براءة الحنابلة من إطلاق تكفير داعية البدعة: الرد على أبي جعفر الخليفي (1)

الشيخ أبو الفضل المصري 1 مارس 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يرد الشيخ أبو الفضل المصري على احتجاج أبي جعفر الخليفي ومحمد شمس الدين بكلام متأخري الحنابلة في تكفير داعية البدعة وتفسيق المقلد. وينطلق من النص الذي نقله الخليفي نفسه عن ابن مفلح ليثبت أن الحكم قُيّد بكون الداعية عالمًا، ثم يعرض تطبيق الإمام أحمد وتقريرات ابن تيمية في إقامة الحجة والتفريق بين المقالة والمعين، ويلزم أصحاب الإطلاق بتطبيق قاعدتهم على شيوخهم وعلى أعيان أهل البدع قديمًا وحديثًا.

من أين بدأت المسألة؟

ورد الاحتجاج في مناقشة محمد شمس الدين لشاب يكفّر النووي وابن حجر، إذ استُدعي قول الحنابلة في تكفير الداعية وتفسيق المقلد. وكانت لأبي جعفر الخليفي مقالة مطولة في تقرير ذلك، فعاد أبو الفضل إلى النقول نفسها لمراجعة دلالتها وضبط محل النزاع.

النص الذي نقله الخليفي

نقل الخليفي من «الفروع» لابن مفلح: كل بدعة كُفّر فيها الداعية فُسّق فيها المقلد، وضرب أمثلة بخلق القرآن والألفاظ والعلم والأسماء، وإنكار رؤية الله، وسب الصحابة تدينًا، وحصر الإيمان في الاعتقاد. ثم جاءت الجملة الحاكمة: «فمن كان عالمًا في شيء من هذه البدع يدعو إليه ويناظر عليه فهو محكوم بكفره».

قيد «من كان عالمًا»

جعل أبو الفضل هذا القيد أصل المناقشة: النص لا يقول إن كل داعية يكفر، بل يصف شخصًا عالمًا بالبدعة يدعو ويناظر عليها. أما تفسيره بأنه يشمل الداعية الجاهل والمتأول فيلغي لفظًا صريحًا في النقل المحتج به.

أسئلة تكشف اضطراب التطبيق

سأل عن حكم عوام الجهمية والقبورية والقائلين بخلق القرآن: هل يفسقون بوصفهم مقلدين أم يكفرون؟ وسأل عن محمد شمس الدين بعد قوله إن قراءته وصوته في القرآن مخلوقان؛ فإن كان داعية إلى هذه العبارة فهل يطبق عليه حكم الداعية الذي يحتج به، أم تستثنى الأسماء القريبة؟

التقعيد العام ليس حكمًا على عين

رفض أبو الفضل تفسير كلام ابن مفلح بأنه حكم على أعيان؛ فالعبارة قاعدة وصفية لا تذكر شخصًا معينًا. والحنابلة أنفسهم لم يكفروا جميع من نُسب إلى العلم أو الدعوة ممن وقع في تلك الأقوال، بل اختلف حكمهم باختلاف الأشخاص وقيام الحجة.

البخاري يقدم التعليم على الحكم

نقل من «خلق أفعال العباد» أن من لم يعرف أن كلام الله غير مخلوق يُعلَّم ويُرد جهله إلى الكتاب والسنة، ومن أبى بعد العلم كان معاندًا. واستدل البخاري بآيتي البيان ومشاقة الرسول بعد تبين الهدى؛ ففرّق بين الجاهل قبل التعليم والمعاند بعده.

الجهل ليس درجة واحدة

ناقش الاستدلال بنقول عن علماء كفّروا أشخاصًا مع وصفهم بالجهل، فقرر أن الجهل منه معتبر يعذر به صاحبه، ومنه ما لا يعذر به. لا يكفي ورود كلمة الجهل في واقعة لإسقاط كل تفاصيلها على كل جاهل.

ما مناط التكفير؟

طرح السؤال المركزي: أسبب التكفير مجرد الدعوة، أم الوقوع في كفر بعد زوال العذر والشبهة والتأويل؟ فالعالم الذي يعتقد الكفر ولا يعلنه لا يخرج من الحكم لمجرد أنه لم يدع الناس إليه، والداعية المقلد لا يصير عالمًا بمجرد تكراره المقالة. العبرة بحقيقة القول وحال القائل، لا بوصف الدعوة وحده.

العقوبة الدنيوية ليست إسقاطًا لحكم الكفر

ناقش نقل الخليفي عن ابن تيمية في معاقبة من فعل محرمًا أو ترك واجبًا دفعًا لضرره، ولو كان معذورًا في الآخرة. فرّق النص نفسه بين استحقاق العقوبة الدنيوية والحكم الأخروي؛ فقد تقع العقوبة زجرًا وردعًا أو تكون في حق المعذور من جنس المصائب، فلا تصلح دليلًا مستقلًا على الردة.

إلزامات الهروي وسيد قطب ومحمد شمس

إذا عُدّ تأليف الكتب دعوة إلى المقالة، سأل أبو الفضل عن تطبيق القاعدة على سيد قطب الذي نُسب إليه القول بوحدة الوجود، وعلى الهروي الذي حكم الخليفي عليه بالحلول الخاص، وعلى محمد شمس في عباراته عن القراءة والصوت ونفي لفظ «بذاته». إما أن يطبق الحكم على الجميع بالميزان نفسه، أو يقر بأن الدعوة وحدها لا تكفي.

الخلاف داخل المذهب

أحال إلى «تحرير المنقول» للمرداوي وإلى مناظرة ابن قدامة والفخر ابن تيمية في «ذيل طبقات الحنابلة»، حيث ظهر خلاف الحنابلة في تكفير أهل البدع وفي معنى التكفير: أهو كفر أكبر يوجب الخلود أم كفر دون ذلك؟ فلا يصح تحويل قول بعض المتأخرين إلى إجماع مذهبي.

لماذا الاحتجاج بالمتأخرين هنا؟

ذكّر أبو الفضل بأن الخليفي ومحمد شمس يعلنان تقديم المتقدمين وعدم الاعتماد على المتأخرين، ثم جعلا كلام متأخري الحنابلة حاكمًا في هذه المسألة. وطالب بنصوص المتقدمين، وببيان هل حكم المتأخرين على الداعية ينزل على كل داعية عينا أم بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.

تطبيقات الحنابلة لا توافق الإطلاق

سأل عن غياب التكفير العيني عند ابن مفلح وابن قدامة وابن المبرد لأعيان الأشاعرة الذين صنفوا ودعوا. وذكر ثناء ابن المبرد على النووي، وروايته عن تلاميذ ابن حجر، وقول أبي إسماعيل الهروي عن أبي ذر الهروي إنه صدوق مع علمه بأشعريته. هذه التطبيقات لا تنسجم مع تكفير كل داعية بغير تفصيل.

حافظ حكمي: لا حكم قبل إقامة الحجة

قرأ من «أعلام السنة المنشورة» تفريق حافظ حكمي في بدع الجهمية: من عُلم أن قصده هدم قواعد الدين وتشكيك أهله قُطع بكفره، أما المغرر به والملبس عليه فلا يحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة ويلزم بها.

الإمام أحمد والدعاة في المحنة

استشهد بتقرير ابن تيمية أن الدعوة إلى المقالة أعظم من مجرد قولها، وأن ولاة المحنة دعوا إلى خلق القرآن، وامتحنوا الناس وعاقبوهم وكفروا الممتنعين. ومع ذلك ترحم أحمد عليهم واستغفر لهم، ولو كانوا مرتدين لما جاز الاستغفار؛ فالتطبيق يثبت أن مناط الحكم عنده لم يكن وصف الدعوة وحده.

ابن تيمية يخاطب دعاة جهمية ولا يكفرهم

نقل قول ابن تيمية لمن ناظروه ودعوه إلى قولهم: لو وافقتكم لكنت كافرًا لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي لا تكفرون لأنكم جهال. فالمقالة كفر، لكن القائل المعين لم يلحقه الحكم لجهله.

الخوارج يقاتلون ولا يكفَّرون

أورد قول ابن تيمية في الخوارج: ثبت ضلالهم بالنص والإجماع وأمر النبي ﷺ بقتالهم، ومع ذلك لم يكفرهم الصحابة وجماهير العلماء. فإذا لم تكن عقوبة القتال نفسها دليلًا على الكفر، فمن باب أولى ألا تجعل كل عقوبة أو دعوة وحدها مناطًا لإخراج المسلم من الملة.

لا تبدع المعين قبل البيان

ذكر كلام الشيخ الفوزان في إثبات كون الفعل بدعة بدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، ثم مناقشة الشخص وبيان الحق له؛ فقد يكون فعله عن جهل. وربط ذلك بتقرير ابن تيمية أن من يقول ببعض التجهم ويتدين بالإسلام باطنًا وظاهرًا من أمة محمد ﷺ بلا ريب.

المقالة الكفرية والمعين المسلم

نقل عن ابن تيمية أن المقالة قد تكون كفرًا بلا ريب، ولا يجوز مع ذلك الإقدام على تكفير معينها قبل قيام الحجة الرسالية. ومن ثبت إيمانه بيقين لا يزول عنه بالشك، بل بعد البيان وزوال الشبهة؛ وهذا جار في جميع المعينين، مع تفاوت البدع وتفاوت ما عند أصحابها من الإيمان.

أسباب العذر التي ذكرها ابن تيمية

قد لا تبلغ الرجل النصوص، أو تبلغه ولا تثبت عنده، أو يعجز عن فهمها، أو تعرض له شبهة يعذره الله بها. ومن اجتهد في طلب الحق فأخطأ غفر له خطؤه، في المسائل النظرية والعملية؛ ونسب ابن تيمية هذا الأصل إلى الصحابة وجماهير أئمة الإسلام.

مفوضة الحنابلة اختبار للقاعدة

سأل أبو الفضل عن مفوضة المعاني من الحنابلة: إن كانت بدعتهم كفرية، فهل يكفر علماؤهم ويفسق عوامهم؟ وإن كانت غير كفرية، فما درجتها وهل يخرجون من السنة؟ المقصود اختبار القاعدة بالأسماء المنتسبة إلى المذهب نفسه، لا استعمالها انتقائيًا في الخصوم.

العلم عن الراسخين لا من البحث المجرد

ختم بنقول عن الشيخ صالح العصيمي في خطأ من يطلب العلم من الكتب وحدها ولا يصحب العلماء، وفي أن علم الفرق والملل من علوم الخواص، وأن كثيرًا ممن يدخله قبل إتقان مذهب أهل السنة يغلط على نفسه والناس. ومسائل التكفير والتبديع العظام ترد إلى العلماء ذوي العلم والعقل والحكمة.

النتيجة

نص ابن مفلح الذي احتج به الخليفي لا يثبت تكفير الداعية الجاهل؛ بل يقيد الحكم بالعالم الذي يدعو ويناظر. وتطبيق أحمد وتقرير ابن تيمية يفرقان بين كفر المقالة وكفر المعين، وبين العقوبة في الدنيا واستحقاق الخلود، ويجعلان إقامة الحجة وزوال الشبهة أصلًا لا يسقط عند الانتقال من الخصم إلى الموافق.