«مَن وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام» (2): أثر مجاهد وضوابط الحكم على العلماء
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يفنّد الشيخ أبو الفضل المصري في الجزء الثاني تعميم محمد شمس الدين لأثر «مَن وقَّر صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام»، ويبيّن أن صيانة مقام العقيدة لا تقتضي إسقاط العالم المجتهد بكل خطأ، ولا تحويل مسائل الاجتهاد والخلاف إلى أحكام جامعة على علماء الأمة.
أثر مجاهد في المقام المحمود ليس موضع إجماع
يبدأ الردّ بمناقشة أثر مجاهد في تفسير المقام المحمود بأن الله تعالى يُجلس النبي ﷺ على عرشه. فسند الأثر إلى مجاهد ضعيف، كما أن علماء أهل السنة اختلفوا في قبوله: منهم من رواه وقبله، ومنهم من لم يقبله، ونقل ابن عبد البر الخلاف فيه. أما الثابت عن النبي ﷺ وعن أصحابه فهو تفسير المقام المحمود بالشفاعة، ومن قبل أثر مجاهد رأى إمكان الجمع بين المعنيين. لذلك لا يصح وصف المخالف في قبول الأثر بأنه خالف إجماع السلف، وإلا لزم إدخال أئمة كبار، منهم ابن عبد البر والذهبي والألباني واللجنة الدائمة، في هذه الدعوى.
توقير العالم ليس إقرارًا لخطئه
ينتقل المقطع إلى أصل الإشكال: العلماء يوافقون العالم فيما أصاب فيه، ويردّون خطأه بأدب، ولا يجعلون كل زلة سببًا لإسقاط إمامته. فالنووي وأبو حنيفة وابن حجر أثنى عليهم أئمة ومدارس علمية متتابعة، مع معرفتهم بما وقع فيه بعضهم من أخطاء. والثناء هنا خبر أهل الخبرة عن علمهم وفضلهم، لا عصمة لهم ولا قبولًا لكل قول صدر عنهم.
وضرب المقطع مثالًا بما نُسب إلى أبي حنيفة من الأخذ بأحاديث ضعيفة في مسائل الوضوء، فمناقشة الدليل جائزة، أما السخرية من الإمام والطعن في دينه وعرضه فليسا من منهج أهل السنة. ولهذا ألّف ابن تيمية «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» لبيان أعذار المجتهدين واختلاف مناهجهم في بلوغ الحديث وفهمه والعمل به.
الإلزام بابن الزاغوني ومفوّضة الحنابلة
يلزم الردّ محمد شمس الدين والخليفي بما يثبتانه من إمامة رجال وقعت عندهم أخطاء في أبواب الصفات، ومنهم ابن الزاغوني، مع ما نُقل عنه في الاستواء والنزول والمجيء والكلام، ومع وصف أبي جعفر الخليفي له من قبل بالبدعة. فإذا كانت إمامة المخطئ تعني بالضرورة توقير أهل البدع وإعانتهم على هدم الإسلام، لزمهم إسقاط من يحتجون به؛ وإن أمكن إثبات إمامته مع رد خطئه، فهذا بعينه هو المسلك المتبع مع النووي وابن حجر وأبي حنيفة.
فلا يلزم من إعذار عالم أخطأ في مسألة عقدية تهوينُ شأن صفات الله، كما لا يلزم من بيان خطورة الخطأ إسقاطُ صاحبه مطلقًا. وصف القول بأنه بدعة أو ضلالة شيء، والحكم على المعيّن وقصده واجتهاده شيء آخر.
الفرق بين طالب الحق وصاحب الهوى
يقسّم المقطع من خالف في باب الصفات إلى صاحب هوى قصد مخالفة طريق الوحي، وعالم طلب الحق وسلك سبيله ثم أخطأ. لا يُسوّى بين الرجلين، مع رد القول الباطل في الحالتين. ويستشهد بمعنى حديث الحاكم المجتهد: للمصيب أجران وللمخطئ أجر، وبوصية معاذ بن جبل في الحذر من زلة الحكيم من غير أن تُنسي زلته علمه وحكمته.
وهذا التفريق لا يجعل البدعة باب هدى، ولا يصف الخطأ العقدي بأنه يسير؛ بل يحفظ ميزانين معًا: إثبات الحق والتحذير من الخطأ، والعدل مع العالم الذي أراد الهدى ولم يتعمد الضلال. ومنهج ابن تيمية في ردوده على المخالفين شاهد عملي على الجمع بين قوة البيان والإنصاف في الحكم على الأشخاص.
إجماع العلماء على تعظيم أئمة الأمة
يسوق المقطع سلسلة من الإلزامات التاريخية: ابن المبرد الحنبلي عظّم النووي وابن حجر وأبا حنيفة، وابن عبد الهادي ذكر النووي وأبا حنيفة في طبقات علماء الحديث، والدشتي وصف عددًا من الحنابلة بالإمامة مع ذكر ما عند بعضهم من كلام، كما أثنى ابن تيمية والذهبي وابن رجب وابن كثير ومدرسة محمد بن عبد الوهاب وعلماء العصر على هؤلاء الأئمة. ولو صار كل هذا «توقيرًا لأهل البدع» لما سلم جمهور علماء السنة من الاتهام.
والخلاصة أن الخطأ يُردّ، وصفات الله تثبت كما جاءت، والعالم لا يُعصم ولا يُهدم بكل زلة. أما إطلاق قاعدة الأثر على أئمة الأمة بلا تفصيل فيؤول إلى الطعن في جمهور علمائها، ويحوّل مسائل العلم إلى باب للتكفير والتضليل والتجريح، بدل الجمع بين معرفة الحق ورحمة الخلق.
