مقاتل بن سليمان يكشف اضطراب المنهج الحدادي

الشيخ أبو الفضل المصري 5 يوليو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يتابع الشيخ أبو الفضل المصري قضية مقاتل بن سليمان بعد اعتراض محمد شمس الدين والخليفي على الحلقة السابقة. ويحرر موضع النزاع: لم يكن المقصود الجزم بتجسيم مقاتل، بل نقض دعوى أن أحدًا من السلف لم يتهمه بالتشبيه وأن عقيدته توافق عقيدة السلف، ثم يكشف اضطراب المنهج الحدادي بين تبرئة مقاتل، والطعن في أبي حنيفة، واتهام الهروي.

موضع النزاع الأصلي

قرر محمد شمس الدين أنه لم يجد أحدًا من السلف اتهم مقاتلًا بالتشبيه أو التجسيم، ثم وصف عقيدته بأنها موافقة لعقيدة السلف. فجاء الرد بنقول مسندة عن أئمة متقدمين اتهموه بالتشبيه والبدعة، ثم ختم بتوقف ابن تيمية: «الله أعلم بحقيقة حاله»؛ فلم يجزم بإدانته ولا جعله إمامًا في العقيدة.

إلزام لا اتهام مباشر

ذكر عبد القادر الجيلاني فرقة «المقاتلية» ضمن المشبهة ونسبها إلى مقاتل. فإذا كان محمد يجعل عقيدة مقاتل هي عقيدة السلف، وينتسب هو إلى عقيدة السلف، لزمه قبول النسبة إلى عقيدة مقاتل. هذا إلزام بمقدماته، لا حكم مستقل بأن محمد مجسم.

تحويل الرد إلى سب

واجه محمد الرد بوصف صاحبه بالكلب، واحتج بآيات الانتصار بعد الظلم والمعاملة بالمثل، مع أن الشيخ لم يصفه بذلك. واللفظ الذي صدر من وليد السعيدان ورد في سياق وصف مسلك يسوغ تكفير العلماء بأنه طريق الخوارج، لا في كلام أبي الفضل نفسه.

لماذا عبارة «الله أعلم بحاله» مهمة؟

حين تتعارض قرائن الاتهام مع غياب دليل قاطع على الإدانة أو البراءة، يكون توقف الإمام المحقق خلاصة بحث، لا مجرد نسبة العلم إلى الله. لذلك تابع ابن تيمية على هذا التوقف حافظ حكمي، وعبّر سفر الحوالي بقوله: الله أعلم بصحة ما نسب إلى مقاتل.

قراءة تفسير مقاتل

عرض الشيخ حواشيه القديمة على أجزاء من التفسير، وفيها مواضع كتب عندها: براءة مقاتل من التشبيه، وما نسب إليه من التجسيم، وتأويلاته، وحاجة دعوى هجر الطبري له إلى البحث. ولم يجد في الأجزاء التي قرأها تجسيمًا صريحًا، ولذلك لم يتدين بإثبات التهمة، لكنه لم يجعل خلو المواضع المقروءة برهانًا على أن عقيدته عقيدة السلف.

السمعاني: الجهمية والمقاتلية

ذكر السمعاني أن مقاتلًا كان يأخذ من اليهود والنصارى ما يوافق كتبهم، وأنه كان يشبه الرب بالمخلوقين ويكذب في الحديث. ونقل عن أبي يوسف قول أبي حنيفة: احذر صنفين من خراسان؛ الجهمية والمقاتلية. وهذا وحده يهدم دعوى عدم وجود اتهام مبكر.

إسحاق بن راهويه ونقل أبي حنيفة

جاء في «مناقب الشافعي» للآبري عن إسحاق بن إبراهيم: أتانا من المشرق رأيان خبيثان؛ جهم معطل ومقاتل مشبه. وفي أصل تاريخ بغداد جاءت العبارة منسوبة إلى أبي حنيفة، بما يدل على اعتماد إسحاق لهذا الجرح، سواء قاله ابتداء أو رواه عن الإمام.

المزي وصيغ الجزم

أورد «تهذيب الكمال» النقول في ترجمة مقاتل، وقد بيّن المزي أن ما ساقه بصيغة الجزم ثابت الإسناد عنده. ومن ذلك كلام أبي حنيفة وأبي يوسف وإسحاق وخارجة بن مصعب، وهي مادة تداولتها مصادر الجرح والتعديل لا رواية متفردة في كتاب متأخر.

انتشار التهمة في زمن مقاتل

ورد أن الخليفة سأل مقاتلًا: بلغني أنك تشبه، فقرأ سورة الإخلاص وتبرأ من غيرها. وهذه الرواية يستعملها المدافعون عنه، لكنها تثبت في الوقت نفسه أن تهمة التشبيه كانت منتشرة حتى بلغت الخليفة، فيبقى السؤال عمن أطلقها في ذلك العصر.

أحمد بن سيار وإسناد خبره

قال أحمد بن سيار إن مقاتلًا متهم متروك الحديث، وكان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه. وحاول الخليفي إعلال الطريق بأحمد بن محمد بن رميح النسوي، مع أن الحاكم وثقه، ووصفه الخطيب بالثقة الثبت، وأحمد بن سيار نفسه إمام حافظ حجة.

البدعة والكذب عند إسحاق

نقل عن إسحاق أن خراسان أخرجت ثلاثة لم يكن لهم نظير في البدعة والكذب: جهم بن صفوان، وعمر بن صبح، ومقاتل. وحمل الكلام كله على كذب مقاتل لا يستقيم مع الرواية التالية مباشرة التي تصفه بالتشبيه، ولا مع اعتماد إسحاق قول أبي حنيفة فيه.

خارجة بن مصعب

وصف خارجة جهمًا ومقاتلًا بالفسق والفجور، واشتد في مقاتل حتى استحل قتله. أُعل الطريق بالفضل بن عبد الجبار وأبي معاذ النحوي، مع أن ابن حبان وابن ماكولا وثقا الأول، وذكر الثاني في الثقات وروى عنه الأزهري كثيرًا. فالطريق صالح على الأقل في باب الآثار.

أبو يوسف إمام سنة وحديث

قال أبو يوسف: بخراسان صنفان ما على الأرض أبغض إلي منهما؛ المقاتلية والجهمية. ورد قوله بدعوى أن عقيدته متكلم فيها، مع أن يحيى بن معين وعمرو الناقد وصفاه بأنه صاحب حديث وصاحب سنة، وتتابع العلماء على الثناء عليه.

ابن حبان وكتب الرجال

قال ابن حبان إن مقاتلًا كان يأخذ من اليهود والنصارى في التفسير، ويشبه الرب بالمخلوق، ويكذب في الحديث. ولا يصح إسقاط جرحه كله لأن له كلامًا عقديًا انتقده بعضهم؛ فقد اعتمدت كتب الجرح والتعديل أقواله وأقوال غيره، وذكرت اتهام مقاتل كله أو بعضه.

ابن رجب: أنكر عليه السلف

قرر ابن رجب أن السلف أنكروا على مقاتل رده على جهم بأدلة العقول، وبالغوا في الطعن عليه، وأن منهم من استحل قتله. ونقل عبد الله شاكر الجنيدي هذا الكلام في تحقيق «رسالة إلى أهل الثغر»، وذكر مقاتلًا وهشام بن الحكم ضمن من سار في طريق التشبيه.

استمرار النسبة بعد عصر السلف

قال ابن الوزير إن التجسيم والتشبيه اشتهرا عن مقاتل، وإنه بالغ في الإثبات حتى جسم، وذكر أن علماء التابعين وأئمة السلف قاموا على جهم ومقاتل. وجعله السفاريني أول من قال بالتجسيم، وقال فيصل آل مبارك إنه رأس المثبتة الذين بالغوا حتى شبهوا الله بخلقه.

أقوال معاصرة

ذكر عاصم القريوتي، وحافظ حكمي، والمعلمي اليماني، ومحمد عبد الرحمن الخميس، وصالح آل الشيخ نسبة التجسيم أو التشبيه إلى مقاتل، مع نقلهم كلام المتقدمين. وفي المقابل توقف سفر الحوالي، وذكر سلطان العميري أن القضية تحتاج تحريرًا وأن عددًا من الدارسين نفى التهمة.

موقف ابن تيمية هو الأقرب

سعى ابن تيمية في تبرئة مقاتل لأن كتب الخصوم قد ينقل بعضها عن بعض، ولأنه لم يجد ما يثبت الصورة الغليظة، واستأنس بثناء الشافعي على علمه بالتفسير. لكنه لم يعلن براءته القطعية، بل قال: الله أعلم بحقيقة حاله. وهذا هو الموقف الذي ترجحه الحلقة بين الجزمين.

ثلاثة نماذج تكشف الاضطراب

في أبي حنيفة أخذ الحدادية بجرح بعض السلف وتركوا ثناء آخرين وتوبته، حتى سوغوا تبديعه وتكفيره. وفي مقاتل تركوا جرح السلف والمتأخرين لأن تفسيره الموجود لا يتضمن التجسيم الصريح. وفي الهروي جمعوا بين نصوص من كتبه واتهام بعض العلماء له بالحلول، ولم يلتفتوا إلى المعاذير التي التمسها له المحققون.

أي معيار يلتزمونه؟

إن كان الحكم بما في كتب الرجل، فلماذا بدعوا أبا حنيفة بما لم يثبت في كتبه، ولماذا اتهموا الهروي؟ وإن كان بأقوال النقاد، فلماذا برؤوا مقاتلًا مع كثرة من اتهمه؟ وإن جمعوا بين النصوص والنقد والقرائن، وجب أن يطبقوا الإنصاف نفسه على الأئمة جميعًا.

دعوى الإجماع على الطعن في أبي حنيفة

استدل بعضهم بكلام ابن أبي داود في اجتماع علماء الأمصار على الطعن، مع أن أباه أبا داود قال: رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا، وأن تلميذه ابن شاهين وضعه فيمن اختلف العلماء في توثيقه وتجريحه. فوجود الخلاف قبل الناقل وبعده يمنع حمل العبارة على إجماع أصولي.

المنهج الذي تعرضه الحلقة

يتبع غير المتخصصين علماء أهل السنة الراسخين، ويحفظون اختلافهم إذا اختلفوا، ولا يستقلون بالجرح والتعديل. ولو لم يوجد توقف ابن تيمية لكان قول أولئك الأئمة هو المعتمد في مقاتل، أما بعد اختلاف المحققين فالتوقف مشروع، ولا يملكه متصدر يوظفه لرجل ويمنعه عن آخر.

المقاتلية ليست اختراعًا متأخرًا

جعل الخليفي اسم «المقاتلية» من إحداثات المعطلة، مع أن أبا يوسف استعمله، وذكره عبد القادر الجيلاني. فلا يمكن نسبة المصطلح إلى الجهمية من غير اتهام هذين الإمامين بالتأثر بهم.

الخلاصة

ثبت أن أئمة من السلف والمتأخرين اتهموا مقاتلًا بالتشبيه، فسقطت دعوى محمد التاريخية ودعوى أن عقيدته موافقة للسلف بلا قيد. ولا يلزم من ذلك القطع بإدانته؛ والأعدل التوقف مع ابن تيمية. وقد كشفت القضية أن المنهج الحدادي يبدل معيار الحكم باختلاف الشخص: يغلظ على أبي حنيفة والهروي، ويتساهل مع مقاتل، بدل قاعدة علمية واحدة تحفظ النصوص وأقوال النقاد والعدل في الأعيان.