رسالة إلى محمد أبي العلا: الإنصاف لا يكون بتحميل السلفية غلو الحدّادية

الشيخ أبو الفضل المصري 28 مايو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يوجه الشيخ أبو الفضل المصري رسالة إلى محمد أبي العلا ردًا على مقطعه «تشوش معنى الإنصاف في عقول السلفيين». ويفرق بين السلفية وغلاة المنتسبين إليها من الحدّادية والتكفيريين، ثم يشرح أن نقد العلماء جائز بالعلم والأدب، وأن مسائل العذر بالجهل لا تختصر في لازم قول، ولا تحمل أخطاء جماعات الغلو على ابن باز وابن عثيمين والفوزان.

الكتاب والسنة بفهم السلف

الإحالة إلى فهم السلف أصل قرره أئمة الإسلام، ولا تعني جعل ابن باز وابن عثيمين والفوزان هم السلف. السلف هم القرون المفضلة، وهؤلاء العلماء من أتباع طريقهم يبينون ما وصل إليهم من الكتاب والسنة وكلام الأئمة.

المغالطة في حصر السلف

تصوير الدعوة السلفية كأنها تبدأ بثلاثة علماء معاصرين وتنتهي عندهم يخلط بين المرجع الأعلى وبين العلماء الذين يشرحونه. القرآن والسنة وإجماع الأمة هي الميزان، والعلماء وسائل لفهمه وليسوا معصومين.

غلو بعض المنتسبين ليس هو المنهج

ربما رأى أبو العلا حدّادية أو تكفيريين ينتسبون إلى السلفية، فظن ممارساتهم طرحًا سلفيًا عامًا. وكل طائفة يدخلها غلاة، ولا يصح تحميل عمومها أخطاء طرف منها قبل الرجوع إلى أصولها وأقوال علمائها.

ما الإنصاف؟

الإنصاف نوع من العدل: إعطاء كل ذي حق حقه، والكلام بعلم، وترك التجني والافتراء، وجمع أقوال المدح والقدح، وتحرير محل النزاع قبل الحكم، وألا يحمل الحب على المحاباة ولا البغض على الطعن.

الميزان ليس ما تحبه الجماعة

ليس المنصف من يردد ما تحبه طائفته، بل من يزن القول بالكتاب والسنة، فيقبل كلمة الحق ولو خرجت من مخالف، ويرد كلمة الضلالة ولو صدرت من حكيم، من غير أن يرفع أحدًا فوق قدره أو يبخسه حقه.

التعصب آفة بشرية

من الناس من يجمع التعديل لمن يحب ويجمع الجرح لمن يبغض، وقد ظهر ذلك في التعصب المذهبي وغيره. هذه آفة ترد على صاحبها، ولا تنسب بمجرد وجودها في أفراد إلى منهج أهل السنة كله.

ابن تيمية نموذج مشترك

دعا أبو الفضل إلى اتخاذ ابن تيمية مثالًا في العلم بالحق والإنصاف للخلق، لأن أبا العلا يثني عليه ويحتج بطريقته. ليس ابن تيمية معصومًا، لكنه عالم يقبل الطرفان الاحتكام إلى تحريره في المسائل المشتبهة.

المعركة مع السلفيين

كثرت مقاطع أبي العلا عن السلفيين وعلمائهم، مع أن عددًا من المسائل التي نسبها إليهم دار فيها خلاف داخل أهل السنة أنفسهم. فلم يحتكر عالم قولًا بلا مناقشة، ولم يخرج النظر والترجيح عن دائرتهم.

النصيحة بالإنصاف في محلها

حين يوصف محمد بن عبد الوهاب ومدرسته بالخوارج وإراقة دماء الأمة اعتمادًا على كلام المناوئين، من غير عرض أجوبة المدافعين وتحرير الوقائع، تكون المطالبة بالإنصاف نصيحة شرعية لا محاولة لإسكات الناقد.

الميزان نفسه للنووي ومحمد بن عبد الوهاب

من الخطأ أن تجمع الطعون على إمام ثم تعرضها بلا أجوبة ولا ميزان. فإذا عيب هذا المسلك على محمد شمس في حديثه عن النووي وأبي حنيفة، فلا يصح استعماله نفسه مع محمد بن عبد الوهاب أو علماء الدعوة.

كيف تبحث مسألة العذر بالجهل؟

تبدأ بتحديد معنى العذر والجهل، وأنواع الجهل، والمسائل التي يعذر فيها والتي لا يعذر فيها، وأقوال الفقهاء والأصوليين قبل الدعوة النجدية، ثم تقرأ الكتب التأصيلية لعلمائها وتفرق بينها وبين فتاوى الوقائع الخاصة.

ليس الجهل نوعًا واحدًا

يفترق من لم يبلغه العلم عمن أعرض أو قصر في الطلب، وتفترق المسائل الظاهرة عن الخفية، وما يحتمل التأويل عما لا يحتمله. إلغاء هذه الفروق يحول المسألة العلمية إلى شعارين متقابلين.

الخلاف باق داخل المدرسة السلفية

وجد بين علماء الدعوة من وسع العذر ومن ضيقه، وصنفت كتب للطرفين وقدم لها علماء سلفيون. وإذا أخطأ عالم في التطبيق وجد من أهل السنة من يناقشه، فتكون القضية بحثًا وترجيحًا لا اتهامًا لمدرسة كاملة.

فتاوى ابن باز في العذر

نقلت الحلقة أن ابن باز ذكر الخلاف في المسألة، وعذر عند تحقق الجهل وانتفاء التقصير، وضيق العذر في مواضع لانتشار العلم أو ظهور الحجة. فلا يصح جمع فتاوى بعينها ثم إطلاق أنه لا يعذر مطلقًا.

لازم المذهب ليس مذهبًا

القول إن بعض تقريراته يستلزم تكفير مئات الملايين لا يثبت أنه حكم عليهم بذلك. لم يكفر ابن باز جماهير الأزهر ولا الصابوني ولا محمد علوي المالكي بأعيانهم، وكتب إلى شيخ الأزهر عبد الحليم محمود بوصف كريم رغم الخلاف.

دعوى تكفير العاذر

فرقت الحلقة بين من ينكر كون قول مجمع على كفره كفرًا، وبين المجتهد أو المتأول في عذر شخص معين. وكون ابن باز يذكر الخلاف في العذر يناقض تصويره مكفرًا لكل عاذر بلا تفصيل.

الواقع العملي يهدم التعميم

مراسلات ابن باز لعلماء المسلمين ورؤساء الدول، واستقباله المسلمين من أنحاء العالم، ومخاطبته لهم بالإسلام، وتوزيع المصاحف على الحجاج والمعتمرين؛ كل ذلك لا ينسجم مع دعوى أنه لا يرى مسلمًا إلا من وافقه.

من أين جاءت التهمة؟

استعملت جماعات تكفيرية مقتطفات من كلام العلماء وحملتها على غير محاملها، كما تستعمل آيات القرآن والأحاديث بفهم فاسد. وجود النص في منشوراتهم لا يجعل فهمهم تفسيرًا معتمدًا لكلام الشيخ.

السلفيون ردوا على التكفير

أحال أبو الفضل إلى مادة «فتنة التكفير» للألباني ومراجعة ابن باز وتعليق ابن عثيمين، وعد هؤلاء العلماء من أكثر من ردوا على الغلو. فلا تحملهم نتائج فهم جهال خالفوا شرحهم وتطبيقهم.

الحدّادية ينتسبون إلى السلفية زورًا

كما يرفض أهل السنة أن تحمل عليهم طعون الحدّادية في الأئمة، يجب رفض جعل الجماعات التكفيرية معيارًا للسلفيين. الانتساب الاسمي لا يثبت موافقة مناهج العلماء في التحصيل والتعليم والحكم على المخالف.

العدل مع ابن عثيمين والفوزان

وصف ابن عثيمين بأخطاء عقدية كثيرة يستدعي السؤال عن الميزان الذي سيعامل به القرطبي والنووي وابن حجر وسائر الأئمة الذين أخطؤوا في مسائل. الخطأ يرد، والعالم يستغفر له، ولا تهدم منزلته بجملة عامة.

الفوزان والعذر في بعض الأحوال

نقلت الحلقة نصًا يثبت أنه يعذر بالجهل أحيانًا، وذكرت أنه لم يكفر سيد قطب مع علمه بما أخذه عليه. وفي المواضع التي لا يعذر فيها قد يرجع السبب إلى انتشار العلم أو التقصير أو طبيعة المسألة، فلا يلغى التفصيل.

النقد ليس ممنوعًا

لم يطلب أبو الفضل السكوت عن ابن باز أو الفوزان أو محمد بن عبد الوهاب مطلقًا. المطلوب أن يتعلم الناقد أصل المسألة، ويرجع إلى كتب صاحب القول وتلاميذه، ثم يرد بالحجة والأدب والحلم مع مراعاة حرمة العلم.

من يحق له الرد على العلماء؟

طالب العلم المؤهل يناقش ويسأل ويرد، ويعرض كلامه على المتخصصين. أما من لم يتعلم فلا يمنع تعصبًا للشيخ، وإنما يقال له: تعلم قبل أن تتجرأ؛ كما يمنع غلام حدّادي من إصدار ورقة في تكفير أحمد بن حنبل.

حد العلم وحد الأدب

بعد التأهل العلمي يبقى واجب الأدب. من عد المخالف عالمًا لزمه توقيره وإن رد خطأه، ومن أخرجه من السنة وطعنه لزمه أن يذكر من سبقه إلى هذا الحكم ودليله، لا أن يجمع قائمة أوصاف ثم يتركها بلا تأصيل.

مدح الأشاعرة لا يمنعه الإنصاف

رفض أبو الفضل دعوى أن السلفيين يشترطون ألا يذكر مخالفهم بخير. أثنى علماء السلفية على من خالفهم، ودافعت القناة نفسها عن الأشاعرة من التكفير، وقررت أنهم أقرب الطوائف إلى أهل السنة مع بقاء الخلاف العقدي.

الجهاد يذكر لأصحابه

دفاع أشاعرة وماتريدية وصوفية عن بلاد الإسلام ومواجهة التتار والصليبيين فضل يذكر ويشكر. وفي الوقت نفسه شارك أئمة من أهل السنة كابن قدامة وابن تيمية وتلاميذه في الجهاد، فلا يحتكر التاريخ فريق ولا يستعمل الثناء لتصحيح كل قول عقدي.

الحق يقبل ولا يعمم

من أصاب في باب أثني عليه به، ومن أخطأ رد خطؤه. لا يحول فضل قائد في الدفاع عن المسلمين مذهبه كله إلى حق، كما لا تمحو مخالفة عقدية ما قدمه من نصرة، وهذا هو التفريق الذي يطلبه الإنصاف.

الخلاصة

الإنصاف لا يعني منع النقد ولا اشتراط ذم المخالفين، بل جمع العلم والعدل والأدب. وغلو الحدّادية والتكفيريين لا يمثل السلفية، ولا يجوز أن يلصق بابن باز وابن عثيمين والفوزان بسبب سوء فهم أقوالهم. تعلم المسألة، حرر كلام العالم من مصادره، اترك لوازم لم يلتزمها، ثم ناقش الدليل بلا تجن ولا إسقاط.