حبل ابن تيمية أم قشّة أبي جعفر الخليفي؟

الشيخ أبو الفضل المصري 21 فبراير 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري على مقطع لأبي جعفر الخليفي قلل فيه من قيمة ورقات ابن قاضي الجبل التي نقلت ثناء ابن تيمية على أعلام من الأشاعرة. ويتجاوز النزاع في ثبوت تلك المجالس إلى نصوص ابن تيمية نفسه في الباقلاني والأشعري وابن كلاب والبيهقي: أثبت لهم الإسلام والفضل، وجعلهم أقرب طوائف الكلام إلى السنة، ووازن بين حسناتهم وأخطائهم، ثم ختم بفتوى اللجنة الدائمة التي عدت الباقلاني والبيهقي والنووي وابن حجر من كبار علماء المسلمين.

مقطع «قشة ابن قاضي الجبل»

أشار الخليفي إلى المثل القائل إن الغريق يتعلق بقشة، ووصف الاحتجاج بورقات ابن قاضي الجبل بأنه تعلق بما لا يثبت الحجة. وفرق بين الثناء المطلق والمقيد، وربط بعض ثناء ابن تيمية بالمقارنة بين الأشاعرة ومن هو أبعد منهم.

ما أقل ما يثبته الثناء المقيد؟

أجاب أبو الفضل بأن الثناء المقارن، على أدنى تقدير، يثبت إسلام أولئك الأعلام وعدم تكفير ابن تيمية لهم أو تسويغه تكفيرهم. وإذا جعلهم أقرب المتكلمين إلى السنة، استحال نقل كلامه إلى منهج يصفهم بالزندقة أو يبيح إخراجهم من الملة.

مناط الاعتراض ليس كل ثناء

حدد القضية في أن الطعن في أهل العلم يحتاج إلى سلف معتبر ودليل، لا في أن كل ثناء مطلق أو مقيد يجعل العالم معصومًا. ورد الخطأ شيء، والقول الجديد الذي لم يسبق إليه إمام في إسقاط صاحبه شيء آخر.

الاستغناء عن ابن قاضي الجبل

مع أن ابن قاضي الجبل إمام حنبلي وتلميذ لابن تيمية، ترك أبو الفضل ورقاته جانبًا وقرأ من كتب ابن تيمية مباشرة حتى لا يبقى النزاع متعلقًا بحال الناقل أو بكون الكلام قيل في مجالس خاصة.

الأشعري والباقلاني أقرب إلى أحمد

نقل من «درء تعارض العقل والنقل» أن العراقيين من أتباع ابن كلاب، ومنهم القلانسي والأشعري والطبري والباقلاني، أقرب إلى السنة وأتبع لأحمد من بعض الخراسانيين، وأن الأشعري كان أقرب إلى أحمد من متأخرين منتسبين إليه كابن عقيل وصدقة بن الحسين وابن الجوزي.

أبو ذر الهروي وانتقال المذهب إلى المغرب

ذكر ابن تيمية أن أبا ذر الهروي أخذ طريقة الباقلاني وأدخلها الحرم، وأخذ عنه المغاربة حين سمعوا عليه البخاري. فسأل أبو الفضل: هل يسوغ تكفير أبي ذر وأشاعرة المغرب مع جعل أصلهم أقرب إلى السنة من حنابلة متأخرين؟

فضائل الباقلاني ومحاسنه

قرأ نص ابن تيمية في «درء التعارض» عن الباقلاني: له فضائل عظيمة ومحاسن كثيرة، ورد على الزنادقة والملحدين وأهل البدع، ولم يكن في المنتسبين إلى ابن كلاب والأشعري أجل منه ولا أحسن تصنيفًا، وكان بينه وبين التميميين من الحنابلة موالاة ومصافاة.

لكل واحد مساع مشكورة

قرر ابن تيمية أن كل واحد من هؤلاء له في الإسلام مساع مشكورة وحسنات مبرورة، وانتصار للسنة والدين، لا يخفى على من تكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف. ومع ذلك التبس عليهم أصل كلامي فلزمهم بسببه ما أنكره العلماء.

طرفان كلاهما مذموم

انقسم الناس فيهم: فريق عظمهم لمحاسنهم حتى غفل عن أخطائهم، وفريق ذمهم للبدع والباطل حتى أهدر حسناتهم. ووصف ابن تيمية كلا الطرفين بالذم، وجعل الوسط معرفة ما للرجل وما عليه.

الاجتهاد والخطأ

نقل أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ وأخطأ في بعض ذلك غفر الله خطأه، تحقيقًا لدعاء المؤمنين: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا». أما من اتبع ظنه وهواه وشنع على المخالف بخطأ ظنه صوابًا، لزمه مثله أو أشد فيمن يعظمه هو.

ابن كلاب والأشعري في «شرح الأصبهانية»

وصف ابن تيمية ابن كلاب بأنه مسلم باطنًا وظاهرًا، فاضل جليل القدر، أحسن في الرد على الجهمية والمعتزلة والرافضة وأخطأ في بعض ذلك. ووصف الأشعري بالإسلام ظاهرًا وباطنًا، وبأنه أظهر الرد على المعتزلة والجهمية والرافضة والفلاسفة.

الأشعري إمام السنة باعتبار

ذكر ابن تيمية أن الأشعري يلقب بإمام السنة في البلاد التي لا يعرف فيها إلا قوله وقول المعتزلة والفلاسفة، لأن من خرج عن قوله هناك خرج إلى ما هو أبعد، ولأن قوله أقرب إلى السنة من أقوال تلك الطوائف؛ مع بقاء ما في مذهبه من مخالفة.

ابن حزم أبعد من الأشاعرة

نقل من «شرح الأصبهانية» أن ابن حزم وأمثاله من الظاهرية في باب الصفات أقرب إلى المعتزلة بل إلى الفلاسفة من الأشعرية، وأن الأشعرية أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث. فسأل عن الاستناد إلى طعون ابن حزم في الباقلاني مع هذا الميزان.

الباقلاني أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري

قرأ من «الفتوى الحموية» وصف ابن تيمية للباقلاني بأنه أفضل المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري، ليس فيهم مثله قبله ولا بعده. وأضاف من ترجمة الذهبي وصفه بالإمام العلامة ومقدم الأصوليين وسيفًا على المعتزلة والرافضة والمشبهة.

ابن خفيف والانتساب إلى الأشعري

ذكر ابن تيمية أبا عبد الله ابن خفيف بوصفه الإمام، ونقل عقيدته في إثبات الأسماء والصفات. وجاء في ترجمته أنه جمع العلم والعمل والتمسك بالسنن، مع دراسته على الأشعري؛ فليس مجرد الانتساب مانعًا من الإمامة عند من عرف حقيقة القول وحال صاحبه.

أقرب طوائف الكلام إلى السنة

نقل من «بيان تلبيس الجهمية» أن ابن كلاب وأصحابه، مع ما في أصولهم من فساد، عندهم من الأدلة الصحيحة وموافقة السنة ما لا يوجد عند عامة الطوائف، فهم أقرب أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، ويعدون أهل السنة في البلاد التي يغلب فيها المعتزلة والرافضة.

معنى النفاق والتناقض في كلامهم

شرح ابن تيمية أن وصف بعض العلماء أقوالهم بالنفاق والتناقض جاء من موافقتهم أهل السنة في حق ثم تفسيره بما يحرفه، ورد ذلك إلى الاشتباه والدلائل التي عرضت لهم، ثم دعا الله أن يغفر لجميع المؤمنين ويصلح أمر دينهم ودنياهم.

غلو بعض المنتسبين إلى الإثبات

حذر ابن تيمية من مثبتين يعظمون مسائل دقيقة اختلفوا فيها مع إخوان يوافقونهم في أكثر الإثبات، فيوالون ويعادون عليها، ويعرضون عمن هو أبعد عن السنة، وقد يحبون أولئك الأبعد بينما يبغضون الأقرب لأن غضبهم لأنفسهم أشد من غضبهم لله.

فتوى اللجنة الدائمة

ختم أبو الفضل بفتوى اللجنة الدائمة في الباقلاني والبيهقي وابن الجوزي والنووي وابن حجر وأمثالهم: هم من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، ويُدعى لهم بالرحمة والجزاء، وهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة وأئمة السلف، وأخطؤوا فيما تأولوه من الصفات.

النتيجة

الحجة ليست ورقة منفردة لابن قاضي الجبل، بل نصوص صريحة متكررة لابن تيمية وفتوى جماعية لعلماء العصر: يبيّنون خطأ الأشاعرة، ويحفظون إسلام أئمتهم وفضلهم وقربهم النسبي من السنة. فمن ترك هذا الحبل واختار تكفيرهم أو تسويغه احتاج إلى جواب عن هذا البناء كله، لا إلى غمزة في ناقل واحد.