تأصيل الأدب في الرد على المخالفين والعلماء

الشيخ أبو الفضل المصري 17 يوليو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

تجيب الحلقة عن إشكال الشدة واللين في الرد على المخالفين، بعد نقل كلام العظيم آبادي في أدب البخاري عند رده على أبي حنيفة. وتستعين بتقسيم شمس الدين الأفغاني للماتريدية إلى غلاة ومقتصدين ومنتسبين بالاسم، لتثبت أن الشدة توضع مع الدعاة المعاندين، أما العالم المجتهد الذي أخطأ أو قلد في بعض المسائل فيرد عليه بلطف ويحفظ فضله.

البخاري جمع حماية الشريعة وحفظ الأدب

نقل العظيم آبادي أن حمية السنة دفعت البخاري إلى رد ما رآه خطأ عند أبي حنيفة، لكنه ذهب في هذا الباب مذهب الأدب، فلم يصرح باسمه الشريف، وعرض بلفظ «بعض الناس» ليعرفه من يعرفه ولا يعرفه من لا يعرفه. فحفظ الشريعة ولم يجعل الرد بابًا لامتهان الإمام.

شرطان لمن يتصدى للرد

قرر العظيم آبادي أن من يدعي نصرة السنة لا يحل له أن يتفوه في حق العالم بسوء الأدب، ولا يترخص في القول فيه حتى يرزق إخلاص النية وحسن الأدب كما رزق البخاري. فالحق وحده لا يبرر العبارة الظالمة، والرفق وحده لا يبرر ترك بيان الخطأ.

هل كان السلف يشتدون دائمًا؟

جاء الإشكال بأن أهل السنة اشتدوا في الرد على المخالفين. فأجابت الحلقة بأن الشدة ليست حكمًا واحدًا لكل من أخطأ، بل تختلف باختلاف حال الشخص ومقالته ودعوته وعناده. ولتحديد المواقع نقلت تقسيمًا من كتاب «عداء الماتريدية للعقيدة السلفية» لشمس الدين الأفغاني، وهو معتمد عند الخليفي وأتباعه.

القسم الأول: الغلاة المعطلة

وصف الأفغاني الغلاة بأنهم أفراخ الجهمية، يقولون بخلق القرآن وينكرون علو الرحمن ويعطلون الصفات ويحرفون النصوص ويطعنون في العقيدة السلفية وأئمتها. هؤلاء شرذمة قليلة مغرضة، وهم المقصودون أولًا بالرد القوي، ووعد أن يكون في مواجهتهم شديدًا كالفارس والأسد.

الشدة لا تبيح الافتراء

مع عبارات الأفغاني الشديدة صرّح بأنه لم يفتر ولم يعتد، ورفض قاعدة «نجهل فوق جهل الجاهلين». فحتى الداعية المعاند لا يسقط حقه في الصدق والعدل، ولا تتحول الشدة إلى كذب أو ظلم.

القسم الثاني: المقتصدون

جعل أكثر أهل العلم وطلابه من الحنفية في طبقة المقتصدين: تأثروا بعلم الكلام وقلدوا أهله وأحسنوا الظن بالماتريدي، لكنهم يحبون سلف الأمة ويرغبون في عقيدة أئمة السنة، ووقعوا في البدع بسبب المجالسة والتلمذ وقراءة الكتب، ولو نُصحوا انتبهوا ورجعوا.

كيف يرد على المقتصد؟

نص الأفغاني على أن هؤلاء معنيون بالرد الخفيف والخطاب اللطيف، وأنه يكون معهم مسالمًا مصالحًا لينًا هادئًا سمحًا. وهذه الطبقة تشمل غالب المحدثين والفقهاء الذين تأثروا بمدارس كلامية في مسائل محدودة ولم يجعلوا علم الكلام مشروعهم ولا طعنوا في السنة.

أبو حنيفة وأصحابه من أهل السنة

نقلت الحلقة أن الأفغاني عد أبا حنيفة وأصحابه والطحاوي من أهل السنة. وذكر علي القاري في الماتريدية، لكنه لم يضعه في طبقة الغلاة؛ فهو محدث تأثر ببعض الأقوال. أما علاء الدين البخاري الصوفي، الذي كفر ابن تيمية، فجعله من الماتريدية الغلاة.

القسم الثالث: المنتسبون بالاسم

ذكر الأفغاني جمهور العوام وكثيرًا من الطلبة والعلماء الذين انتسبوا إلى الماتريدية بحكم المدرسة والبيئة، ولم تخطر بقلوبهم أصول الجهمية. هؤلاء ليسوا من حقيقة المذهب وإن حملوا اسمه، ويُحذرون من البدع والشركيات ويُرشدون بلين.

الشدة واللين من الحكمة

خلص الأفغاني إلى أن الشدة مع الغلاة المعتدين، واللين مع المقتصدين المخطئين، من الحكمة والعدل ومنهج العلماء الربانيين. ومن يسوي بين الطاعن المعاند والإمام المجتهد الذي أخطأ يضع الشدة في غير موضعها ويخالف هذا المنهج.

متى تستعمل الشدة؟

خص الأفغاني الشدة بأهل البدع الدعاة المعاندين. وسألت الحلقة: من أين ثبت عن النووي أو ابن حجر أو الخطابي أو البيهقي أنهم كانوا معاندين؟ لقد ماتوا ولم يحكم علماء عصرهم ولا من بعدهم عليهم بهذا الوصف؛ فلا يجوز اختراع العناد لتبرير إسقاطهم.

لا تجعل زلة الإمام دليل هوى

نقلت الحلقة تحذير الأفغاني من جعل الغلطة الصادرة من أئمة السنن والهدى دليلًا على أنهم من أهل الهوى والردى؛ فلكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة. واستشهد بقول الشعبي إن الناس لو وجدوا تسعًا وتسعين صوابًا وخطأً واحدًا أخذوا الواحد وتركوا التسعة والتسعين.

الأئمة غير معصومين ولا مسقطين

الأنبياء معصومون والملائكة لا يعصون الله، أما الصحابة والأئمة بعدهم فليسوا معصومين من الخطأ. والمجتهدون أئمة الإسلام والإيمان: إن أصابوا فلهم أجران وإن أخطؤوا فلهم أجر، فلا يتبعون على الخطأ ولا يطعن فيهم بسببه.

بين المتعصب والطاعن

رفض الأفغاني طرفين: مقلد يتبع الإمام في خطئه بعد ظهور الحق، وطاعن يجعل الخطأ الاجتهادي سببًا للتضليل والإسقاط. الأول غير معذور بتقليده، والثاني من الطغام الذين كثروا وانتشروا؛ والوسط رد الخطأ مع إبقاء الإمامة والفضل.

الخطأ يشمل مسائل الاعتقاد

ذكرت الحلقة تقرير ابن تيمية أن عموم مغفرة خطأ المجتهدين لا يختص بمسائل الفقه العملية، بل يشمل المسائل العلمية الاعتقادية أيضًا، مستشهدًا بدعاء ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾ وجواب الله: «قد فعلت».

الخلاصة

الأدب في الرد ليس تمييعًا، والشدة ليست حقًا مطلقًا. الداعية المعاند يرد عليه بقوة مع العدل، والمقتصد المتأثر ينصح بلطف، والعالم المجتهد يرد خطؤه وتحفظ إمامته. وبهذا جمع البخاري بين نصرة السنة والأدب مع أبي حنيفة، وهو الميزان الذي ينبغي تطبيقه على أئمة الإسلام.