شيوخ الخليفي يردون عليه (2): حقيقة منزلة الإمام الدشتي وأخطاؤه

الشيخ أبو الفضل المصري 22 نوفمبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يفحص الشيخ أبو الفضل المصري اختيار أبي جعفر الخليفي للإمام محمود الدشتي مرجعًا في التعامل مع المخالف العقدي، فيترجم له من مقدمة محققي «إثبات الحد»، ثم يقارن قلة مادته العلمية بأئمة التحقيق، ويناقش عباراته في الرؤية والحد والجهة والمكان من تعليقات عادل آل حمدان ونصوص ابن تيمية.

إنزال العالم منزلته ليس طعنًا فيه

الدشتي عالم صالح زاهد، لكن العلماء مراتب، كما تتفاوت مراتب رواة الحديث والمفسرين. والمناقشة لا تنتقص دينه، بل تسأل: هل ترك من العلم والتلاميذ والمصنفات ما يكفي لبناء منهج كامل في الحكم على الفرق والأعيان، مع وجود تراث ابن تيمية الضخم ودراساته المستوعبة؟

من هو محمود الدشتي؟

يميز المقطع بين محمود بن أبي القاسم الدشتي وابن أخيه أحمد؛ فالأخير حنبلي محدث أشهر في كتب التراجم، أما محمود فنسبه محقق رسالته في السماع والرقص إلى الحنفية. ولم يُعرف لمحمود في العقيدة سوى جزء «إثبات الحد» الواقع في نحو تسع وعشرين ورقة، وله جزء في حديث أطيط العرش، ورسالة في إخفاء الذكر، ورسالة في النهي عن الرقص والسماع، ومخطوط فقهي.

تلاميذه المذكورون ثلاثة أو أربعة، ومصنفاته قليلة، ومخطوطة «إثبات الحد» يتيمة لم يُعرف ناسخها ولم تفصل سماعاتها. وهذا مختلف جذريًا عن إمام ملأ تلاميذه وتصانيفه أبواب العلم، كابن تيمية.

ثناء العلماء عليه وحدوده

وصفه الضمياطي بالزاهد، ويوسف بن تغري بردي بالشيخ الصالح الأثري المحدث الفاضل. وأوسع الثناء ما قاله الذهبي في «تاريخ الإسلام»: الشيخ الصالح الزاهد العالم، سمع كثيرًا ونسخ الأجزاء، وكان قانعًا متعففًا كثير الصوم آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر.

ثم ذكر الذهبي أنه كان داعيًا إلى السنة مجانبًا للبدعة، يبالغ في الرد على نفاة الصفات، وينال منهم سبًا وتبديعًا، وهم يرمونه بالتجسيم وهو بريء منه؛ لكنه «ناقص الفضيلة، قاصر عن إفحام الخصوم». فالمصدر الأعلى في الثناء عليه نفسه يصف محدودية قدرته في باب المناظرة الذي يراد اتخاذه مرجعًا فيه.

هل رأى النبي ﷺ ربه بعينه مرارًا؟

نص الدشتي على أن النبي ﷺ رأى ربه بعينه مرة بعد مرة. والخلاف المعروف بين أهل السنة في أصل الرؤية العينية ليلة المعراج، أما تكرارها فيحتاج نقلًا مستقلًا عن السلف. وقد تعقبه عادل آل حمدان بكلام ابن القيم، فصار السؤال للخليفي: هل يثبت الرؤية العينية المتكررة، ومن سبقه إليها؟

الحد ليس صفة مستقلة لله

الحد لفظ مجمل: يثبته بعض السلف بمعنى مباينة الله لخلقه وعلوه على عرشه وعدم الحلول، وينفيه آخرون بمعنى إحاطة العباد بكنه الله وصفاته. لذلك قال ابن عثيمين إن الإثبات والنفي المطلقين لا ينبغي أن يطلقا، وقال ابن أبي العز إن المعنى الأول حق بلا نزاع والثاني منتف بلا نزاع.

لكن الدشتي قال إن الحد «من صفات الله التي ثبتت بالكتاب والسنة». وعقد عادل آل حمدان في المقدمة مبحثًا بعنوان «الحد ليس صفة من صفات الله تعالى»، ونقل رد ابن تيمية على الخطابي: لو قال المثبتة إن لله صفة معينة اسمها الحد لتوجه الاعتراض، «وهذا لم يقله أحد ولا يقوله عاقل»، لأن الحد وصف لتميّز الشيء لا صفة مستقلة كاليد والعلم.

وشرح ابن تيمية أن ابن المبارك ذكر الحد ردًا على الجهمية الذين نفوا مباينة الخالق للخلق، فأثبت لازم كونه فوق العرش، ولم يخترع صفة جديدة.

أحكام غليظة في مسائل مجملة

ذكر الدشتي أن من لا يرى الحد لا دين له، وأن من قال ليس لله جهة أو مكان فقد ارتد. ومع أن مراده نفي العلو ظاهر من السياق، تبقى الجهة والمكان ألفاظًا مجملة لم ترد، وقد رد المحقق نفسه إطلاق الجهة وفسرها بإثبات الفوقية.

كما عدّ الدشتي ابن الزاغوني وأبا يعلى من أئمة الإسلام، مع أن المحقق سجل على ابن الزاغوني تأويل الصفات الاختيارية. وأطلق «الله القديم» و«الذات القديمة»، فعقّب المحقق بأن الألفاظ الشرعية أولى. كل ذلك يثبت أن الدشتي عالم يرد خطؤه ويحفظ فضله، لا مرجع معصومًا تُنتقى شدته ثم تُهمل تعقبات محقق كتابه.

والخلاصة أن الاعتماد على الدشتي يحتاج أولًا استخراج قواعد كاملة من تراثه المحدود، ثم تفسير مواضع مخالفته. أما ترك ابن تيمية والذهبي وابن كثير وابن رجب، ثم اتخاذ كراسة واحدة أساسًا لمنهج الأحكام على الأعيان، فاختيار لا تسنده مادة علمية كافية.