لماذا لم يبدّع العلماء الإمام النووي وأمثاله؟

الشيخ أبو الفضل المصري 16 أبريل 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يجيب الشيخ أبو الفضل المصري عن طلب محمد شمس الدين قاعدة منضبطة في تنزيل أحكام التكفير والتبديع على الأعيان، ويعرض قاعدة من منهج أهل الحديث تفرق بين العالم الذي أصوله سنية ثم زل في جزئية، وبين صاحب الهوى الذي بنى أصوله على مخالفة الكتاب والسنة.

الحكم على المعين بعد الشروط والموانع

نقل اتفاق السلف على أن التكفير والتبديع والتفسيق لا تنزل على شخص بعينه حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع. ولإبعاد النقاش عن الخصومة في النووي، بدأ بأمثلة من علماء الحنابلة الذين وقع بعضهم في بدع.

البدعة وجدت في بعض الحنابلة

ذكر ابن تيمية أن البدع في غير الحنابلة أكثر لكثرة نصوص أحمد في السنة، ومع ذلك وجد في الحنابلة مبتدعة، وغالب بدعتهم زيادة الإثبات في حق الله، والمبالغة في تكفير المخالف.

المنتسب إلى السنة قد ينقل عن المتكلمين

قرر ابن تيمية أن كثيرًا من المنتسبين إلى السنة الموافقين للأئمة في جملة الأصول يقولون «قال أصحابنا» ويعنون بعض الخائضين في الكلام، وهذا موجود في أتباع المذاهب كلها، ولا يجعلهم بمجرده خارجين من السنة.

التطبيق على النووي وغيره

ينطبق الوصف على النووي حين ينقل أقوال المتكلمين، كما يمكن تطبيقه على ابن الجوزي وأبي يعلى وابن خزيمة. والسؤال الحاكم ليس: هل أخطأ؟ بل ما أصوله العامة، ولماذا وقع الخطأ، وكيف حكم عليه أهل الفن؟

قاعدة وليد السعيدان

قرأ أبو الفضل من «التحديث بشرح قواعد أصول الفقه على منهج أهل الحديث»: الطبيب من يعمل بقواعد الطب، والمهندس بقواعد الهندسة، والحنبلي أو الشافعي من يعتمد أصول مذهبه؛ وكذلك من اعتمد قواعد أهل الحديث وخرج عليها مسائل الدين فهو منهم.

الزلة الجزئية لا تغير الانتساب

من كانت أصوله أصول أهل الحديث ثم خالف في مسألة لشبهة أو اجتهاد، لا يخرج من أهل الحديث ما دام غير معاند لأصولهم. كما لا يصير الحنبلي شافعيًا لموافقته الشافعية في بضع مسائل.

الخلاف يقع داخل الفن الواحد

اختلاف الحنابلة في روايات المذهب لا يخرجهم من الحنبلية لأنهم ينطلقون من قواعد مشتركة، فكذلك اختلاف أهل الحديث في جزئيات لا يحول كل مخالف إلى صاحب مذهب مستقل.

أصول النووي أصول أهل الحديث

قرر السعيدان أن قواعد النووي التي انطلق منها في دراسة الشريعة هي قواعد أهل الحديث، لكنه زل في بعض تأويلات الصفات على منهج المتكلمين. وذكر أبو الفضل أنه كان ينقل الخلاف، ويسكت أحيانًا، ويفوض أو يؤول أحيانًا.

رد الخطأ مع حفظ الإمام

هذه الزلات الاجتهادية لا تخرجه من أهل الحديث ولا من الإمامة. ترد ولا تقبل، ويبقى صاحبها معظمًا محترمًا، ولا تجعل سبيلًا إلى النيل من ذاته أو طرح مؤلفاته وتحذير الأمة منها كلها.

زيغة الحكيم

استشهد بأثر معاذ في التحذير من كلمة الضلالة على لسان الحكيم دون الابتعاد عن الحكيم نفسه. فالكلمة مردودة، والأصل في العالم الحكمة والإصابة، ويستفاد من علمه مع التحذير من زلته.

ماضي العالم يؤثر في فهم خطئه

من كانت منطلقاته سنية سلفية، ثم وقعت منه هفوة عقدية أو عملية، يرد خطؤه بأكمل الأدب، وتلتمس له المعاذير، ولا تهدر منزلته أو تخترق نيته. ماضيه في نصرة السنة ليس تفصيلًا ملغى عند الحكم.

أسباب وقوع العالم في التأويل

قد يجهل نصًا لم يبلغه، أو يتأثر بشيخ عظمه، أو يصل إليه الدليل فيعارضه عنده ما منعه من فهمه، أو يتأوله على وجه ظنه صحيحًا. وعلامة صدق القصد أن يرجع إذا تبين له الحق.

من يعرف قصد الهدى من الهوى؟

كما يدرك الطبيب علة لا يدركها العامة، يعرف الراسخون من تشبه بالعلماء وليس منهم، ومن ادعى السنة وهو مخالف لها، ومن أخطأ مع بقاء أصوله سنية. لذلك كان السؤال عن الرجال يرفع إلى أحمد والبخاري والرازيين ويحيى بن معين وعبد الرحمن بن مهدي.

أصول صاحب الهوى بدعية

من لا يأخذ أصلًا بالكتاب والسنة وفهم السلف، ويبني قواعده على الكلام والفلسفة، ثم تقع منه المخالفة، يعامل بالشدة ويحذر من مؤلفاته ومجالسته. فالكلمة الواحدة تحمل عند صاحب السنة على حسن حاله، وعند صاحب الهوى على بدعته.

لا يسوى النووي بواصل بن عطاء

سأل السعيدان: هل يعامل خطأ النووي كخطأ رأس المعتزلة واصل بن عطاء، أو هفوة ابن حجر كضلالة الجهم بن صفوان، أو سقطة ابن الجوزي كقول بشر المريسي؟ يرد خطأ الجميع، لكن طريقة التعامل تختلف باختلاف الأصول.

ثلاث رسائل تضبط التعامل

أحال إلى «الفرق بين النصيحة والتعيير» لابن رجب، و«الرد على المخالف من أصول الإسلام» و«تصنيف الناس بين الظن واليقين» و«هجر المبتدع» لبكر أبي زيد؛ لتكتمل دائرة الرد على عالم السنة وصاحب البدعة دون تمييع أو غلو.

القاعدة الجامعة

كل من التزم أصول أهل الحديث واعتمدها وخرج عليها مسائل الدين فهو منهم، وإن حصلت هفوة ردت واعتذر له عنها، ولا يخرج بسببها من أهل الحديث. هذا هو الفارق بين حفظ الشريعة وحفظ الإمام.

ابن خزيمة وحديث الصورة

أول ابن خزيمة حديث «خلق الله آدم على صورته» وحمله على صورة آدم، ورد بشدة على الفهم الآخر، ومع ذلك بقي إمام الأئمة. ووجد علماء من أهل الحديث تابعوه إلى العصر الحديث دون أن يخرجهم أهل السنة.

لماذا بدع أبو ثور ولم يبدع ابن خزيمة؟

لما نقل قول أبي ثور إلى أحمد حكم عليه، بينما لم يحكم العلماء على ابن خزيمة بذلك. وإقامة الحجة لا يشترط أن يجلس الناقد إلى المعين، بل أن يرى الحجة قائمة. ومن حقق المناط في أبي ثور هو أحمد إمام الجرح والتعديل.

لزوم حكم الأئمة فيما خفي الفرق

أجاب الخليفي في هذه المسألة بأن بين أبي ثور وابن خزيمة فرقًا يدركه علماء الحديث وإن خفي على المتأخر، وأن الواجب لزوم الأدب معهم. ورأى أبو الفضل أن هذا التأصيل نفسه يهدم الغلو لو طرد في النووي وغيره.

ثلاثة أقسام للتأويل

نقل عن ابن عثيمين: تأويل يصدر عن اجتهاد وحسن نية فيعفى عنه، وتأويل يصدر عن هوى وتعصب وله وجه في العربية فيكون فسقًا وقد يبلغ الكفر إن تضمن نقصًا لله، وتأويل عن هوى بلا وجه لغوي فحقيقته التكذيب وهو كفر.

تأويل النووي من القسم الأول

حسن الظن بعالم عابد أثنت عليه الأمة أنه اجتهد يطلب الحق ولم يعاند، فلا يحمل على الهوى والعصبية. والتمييز بين الأقسام ليس للعامة، بل للعلماء الجهابذة الذين يعرفون حال الشخص ومجموع طريقته.

ضوابط التأويل السائغ

ألا يصادم معلومًا من الدين بالضرورة، وأن يكون له وجه معتبر في لسان العرب، وأن تدل القرائن على أن صاحبه لم يقصد معارضة الشريعة، بل اجتهد في معرفة الحق.

المخالفة بالتأويل لم يسلم منها عالم

نقل عن ابن أبي العز أن المخالفة بتأويل لم يسلم منها أحد من أهل العلم، وأن المجتهد العالم إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وخطؤه مغفور.

أبو يعلى وابن عقيل مثالان

كان أبو يعلى يؤول تارة ويفوض تارة، وكذلك ابن عقيل، وناقش ابن تيمية أقوالهما في «درء التعارض». فهما في هذا الباب نظير النووي وابن حجر: جادتهما سنية مع أخطاء تستغفر لهما ولا يتابعان عليها.

الخلاصة

لم يبدع العلماء النووي وأمثاله لأنهم نظروا إلى أصوله السنية، وقصده، وطريقته، وكون مخالفاته زلات بتأويل، لا إلى العبارة مفصولة عن صاحبها. ردوا الخطأ وحفظوا الإمامة، وجعلوا تنزيل الحكم على الأعيان وظيفة الراسخين.