقرًا لها صارت أسئلته كذلك، وعليه أن يجيب عن الأسئلة المعكوسة التي أُلزم بها في الحلقة السابقة.
لماذا «الانتقاء» و«تاريخ بغداد»؟
السؤال كان عن كتابين يظهر فيهما منهج التعامل مع المخالف العقدي، لا عن متنين في العقيدة. لذلك اختير كتابا إمامي المشرق والمغرب، لأنهما جمعا المدح والجرح في أبي حنيفة، وهو عند الخليفي مخالف عقدي؛ ومن اختلاف الروايات يتضح منهج الموازنة والتحقيق.
ابن عبد البر ينصف أبا حنيفة
قال إن أصحاب الحديث أفرطوا في ذمه وتجاوزوا الحد، وإن أكثر ما نُقم عليه التوسع في الرأي والقياس والإرجاء. ثم قرر أن كل إمام رد حديثًا بتأويل أو دعوى نسخ أو أصل معتبر، وأن أبا حنيفة أكثر من غيره في ذلك لكنه لم يرد السنة لهوى.
ونقل عن الليث أنه أحصى على مالك سبعين مسألة خالف فيها السنة باجتهاده، ثم قال إن من رد حديثًا ثابتًا بلا مستند سقطت عدالته، وقد عافى الله الأئمة من ذلك.
المدح أكثر من الجرح
صرح ابن عبد البر بأن الذين رووا عن أبي حنيفة ووثقوه وأثنوا عليه أكثر من الذين تكلموا فيه، وأنه تعرض للحسد ونُسب إليه ما ليس فيه. ودعا إلى قراءة فضائل الصحابة والتابعين ومالك والشافعي وأبي حنيفة والاقتداء بهم في العلم والسمت والهدي.
لا يقبل طعن بلا برهان في إمام ثبتت عدالته
وضع ابن عبد البر قاعدة: من صحت عدالته، وعُرف بالعلم، وسلم من الكبائر، وغلب خيره شره، لا يقبل فيه قول قائل بلا برهان. ولو قُبل كل كلام الأئمة بعضهم في بعض لضلت الأمة، لأن الجرح المتبادل وقع بين طبقات كثيرة من العلماء.
لماذا لا يسمى العلماء حدادية؟
العالم المؤهل قد يجتهد في جرح عالم آخر فيصيب أو يخطئ، ولا يبدع بسبب خطئه. أما غير العالم إذا نصب نفسه قاضيًا في الأعيان فقد اقتحم ما ليس له؛ فالقاضي الجاهل في النار ولو صادف حكمه الحق، بينما المجتهد العالم مأجور إذا أخطأ.
لذلك لا يوصف أبو حاتم بالحدادية لشدة جرحه، ولا الترمذي بالتمييع إن تساهل؛ كلاهما إمام، والعلماء يردون أحكام بعضهم إلى بعض.
رواية المبتدع لا ترد بإطلاق
اعترض الخليفي بأن بعض آثار الثناء في «الانتقاء» جاءت من طريق معتزلي داعية. والرد أن كتب المصطلح بحثت رواية المبتدع والداعية، وفي الصحيحين رواة نُسبوا إلى بدع، فلا تسقط الرواية بمجرد الوصف قبل تطبيق قواعد القبول. وفوق ذلك توجد عشرات الآثار من طرق أخرى في الثناء على أبي حنيفة.
ماذا قال الخطيب فعلًا؟
جمع الخطيب أخبارًا كثيرة في مدح أبي حنيفة ثم أخبار الذم، وقال إن المنقول في نقده أكثر بسبب مسائل في الأصول والفروع. لكنه قدمها معتذرًا، وصرح بأن أبا حنيفة «مع جلالة قدره أسوة غيره من العلماء»، فلا يدل ترتيب الأخبار على إخراجه من العلم والسنة.
أكثر من أربعين أثرًا في الثناء
ذكر المقطع أن محقق «تاريخ بغداد» حكم بالصحة أو الحسن أو الجودة لأكثر من أربعين أثرًا من آثار المدح. لذلك لا يصح القول إن الخطيب ردها جميعًا أو إن الثابت عنده الذم وحده، ولا بد من بيان درجة الجرح: أهو في الحفظ، أم الرأي، أم الإرجاء، أم أصل الإمامة؟
شرح الطحاوية لا يعني التسليم بكل لفظ
شرحها ابن أبي العز، واعتنى بها أحمد شاكر والألباني وابن باز والفوزان والبراك وغيرهم؛ لأن جمهور الأمة اجتمع عليها، وفيها حق كثير ومواضع تحتاج بيانًا. وقد يشرح العالم متنًا ليصحح ألفاظه، كما شرح ابن تيمية العقيدة الأصبهانية مع الرد على مواضع منها.
عدم شرح متن لا يعني رفضه
سأل الخليفي لماذا لم يعتن العلماء بعقيدة حرب أو الرازيين أو الحميدي كاعتنائهم بالطحاوية. والجواب أن قلة الشروح لا تجعل المتن غير معتمد، وأن لكل عالم مقاصد واختيارات في التعليم. ومن أراد معرفة سبب الشرح سأل العلماء الأحياء بدل بناء حكم من عدم وجود شرح.
الدشتي وابن الزاغوني
اختار الخليفي الدشتي مرجعًا، مع أنه جعل ابن الزاغوني إمامًا، بينما ذكر محقق كتابه عادل آل حمدان أخطاء ابن الزاغوني في الصفات في مواضع عديدة. كما استعمل الدشتي «القديم» و«الذات القديمة». فإن بقي إمامًا مع هذه الأخطاء، فلماذا تسقط إمامة النووي وأبي حنيفة بزلاتهما؟
أين تراث الدشتي في المنهج الكامل؟
المعروف له في المقطع كتاب «إثبات الحد»، فلا تظهر منه قواعد واسعة في الحكم على المخالف ولا منهج متكامل في العقيدة. وفي المقابل ترك ابن تيمية والذهبي وابن القيم تراثًا ممتدًا في هذه الأبواب، فلماذا تجاوزتهم قائمة المراجع؟
علماء الدعوة النجدية والعذر بالجهل
دعوى أنهم لا يعذرون في الشرك الأكبر محل خلاف بين الباحثين، وقد أثبت ابن عثيمين من كلام محمد بن عبد الوهاب عذره بالجهل، وقدم ابن باز كتابًا في سعة العذر. كما لم يكفّر علماء الدعوة البصيري والصرصري وابن حجر الهيتمي والسيوطي لمجرد ما وجد في كلامهم.
الالتزام الكامل بأئمة الدعوة
إذا كانوا أهل السنة في زمانهم، فهل يقبل الخليفي وصفهم النووي والسيوطي وأبي حنيفة بالإمامة، واعتمادهم «شرح النووي» و«فتح الباري» وكتب المذاهب الأربعة؟ لا يصح اتخاذهم حجة في مسألة ثم رد منهجهم في تعظيم الأئمة.
ابن المبرد يهدم الانتقائية
اختاره الخليفي مع أنه نقل كثيرًا عن النووي، وجعله ثاني أفضل رجال عصره، ووصف البيهقي الأشعري بأنه رجل فضيل، وابن حزم بالإمام العلامة. كما لبس خرقة التصوف وصحح إسنادها، ونقل ألقابًا صوفية، وحكى خلاف الحنابلة في الجهة والقعود والحد والنزول والرؤية.
فالنتيجة أن المراجع المختارة لا تؤيد إسقاط الأئمة، بل تلزم بالعدل معهم. والمنهج العلمي ليس التقاط النص الذي يوافق الحكم السابق، بل جمع كلام العالم كله، وتحقيق الروايات، وتمييز حكم القول من حكم القائل، والرجوع إلى أهل الاجتهاد.
فيديوهات أُخرى
