هل الحدّادية أضبط منهجًا ممن يرد عليهم؟
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يرد الشيخ أبو الفضل المصري على مقطع لمحمد أبي العلا قرر فيه أن الحدّادية أضبط منهجًا من بعض السلفيين الذين يردون عليهم؛ لأن السلفيين يصفون الأشاعرة بأوصاف شديدة، ثم يستثنون النووي وابن حجر والسيوطي من أحكامها. وتبين الحلقة أن هذا ليس تناقضًا، بل هو التفريق السني بين حكم المقالة وحكم القائل المعين.
أين يقع النزاع مع الحدّادية؟
لا ينحصر الخلاف في توصيف أخطاء الأشاعرة، بل في ضوابط إسقاط الأحكام على الأعيان: من يملك الحكم، وما شروطه، وما موانعه، وكيف يفرق بين طالب الحق المخطئ وصاحب الهوى المتعمد.
هل الأصول المنقولة معاصرة؟
الأوصاف التي نقلها محمد عن شيوخ سلفيين للأشاعرة ليست اختراعًا معاصرًا، بل كثير منها مأخوذ من ابن تيمية وابن القيم، وهما استقيا أصول الرد على الجهمية والمعتزلة من السلف الأول. فمن اعترض على أصلها فليحدد موقفه من هذا الامتداد العلمي.
الأشاعرة ليسوا طبقة واحدة
رفض المتحدث إطلاق وصف الجهمية على جميع الأشاعرة كما رفض نفي التأثر بالجهمية عنهم جميعًا؛ ففيهم الأشعرية الأثرية ومحدثو الأشاعرة، والمتقدمون الأقرب إلى الإثبات، والمتأخرون المتكلمون الذين زادوا في النفي.
درجات التجهم
ذكر أن الجهمية درجات: من ينفي الأسماء والصفات، ثم المعتزلة الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات، ثم من يثبت بعض الصفات وينفي بعضها، وهم أقرب هذه الدرجات إلى أهل السنة. ولهذا قد يوصف بعض متكلمي الأشاعرة بنوع تجهم دون تسوية الجميع بالجهم الأول.
شدة ابن تيمية في الرد
نقل عنه أن السلف لم يجعلوا آيات الصفات كلامًا أعجميًا لا يفهم، وأنهم فسروا النصوص ورووا ما يوافقها. ووصف قول أهل التفويض الذين يزعمون اتباع السلف بأنه من شر أقوال أهل البدع والإلحاد لما يتضمنه من قدح في بيان القرآن والرسل.
إنصاف ابن تيمية للأشاعرة
الشدة على المقالة لم تمنعه من تقسيم المنتسبين إلى الأشعري، والثناء على فضلاء كالبَيْهقي، وبيان قرب المتقدمين من السنة. فصاحب الألفاظ الشديدة نفسه كان من أكثر الناس معرفة بأحوال الأعيان وإنصافًا لهم.
إثبات المتقدمين للعلو
نقل من «بيان تلبيس الجهمية» إثبات ابن فورك ما عليه الأشعري وابن كلاب من كون الله فوق العرش، ونقل البيهقي عنه تفسير الاستواء بالعلو، كما ذكر قول القيرواني والقاضي عبد الوهاب والباقلاني والأشعري في الاستواء والعلو.
المتقدمون والمتأخرون
قرر ابن تيمية أن هذا قول أئمة الأشعرية المتقدمين بلا نزاع بينهم، وأن الإنكار زاد عند المتأخرين، وأن أشعرية العراق كالباهلي وابن مجاهد والباقلاني لم يكونوا في النفي كأشعرية خراسان مثل ابن فورك، فضلًا عمن جاء بعدهم.
قاعدتان لا بد منهما
الأولى حفظ الشريعة بمعرفة الحق وبيانه ورد الباطل، والثانية حفظ أعراض المسلمين والاعتذار للمجتهدين. ترك الأولى تمييع، وترك الثانية وقوع في أعراض الأئمة؛ والمنهج أن يكون المرء قويًا في الحق رحيمًا بالخلق.
موضع تطبيق الحدّادية
أخذوا الأوصاف العامة التي قيلت في مقالات الجهمية أو متكلمي الأشاعرة وأسقطوها على النووي وابن حجر والسيوطي والعز بن عبد السلام وأبي حنيفة، من غير أهلية ولا استيفاء شروط الحكم على المعين.
أول خلاف في الأمة
باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد هو أصل خلاف الخوارج؛ أخذوا نصوصًا صحيحة مثل «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» و«ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون»، ثم أسقطوها على أعيان بلا ضوابط.
العذر لا يمحو الخطأ
لا يلزم من الدفاع عن النووي إنكار أخطائه؛ فقد جمع المتحدث أخطاءه من عمل مشهور حسن، كما جمع تعليقات العلماء على «فتح الباري». الطريق هو بيان الخطأ والاعتذار لمن اجتهد في طلب الحق، لا إنكار الخطأ ولا إسقاط الإمام.
محدثو الأشاعرة
البَيْهقي مثال صريح: عده ابن عساكر من الأشاعرة، ووافقه ابن المبرد، ووصفه ابن تيمية بأنه من فضلائهم. يسير على طريقة أهل الحديث مع موافقات أشعرية، فلا يسوى بالمتكلمين الذين جعلوا الكلام أصلهم.
عكرمة مثال تطبيقي
نسب بعض النقاد إلى عكرمة قول الصفرية أو الإباضية، ودافع عنه ابن سيد الناس. وعلى فرض ثبوت القول، لا يطبق عليه حكم الخوارج مباشرة؛ بل يثبت القول، ويميز صاحب الهدى المخطئ من صاحب الهوى، وتعتبر الشروط والموانع.
علي بن المديني في المحنة
قيل ليحيى بن معين إن عليًا عند الناس مرتد لإجابته في خلق القرآن، فرد بأنه مسلم خاف فقال ما عليه. أحمد لم يقبل عذر الخوف، والعقيلي ذكر جنوحه إلى ابن أبي دؤاد، والذهبي عدها هفوة تاب منها، ودافع عنه ابن حجر.
كيف تعامل الأئمة مع علي؟
قال علي نفسه بكفر القول بخلق القرآن ونفي كلام الله لموسى أو رؤية الله في الآخرة، ومع ذلك لم يسقط العلماء الأحكام العامة عليه بلا نظر، بل بحثوا الخوف والتوبة وحاله المعروف في السنة.
إلزام محمد بمدرسة نجد
محمد أبو العلا يصف جماعات من علماء الدعوة النجدية بالخوارج، ثم لا يسقط عليهم أحكام الخوارج. فإن كان هذا صحيحًا بسبب الشروط والموانع، فقد عمل القاعدة نفسها التي يعيبها على المدافعين عن النووي؛ وإن اتبع الحدّادية لزمه إخراج أولئك الأعيان من السنة أو تسويغ تكفيرهم.
لا تهوين ولا إخراج بغير حق
المنهج لا يهون مسائل العقيدة، ولا يتركها لغير المتأهلين ليخرجوا العلماء من السنة. يبرأ من القول الباطل ويبينه، لكنه لا يبرأ من قائله المعين حتى تستوفى الشروط وتنتفي الموانع.
أبو حنيفة بين المتقدمين والمتأخرين
اشتد بعض السلف عليه وتكلموا في حفظه وفقهه وعقيدته، وأثنى عليه آخرون، ثم استقر ثناء المتأخرين وإمامته. يلتمس العذر له في الزلة والتوبة، ويلتمس العذر كذلك لأئمة النقد الذين اجتهدوا في الكلام عليه.
الخطأ الذي ليس هينًا
قول محمد إن الحدّادية لم تفعل إلا تطبيق ميزان واحد يهون من باب عظيم؛ فالحكم على مسلم بأنه كافر أو مبتدع أو فاسق ليس نقلًا آليًا لعبارة عامة، بل فتوى وقضاء يحتاجان إلى عالم راسخ.
ابن تيمية يرد هذا المسلك
نقل عنه أن من شنع على مجتهد بسبب خطأ ظنه صوابًا بعد اجتهاده، لزمه نظير الخطأ أو أعظم أو أصغر فيمن يعظمه من أصحابه، وأن قليلًا من المتأخرين يسلم من ذلك بسبب الاشتباه والبعد عن نور النبوة.
قاعدة الذهبي
لو بدع كل إمام أخطأ في مسألة اجتهادية مغفورة وهجر، لم يسلم ابن نصر ولا ابن منده ولا من هو أكبر. ولهذا استعاذ الذهبي من الهوى والفظاظة، وحفظ إمامة المخطئ مع رد خطئه.
من يملك الفتوى والحكم؟
نقل عن ابن المبارك أن الرجل لا يفتي حتى يكون عالمًا بالأثر بصيرًا بالرأي، وعن مالك أن العالم لا يتصدر حتى يشهد له أهل العلم ويأمروه. وهذا الشرط آكد في أحكام التكفير والتبديع والجرح.
الجرح في الإمام المقبول
قرر ابن عبد البر أن من ثبتت عدالته وأمانته وعنايته بالعلم لا يقبل فيه قول جارح إلا ببينة عادلة، مع براءة الجارح من الغل والحسد والعداوة والمنافسة. وحتى جرح ابن معين لا يقبل في الإمام المشهور بلا بيان وجهه.
الأئمة المقبولون وأعذارهم
نقل ابن تيمية أن أئمة الأمة المقبولين لا يتعمدون مخالفة الرسول ﷺ، وأن مخالفتهم لحديث صحيح ترجع إلى عدم اعتقاد ثبوته، أو عدم اعتقاد دلالته على المسألة، أو اعتقاد نسخه.
لسان الصدق العام
من له ثناء عام في جماهير الأمة فهو من أئمة الهدى ومصابيح الدجى، وغلطه قليل بالنسبة إلى صوابه وعامته من موارد الاجتهاد المعذور، وهو أبعد عن الجهل والظلم واتباع الهوى.
نحب العالم ولا نحب بدعته
نقل الذهبي: نبرأ من الهوى والبدعة، ونحب السنة وأهلها، ونحب العالم لما فيه من الاتباع والصفات الحميدة، ولا نحب ما ابتدع بتأويل سائغ، والعبرة بكثرة المحاسن. هذا هو الميزان الذي خالفته الحدّادية.
خالد وحاطب
قال النبي ﷺ: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد»، ولم يتبرأ من خالد. ووصف عمر فعل حاطب بالنفاق، فرد النبي ﷺ لما علم صدق حاطب وسابقته. في المثالين فرق بين الفعل والفاعل.
لازم المذهب ليس مذهبًا
قولهم إن من نفى العلو لا يعرف ربه لازم استدلالي، لكنه لا يلصق بكل معين؛ ولازم المذهب ليس مذهبًا حتى يلتزمه صاحبه وتستكمل شروط الحكم. كما أن المتحدث يثبت أن النووي لم ينف علو الله أصلًا.
محبة أهل الحديث علامة
نقل عن قتيبة بن سعيد أن محبة أئمة الحديث علامة السنة، وعن الصابوني أن من علامات أهل السنة حب أئمتها وعلمائها. فمن كان أصل حاله محبة الحديث والسير على طريق أهله ثم أخطأ بتأويل، نظر في حاله ولم يسو بصاحب البدعة المعاند.
أبو ثور وابن خزيمة
علل الخليفي تبديع أبي ثور دون ابن خزيمة بأن أئمة الحديث بدعوا الأول ولم يبدعوا الثاني، ودعا إلى لزوم غرزهم. والجواب أن الغرز نفسه لم يبدع النووي، بل توارد العلماء على إمامته.
السيوطي لا يساوى بالرازي
السيوطي لخص «ذم الكلام» للهروي و«نقد المنطق» لابن تيمية ونقل ثناء العلماء عليه، فلا يساوى بمتكلم يجعل الكلام أصلًا ويكفر ابن تيمية. وإن نسب الاثنان إلى الأشعرية فدرجتهما ومنهجهما مختلفان.
التأويل والنفي
من أول الاستواء بالاستيلاء لم ينكر ألفاظ القرآن، لكنه نفى معنى الاستواء الذي فهمه السلف وأثبت غيره، وقد عد الأشعري نفسه هذا التأويل قول المعتزلة. يبقى تحرير درجة الخطأ ثم النظر في حال قائله، لا القفز من التأويل إلى حكم العين.
فضل الأشاعرة الأوائل
أقر بجهود الأشعري وتلاميذه في القضاء على نفوذ المعتزلة والجهمية، وأن الأوائل أقرب الطوائف إلى السنة، لكنه رفض جعل هذا الفضل مانعًا من بيان تأثر المتأخرين بأصول المعتزلة والجهمية.
لفظ المكان مجمل
من نفى المكان يريد أحيانًا نفي مخلوق يحوي الله ويحيط به، وهذا معنى صحيح؛ ويريد آخر نفي علو الله على العرش، وهذا باطل. كما يحمل إثبات أهل السنة للمكان على معنى صحيح، فلا يعمل اللفظ المجمل بلا تفصيل.
التعظيم الصحيح لله
الأشاعرة يعظمون الله ويقصدون تنزيهه، لكن التعظيم المأمور به هو ما وافق القرآن والسنة وفهم الصحابة. النية الحسنة معتبرة في حال القائل، ولا تحول القول المخالف إلى حق.
الخلاصة
الحدّادية ليست أضبط منهجًا؛ لأنها خلطت بين المقالة وقائلها، ووسعت أحكام التبديع والتكفير بغير أهلية، وخالفت غرز الأئمة الذين ردوا البدعة وحفظوا منزلة المجتهد. والميزان الواحد الحق لا يسوي المختلفين، بل يطبق على الجميع قواعد الدليل والأهلية والشروط والموانع.
فيديوهات أُخرى
