تحريف الخليفي لكلام ابن تيمية (2): هل أخرج المتكلمين من العذر؟
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يفنّد الشيخ أبو الفضل المصري نسبة أبي جعفر الخليفي إلى ابن تيمية قاعدةً تخرج المتكلمين من العذر، ويعود إلى نصوص شيخ الإسلام نفسها ليثبت أن الكلام قيل أصلًا في أئمة من المتكلمين، وأن التفريق إنما هو بين طالب الحق المجتهد وبين متبع الهوى، لا بين المنتسب إلى السنة وغيره بمجرد الاسم.
موضع الاعتراض
قرر الخليفي أن قول ابن تيمية فيمن استفرغ وسعه طالبًا الحق من جهة الرسول يخرج المتكلمين من العذر، وجعله قاعدةً تفرق بين خطأ العالم السني وخطأ الجهمي غير المعذور. والسؤال الذي يبني عليه الرد هو: هل نص ابن تيمية على هذا الإخراج، أم إن سياق كلامه يدل على عكسه؟
السياق الذي اقتطع منه الكلام
قرأ الشيخ من «درء تعارض العقل والنقل» كلام ابن تيمية عن أبي بكر الباقلاني وأبي ذر الهروي وأبي الوليد الباجي وأبي جعفر السمناني وأبي بكر ابن العربي وأبي المعالي الجويني. وهؤلاء من المنتسبين إلى طرق الكلام، ومع ذلك ذكر ابن تيمية ما لهم في الإسلام من مساعٍ مشكورة وحسنات مبرورة، وردٍّ على أهل الإلحاد والبدع، وانتصارٍ لكثير من السنة والدين.
العدل بين الحسنات والأخطاء
بيّن ابن تيمية أن هؤلاء التبس عليهم أصل مأخوذ عن المعتزلة، فطردوه والتزموا لوازمه، فلزمهم من الأقوال ما أنكره أهل العلم والدين. ثم ذكر أن الناس انقسموا فيهم: فمنهم من عظمهم لمحاسنهم، ومنهم من ذمهم للبدع والباطل الواقع في كلامهم، وأن خيار الأمور أوساطها؛ فيعرف ما لهم من فضل، ويرد ما أخطؤوا فيه، ويتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف.
قاعدة المغفرة قيلت في المتكلمين
بعد هذا السياق مباشرة قال ابن تيمية إن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول وأخطأ في بعض ذلك غفر الله له خطأه، تحقيقًا لدعاء المؤمنين: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا». فالمتكلمون المذكورون هم أصل السياق الذي قررت فيه القاعدة، لا فئةً مستثناة منها.
طالب الحق ومتبع الهوى
التفريق في النص بين مجتهد أخطأ بعد طلب الحق، وبين من اتبع ظنه وهواه فشنع على المخالف بخطأ ظنه صوابًا بعد اجتهاده. ويذكر ابن تيمية أن هذا المشدّد يلزمه نظير الخطأ أو أعظم منه أو أصغر فيمن يعظمه من أصحابه؛ إذ قلّ من يسلم من ذلك بين المتأخرين مع كثرة الاشتباه والاضطراب والبعد عن نور النبوة.
البدعة تجمع حقًا وباطلًا
أوضح ابن تيمية أن البدعة لا تكون حقًا محضًا موافقًا للسنة، وإلا لم تكن باطلًا، ولا تكون عادةً باطلًا محضًا لا حق فيه، وإلا لم تشتبه على الناس. وإنما يلبس صاحبها الحق بالباطل: فقد يكون مخطئًا غالطًا أراد الهدى ولم يصبه، وقد يكون متعمدًا يحمل نفاقًا أو إلحادًا. لذلك لا يسوّى بين الرجلين لمجرد وقوعهما في المقالة نفسها.
مثال أبي عثمان المغربي
انتقل الرد إلى «الاستقامة» حيث ناقش ابن تيمية العبارة المجملة المنقولة عن أبي عثمان المغربي في الرجوع عن «حديث الجهة». ذكر لها احتمالات: فقد يكون رجع عن تجسيم أو تمثيل، أو عن اعتقاد أن السماوات تحصر الرب أو أن العرش يحمله، وقد يحمل كلامه على الرجوع عن إثبات العلو، وهو أسوأ الاحتمالات.
حتى أسوأ الاحتمالات لا يبيح تكفير المعيّن
قرر ابن تيمية أنه لو فرض وقوع أبي عثمان في الغلط، لم يجز جعل ذلك أصلًا لاعتقاد جميع الصوفية؛ ففيهم المصيب والمخطئ، ولا عصمة لأحد بعد الرسول ﷺ. ثم نص على أن المؤمن المجتهد إذا استفرغ وسعه في طلب الحق غفر الله خطأه، وإن حصل منه تقصير فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر، وإن كان القول نفسه يطلق عليه أنه كفر.
التكفير المطلق وتكفير المعيّن
فرّق ابن تيمية بين إطلاق السلف الكفر على مقالات مثل خلق القرآن وإنكار الرؤية، وبين تكفير الشخص المعيّن؛ فالتكفير المطلق كالوعيد المطلق لا يستلزم الحكم على المعيّن حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها. واستشهد بحديث الرجل الذي أمر أن يحرق جسده ويذر رماده خوفًا من الله، فغفر الله له مع وقوعه في اعتقاد كفري بسبب جهله وخشيته.
خطورة تكفير من ثبت إيمانه
من أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد وهو مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر وعنده عمل صالح، لا يكون أسوأ من ذلك الرجل؛ فيغفر الله خطأه أو يعاقبه على قدر تفريطه. أما تكفير شخص علم إيمانه لمجرد الغلط فخطر عظيم، وقد شبّه الحديث رمي المؤمن بالكفر بقتله، والتكفير على سبيل الاعتقاد أعظم من مجرد الشتم.
ما يترتب على منهج التعميم
يحذر المقطع من توسيع هذا المسلك حتى يصير تكفير الأشاعرة والحنفية وطوائف من المسلمين والأئمة والعلماء أمرًا سائغًا، مع أن نصوص ابن تيمية التي استند إليها الخليفي تقوم على التفصيل في الأشخاص، وإثبات الحسنات، والاعتذار للمجتهد، والتمييز بين المقالة وقائلها.
الخلاصة
العبارة المنقولة عن ابن تيمية لم توضع لإسقاط عذر المتكلمين، بل جاءت بعد تسمية طائفة منهم وذكر فضائلهم وأخطائهم. ومثال أبي عثمان يزيد المعنى وضوحًا: المقالة قد تكون كفرية، ومع ذلك لا يكفر المعيّن حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع. وبذلك ينقض كلام ابن تيمية نفسه الفهم الذي نسبه الخليفي إليه.
