فضائح علمية في انتقاء ابن شمس من كلام ابن الجوزي عن أبي حنيفة

الشيخ أبو الفضل المصري 13 أكتوبر 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

استفتح ابن شمس الحلقة الرابعة عشرة من طعنه في أبي حنيفة بكلام ابن الجوزي، فحذف صفحتين ونصفًا من الثناء ثم أظهر موضع الجرح. والأشد أنه وصف ابن الجوزي بمنهج يشبه المعتزلة، مع أنه يحتج به، بينما يدافع عن مقاتل بن سليمان مع كثرة جرح الأئمة له في الرواية والصفات.

نسبة ابن الجوزي إلى منهج المعتزلة

جعل ابن شمس ابن الجوزي خارج أهل الأثر بسبب اضطرابه في الصفات، بعد أن كان يثني عليه ويدافع عنه. ولما أُلزم قديمًا بتأويلاته بدل النووي، نقل الرجل من قائمة الأئمة إلى قائمة المتهمين.

تحقيق أكاديمي واسع لعقيدته

قرأ محققا «تلبيس إبليس» عددًا كبيرًا من مطبوعات ابن الجوزي وما تيسر من مخطوطاته، وانتهيا إلى موافقته أهل السنة عمومًا، مع خطئه في الصفات والتبرك بالقبور.

الاضطراب لا يساوي الانتساب إلى فرقة

أثبت ابن الجوزي الصفات في مواضع، وفوّض في أخرى، وأوّل في ثالثة. ولم يصدر ذلك عن انتماء إلى المعتزلة أو الجهمية، بل عن تقليد بعض الشيوخ وقلة التحقيق في هذا الباب، والعصمة للأنبياء.

له كلام كثير على طريقة السلف

ذكر المحققان نصوصًا نظمًا ونثرًا أثبت فيها الصفات إثباتًا صحيحًا، ونقلا عن ابن تيمية أن له من الكلام في الإثبات ما يرد وصفه بالتجهم أو معاداة مذهب السلف.

ابن الجوزي يطعن في المعتزلة

أثنى على القادر بالله لما نشر مذهب أهل السنة ورد المعتزلة والقائلين بخلق القرآن، وروى استتابته فقهاء المعتزلة ومنعهم من نشر الاعتزال والرفض، ووصف أبا الهذيل العلاف بالفسق في الدين. فلا يستقيم جعله معتزليًا لأنه وافقهم في بعض التأويل.

لماذا لا يُنسب إلى السلف بما وافقهم فيه؟

إذا جعلت موافقة المعتزلة في مسائل قليلة انتسابًا إلى منهجهم، وجب أن تكون موافقته للسلف في مسائل كثيرة أولى بنسبته إليهم. الانتقاء من طرف واحد ليس حكمًا علميًا.

غموض العبارة يخفي لازم الحكم

قال ابن شمس: «ليس ممن يسمون أهل الأثر وما شابه ذلك»، ولم يحدد: أهو معتزلي أم جهمي، مبتدع مفسق أم صاحب بدعة مكفرة؟ هذا الغموض يفتح باب الإخراج من السنة بلا حكم منضبط.

ميزان المعتزلة يعود على ابن شمس

جعل أبو الفرج المقدسي تفضيل الملائكة على الأنبياء علامة اعتزال، ولابن شمس مقطع يفضل الملائكة ويحوم حول تفضيل جبريل على نبينا ﷺ. كما أقر في مناظرة أن النبي ﷺ تكلم بالمجاز وأن العرب جميعًا تتكلم به، وهو أصل استعمله المعتزلة في التأويل.

إما الإنصاف وإما تعميم التهمة

إن كان كل من وافق المعتزلة في مسألة على منهجهم، دخل ابن شمس في الحكم نفسه. وإن كانت الموافقة الجزئية لا تنقل الرجل إلى الفرقة، وجب رد خطأ ابن الجوزي والاستغفار له كما يفعل أهل السنة مع النووي والخطابي والبيهقي.

الاحتجاج بمن لا تُرضى عقيدته

رفض الخليفي شهادة أبي يوسف في مقاتل بن سليمان لأنه لا يرضى عقيدته. فإذا كان ابن شمس لا يرضى عقيدة ابن الجوزي ويجعله شبيهًا بالمعتزلة، فلماذا يجعله حجة على أبي حنيفة؟

الاستغاثة في «بستان الواعظين»

روى ابن الجوزي قصة رجل مسرف سوّد وجهه بعد موته ثم جاءه النبي ﷺ فزال السواد، وفيها أن الرجل استغاث بالنبي بعد موته. وعلى ميزان ابن شمس في تكفير السيوطي بالاستغاثة، يلزمه الحكم نفسه على ابن الجوزي أو بيان الفرق.

رواية مقاتل في الكتاب نفسه

قبل ترجمة أبي حنيفة بورقة واحدة، نقل ابن الجوزي أن مقاتلًا جمع تفاسير الناس وجعلها لنفسه، وروى عن الضحاك مع موته قبل مولده بأربع سنين، وأنه كان متهمًا متروك الحديث ويتكلم في الصفات بما لا يحل.

أقوال النقاد في مقاتل

نقل عن وكيع والنسائي والبخاري وغيرهم وصفه بالكذب والوضع وترك الحديث والتشبيه. ومع ذلك يجعله ابن شمس من أئمة أهل السنة، بينما يلاحق أبا حنيفة بكلام النقاد. الميزان الواحد يفرض قبول جرحهم هنا أو تحقيقه في الموضعين.

حذف الثناء من ترجمة أبي حنيفة

قال ابن شمس إن ابن الجوزي «ذكر كلامًا ثم قال»، ثم قفز إلى عبارة الطعن. والكلام المحذوف ترجمة طويلة فيها فضائل أبي حنيفة وعلمه وتلاميذه وشهادات الأئمة له.

تابعيٌّ روى عنه الأئمة

ذكر ابن الجوزي أن أبا حنيفة وُلد سنة ثمانين ورأى أنس بن مالك وسمع من عطاء وأبي إسحاق، وروى عنه هشيم وابن المبارك ووكيع ويزيد بن هارون، ورواية هؤلاء عنه تعديل له في الجملة.

ترك الكلام ولزم الفقه

عرض أبو حنيفة العلوم وسأل عن عواقبها، فلما رأى أن الكلام ينتهي بصاحبه إلى الشناعات والزندقة أعرض عنه، واختار الفقه لما فيه من تعليم الناس والفتوى.

تربية أبي يوسف على عدم التصدّر

مرض أبو يوسف فعاده شيخه ورجاه للمسلمين بعده، فلما تعافى عقد مجلسًا مستقلًا. اختبره أبو حنيفة بمسألة القصار فعجز عن وجهيها، ثم قال له: من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه.

فقه أبي حنيفة في مناظرة القدرية

ألزم القدري بعلم الله وإرادته: إن نفى العلم السابق كفر، وإن أثبته سئل هل وقع الأمر كما علم الله. فلا يكون في ملك الله ما لا يشاء كونًا، مع أمره الكافر بالإيمان شرعًا.

لا يختلف الناس في فهمه وفقهه

صرح ابن الجوزي بهذا قبل موضع الطعن. ونقل عن سفيان الثوري وابن المبارك أن أبا حنيفة أفقه الناس، وعن مالك قوة حجته، وثبت عن أبي داود قوله: «رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا».

الناس عيال عليه في الفقه

نقل ابن الجوزي كلمة الشافعي في إمامته الفقهية. فلا يجوز حمل قوله اللاحق «اتفق الكل على الطعن فيه» على الطعن المطلق في دينه وعلمه، بعدما أثبت بنفسه اجتماعهم على فقهه.

وجوه الطعن ليست حكمًا واحدًا

طعن قوم في حفظه للحديث، وقوم في كثرة الرأي، وآخرون في أقوال عقدية. وهذه أبواب مختلفة: ضعف الحفظ لا اتهام بالكذب، والاجتهاد الفقهي لا يخرج من السنة، والنقول العقدية منها ما لم يصح ومنها ما ثبتت توبته منه.

خلق القرآن والتوبة

ثبت عن جماعة أنه لم يقل بخلق القرآن، وثبت عن أبي يوسف أنه ناظره ستة أشهر حتى انتهيا إلى أن كلام الله غير مخلوق. فإن صح أنه قال المقالة فقد تاب، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.

إرجاء الفقهاء لا يخرجه من السنة

أنكر السلف الإرجاء لما فتح من شر، لكن إرجاء أبي حنيفة هو إرجاء الفقهاء، ولا يخرجه من أهل السنة. شدّة الإنكار على الأصل لا تساوي تكفير كل معين أو إسقاط إمامته.

الطعن بسبب الرأي مردود بأعذار الأئمة

دافع الدارمي وابن عبد البر والعظيم آبادي وابن القيم وغيرهم عن أبي حنيفة، وبيّنوا أن كثيرًا من رأيه موروث عن إبراهيم النخعي، وأن قلة الحديث الصحيح في الكوفة وكثرة الوضع حملتاه على الاحتياط والقياس.

لماذا يُقبل ابن الجوزي بعد اتهامه؟

كل ما نقله ابن شمس عنه يحمل على هذه الجهات، ويبقى السؤال: إن كان ابن الجوزي من أهل السنة قبل كلامه مع تحقيقه، وإن كان شبيهًا بالمعتزلة فلا تجعله حجة ثم ترفض أبا يوسف للسبب نفسه.

إلزامات ابن كثير والمزّي

نُقل عن ابن كثير وصف نفسه بالأشعري، وكتب المزّي بخطه أنه أشعري ليتولى دار الحديث الأشرفية. ولم يكونا على المذهب الأشعري المتأخر، وإنما حمل انتسابهما على طور أبي الحسن الأخير؛ فمجرد اللفظ أو الموافقة الجزئية لا يبيح إخراجهما من السنة.

التأويل لو صار باب إسقاط فلن يبقى إمام

ذكر الفيديو علماء أولوا بعض الصفات: ابن الجوزي والخطابي والسيوطي والشنقيطي والقرطبي والعيني وصديق حسن خان والمباركفوري وابن الملقن وابن حزم. تعميم قاعدة ابن شمس يخرج طائفة واسعة من أئمة الأمة.

الخلاصة

الحلقة لم تثبت طعن ابن الجوزي المطلق في أبي حنيفة، بل كشفت حذف الثناء وتوحيد أنواع متباينة من الجرح. والعدل أن يحفظ الرجلان في أهل السنة، ويُرد خطؤهما، وتُعامل نقول مقاتل وابن كثير والمزّي بالميزان نفسه.