استقراء ابن تيمية لا استقراء ابن شمس: ميزان الحكم على الفرق والأعيان
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يواصل الشيخ أبو الفضل المصري التعليق على حوار محمد شمس الدين وذي الفقار، ويقابل دعوى ابن شمس أنه استقرأ كلام السلف باستقراء شيخ الإسلام ابن تيمية الذي عُرف بسعة الاطلاع وعدم قول قول لا إمام له. يعرض من كتب ابن تيمية أصول الوعد والوعيد والتكفير والتبديع: تُثبت المقالة العامة ولا يُلحق وعيدها بمعين قبل الشروط والموانع، ويُفرق بين حكم الطائفة والقائل، ويُعذر المجتهد طالب الحق، ويُحفظ لأبي الحسن الأشعري والأئمة الأشاعرة ما وافقوا فيه السنة. ثم يطبّق ذلك على البيهقي وابن عساكر والخطابي وابن خفيف، ويلزم الحدّادية بميزانهم نفسه في ابن خزيمة وأبي ثور والهروي.
من يملك أهلية الاستقراء؟
استقراء أقوال السلف لا يقوم على بحث سريع في المكتبة الشاملة، بل يحتاج إلى إحاطة بالنصوص والفرق والتاريخ والتطبيقات وقواعد الحديث. ضرب أبو الفضل مثالًا بابن تيمية، وأشار إلى دراسات كاملة عن موافقته أئمة السلف، وموقفه من الفرق والتصوف والأشاعرة والتكفير، وكل واحد منها احتاج رسائل ومجلدات.
«رفع الملام» وأصل نصوص الوعيد
قرر ابن تيمية أن نصوص الوعيد من القرآن والسنة كثيرة، والقول بموجبها واجب على وجه العموم، لكن لا يعين شخص فيقال: هذا ملعون أو مغضوب عليه أو من أهل النار، ولا سيما إذا كانت له فضائل وحسنات.
لماذا لا يلحق الوعيد كل فرد؟
قد يقع الصديق أو الشهيد أو الصالح في صغيرة أو كبيرة، ثم يمنع العقوبةَ توبةٌ أو استغفار أو حسنات ماحية أو مصائب مكفرة أو شفاعة أو محض رحمة الله. لذلك لا يُحكم على آكل مال اليتيم أو شارب الخمر أو العاق أو آكل الربا بعينه أنه لُعن واستحق النار لمجرد دخول فعله في النص العام.
الطريقان الخبيثان
حدد ابن تيمية طريقين منحرفين: إلحاق الوعيد بكل فرد بدعوى العمل بالنصوص، وهو أقبح من طريق الخوارج والمعتزلة في التكفير بالذنوب؛ أو ترك نصوص الوعيد خوفًا من الطعن في العلماء المخالفين لها، فيؤول ذلك إلى طاعة الأحبار والرهبان واتباع الهوى. الصحيح إثبات النص وحفظ حق المعين.
متى يكون الملام؟
نقل المقطع عن ابن مانع وابن رجب أن المنصف يغتفر قليل خطأ المرء في كثير صوابه، وأن طالب الحق المجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه. الملام على من يجادل بلا علم، أو يقول قولًا لم يسبقه إليه عالم وليس له فيه إمام، أو يجادل بالباطل بعد ظهور الهدى.
أهل السنة لا يكفرون المخطئ المجتهد
بيّن ابن تيمية أن أهل البدع يبتدعون أقوالًا يجعلونها من الإيمان اللازم ويكفرون مخالفيهم، كما تفعل الخوارج والجهمية والرافضة والمعتزلة. أما أهل السنة فلا يبتدعون قولًا ولا يكفرون مجتهدًا أخطأ، ولو كان مخالفه يكفرهم ويستحل دماءهم؛ كما لم يكفر الصحابة الخوارج.
العلم والعدل والرحمة
أئمة السنة وأهل العلم يجمعون ثلاثة أصول: يعلمون الحق فيسلمون من البدعة، ويعدلون مع المخالف ولو ظلمهم، ويرحمون الخلق. ومن يكفر بغير حجة يستحق عقوبة شديدة تزجره وأمثاله عن أعراض المسلمين.
الدفاع عن الغزالي غرض شرعي
في رد ابن تيمية على من أراد تكفير أبي حامد الغزالي، قرر اتفاق المسلمين على عدم تكفير الأئمة، وأن من كفرهم استحق العقوبة الغليظة. وجعل دفع التكفير عن علماء المسلمين، وإن أخطؤوا، من أحق الأغراض الشرعية.
تكفير المسلم أعظم من قتله
إذا كان التكفير على سبيل الشتم شبيهًا بالقتل، فاعتقاده في مسلم معلوم الإيمان أعظم؛ لأن كل كافر يباح قتله وليس كل مقتول كافرًا. وقد يقتل داعية البدعة دفعًا لضرره مع إمكان مغفرة الله له لما معه من أصل الإيمان.
المعتزلة من الأمة بلا ريب
نقل البحث عن ابن تيمية أنه لم يكفر المعتزلة وأمثالهم بإطلاق؛ فمن يقول ببعض التجهم ويتدين بالإسلام باطنًا وظاهرًا من أمة محمد ﷺ بلا ريب، ومن هو خير منهم كالكلابية والكرامية أولى. وهذا يهدم القفز من وصف المقالة إلى إخراج كل قائل من الإسلام.
خلاصة منهج ابن تيمية في الفرق
يرجع اضطراب المتأخرين إلى عدم التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين. ويقوم الحكم على المنتسب للفرقة على الشروط والموانع، وعلى التفريق بين حكم الطائفة أو المقالة وحكم القائل. من دخل الإسلام ولم يكن منافقًا لا يخلد في النار، ومن قصد الحق فأخطأ يُرجى له العفو، ولا يُشهد لمعين من أهل البدع بجنة أو نار.
من هم أهل السنة في كلام ابن تيمية؟
قال إن أهل السنة والجماعة يشملون الصحابة والتابعين وأئمة السنة وأهل الحديث وجماهير الفقهاء والصوفية ومحققي أهل الكلام، واتفقوا على أن الإيمان قول وعمل. فهذا تعريف أوسع من حصر السنة في جماعة رقمية متأخرة.
تكفير أحمد للجهمية وتطبيقه العملي
أطلق أحمد والأئمة عبارات التكفير العام، لكنهم لم يكفروا أكثر الأعيان الذين قالوا بها. دعا أحمد للخليفة ومن ضربه وحبسه واستغفر لهم وحللهم؛ ولو كانوا مرتدين لم يجز الاستغفار. وما نُقل من تكفير أعيان يُحمل على قيام الشروط وانتفاء الموانع فيهم.
جهل النص أو تأويله
من آمن بالله ورسوله ولم يعلم بعض ما جاء به، لأنه لم يسمعه أو وصله بطريق لا يوجب التصديق أو اعتقد معنى آخر بتأويل يعذر فيه، له من الإيمان ما يثيبه الله عليه، ولا يكفر بما لم تقم عليه حجته. وثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن من الخطأ في الدين ما لا يكفر ولا يفسق ولا يأثم صاحبه.
بماذا نبل الأئمة؟
نبل أحمد والشافعي وإسحاق والبخاري ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة عند الأمة باتباع الحديث والسنة، وما تكلم فيه من تكلم إلا لمواضع لم تبلغه فيها النصوص أو اختلف فهمه لدلالتها أو رجح غيرها.
لماذا قُبل الأشعري وأصحابه؟
استقرأ ابن تيمية أن الكلابية والكرامية والأشعرية قُبلوا عند عموم الأمة لما أثبتوه من أصول الإيمان والنبوة، ولردهم على المشركين وأهل الكتاب والجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية. ومن أحب الأشعري من العلماء أحبه لما وافق فيه السنة ودافع عنها.
حق الأشعري وقدره
وافق أبو الحسن السنة في الصفات والقدر والفضائل والإمامة والشفاعة والحوض والميزان والصراط، ورد على فرق الضلال، فامتاز عن شيوخه المعتزلة وعُرف حقه وقدره. وموافقته هذه هي التي منحت مذهبه القبول والاتباع.
تعزير لاعن الأئمة الأشاعرة
نقل ابن تيمية عن العز بن عبد السلام أن من لعن العلماء الأئمة الأشعرية عُزر وعادت اللعنة عليه، وفسر ذلك بأنهم نصروا أصول الدين ووافقوا القرآن والسنة وردوا مخالفيهما. وظل الحنابلة والأشاعرة متفقين زمنًا حتى الفتنة القشيرية.
الأشعري أقرب من متأخري أصحابه
كان أبو الحسن أقرب إلى أحمد وأئمة السنة من كثير من أتباعه، وكان الباقلاني أقربهم إليه؛ ثم ابتعد الجويني والغزالي عن بعض طريقتهما. ومع ذلك لا يُعظم المتأخرون إلا بما وافقوا فيه السنة، ولا يرد خطؤهم مع جحد علمهم كله.
الدولة السلجوقية والجويني
ذكر ابن تيمية أن السلاجقة هزموا الرافضة وسيطروا على الشام والعراق، وكان فيهم وزير كنظام الملك وعالم كأبي المعالي الجويني. نالوا مكانتهم بما أقاموه من السنة وردوه من البدعة، مع بقاء المؤاخذات على عقيدتهم.
الأشاعرة أقرب من بعض الظاهرية والحنابلة
قال ابن تيمية إن الأشاعرة أقرب إلى السلف والأئمة وأهل الحديث من بعض الظاهرية. وما يوجد في كتبهم مخالفًا لأحمد يوجد أبعد منه في كلام منتسبين إلى أحمد كابن عقيل وابن الجوزي، بينما كان التميميون والباقلاني والبيهقي أقرب إلى السنة من متأخري الأشاعرة الذين مالوا إلى المعتزلة والفلاسفة.
الولاية والثواب بحسب الإيمان
أهل السنة يثبتون التبعيض في الاسم والحكم: قد يكون مع الرجل بعض الإيمان، وله من ولاية الله وثوابه بحسب ما معه من الإيمان والتقوى، ومن العقوبة بحسب ما معه من المخالفة. فلا يتحول الخطأ الواحد إلى ممحاة لكل حسنة.
المتأول المخطئ
المتأول الذي أخطأ في مسألة خبرية أو عملية، وخالف نصًا أو إجماعًا قديمًا وهو لا يعلم، يشبه المفتي أو القاضي المخطئ في اجتهاده: يثاب من جهة قصد الطاعة، ولا يثاب على الخطأ، ويعفى عنه. وقد ينضم إلى الخطأ تفريط أو هوى أو عناد بعد الحجة فيتغير الحكم، ولذلك يلزم التفصيل في الأشخاص.
ابن كلاب والأشعري مسلمان ظاهرًا وباطنًا
نص ابن تيمية على أن ابن كلاب كان مسلمًا باطنًا وظاهرًا، فاضلًا جليل القدر، أحسن في رد الجهمية والمعتزلة والرافضة وأخطأ في بعض المواضع. وكذلك الأشعري كان مسلمًا باطنًا وظاهرًا وأظهر من الردود أكثر منه.
لماذا لُقب الأشعري بإمام السنة؟
في البلاد التي لا تعرف في العقليات إلا قوله وأقوال المعتزلة والفلاسفة، كان الخروج عنه خروجًا إلى ما هو أبعد عن السنة، فلقب بإمام السنة بهذا الاعتبار؛ وإن بقي في قوله ما يخالف السنة عند علماء أوسع اطلاعًا.
طوائف منتسبة إلى السنة والجماعة
في «الصفدية» سمى ابن تيمية الأشعرية والكرامية والسالمية طوائف منتسبة إلى السنة والجماعة، توجب الإسلام وتحرم غيره وترد الخوارج والشيعة والقدرية والجهمية. وفرق بينها وبين الفلاسفة الذين يسوغون التدين بأديان مختلفة.
لا انتصار مطلق إلا للرسول والصحابة
ذكر أن أتباع المذاهب يخلطون بمذاهب أئمتهم أصولًا كلامية ثم ينسبونها إليهم. والواجب توحيد الله وطاعة الرسول واتباع الحق أين وُجد، فلا انتصار مطلق لشخص إلا النبي ﷺ، ولا لطائفة إلا الصحابة؛ لأن الدين ليس مسلمًا إلى عالم واحد وأصحابه.
لا تكفير للفرق الاثنتين والسبعين كلها
قال إن الصحابة والتابعين لم يكفروا الخوارج، وإن من كفر الفرق الاثنتين والسبعين جميعًا خالف الكتاب والسنة وإجماعهم. وحديث دخول الفرق النار لا يوجب الشهادة على كل معين؛ فقد يتوب أو تمحو حسناته سيئاته أو تكفرها المصائب.
مدح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون
من عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضًا، ومن مدح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون. فقد يتبين لإمام أن قولًا تكذيب للرسول فيكفر قائله، ولا يتبين ذلك لغيره؛ فلا يلزم من تكفير العالم لحال علمها أن يكفر من لم يعلمها.
شعار أهل البدع ترك انتحال السلف
قرر ابن تيمية أن الطوائف المشهورة بالبدعة لا تنتحل اتباع السلف، وأشهرها الرافضة. أما الكلابية والكرامية والأشعرية مع الفقهاء والصوفية وأهل الحديث فلا يطعنون في السلف في الجملة، ويوافقونهم في أكثر جمل المقالات؛ وكلما كان الرجل أعلم بالحديث كان أعلم بمذهب السلف وأتبع له.
موقف ابن تيمية العملي من الأشاعرة
شهد تلميذه ابن قاضي الجبل بأن دعوى تحامل ابن تيمية عليهم باطلة؛ فقد كان يعظم أبا الحسن الأشعري والباقلاني، ويبجل الجويني، ويثني على الغزالي ويتعجب من حسن عبارته، مع رده أخطاءهم وإثبات رجوع الغزالي إلى الحديث في آخر عمره.
ابن خفيف والأشاعرة من شيوخ التصوف
عد ابن تيمية شيوخ الصوفية الكبار كالفضيل والجنيد وسهل التستري ومحمد بن خفيف من أهل السنة والحديث، مع أن بعض المتأخرين منهم أخذ بطريق أهل الكلام في بعض الفروع. فالنسبة الجزئية لا تمحو الأصل السني.
تعظيم أبي الثناء الأصبهاني
لازم أبو الثناء الأصبهاني الأشعري ابن تيمية وسمع مصنفاته، وكان الشيخ يعظمه لعلمه حتى قال لجلسائه: اسكتوا لنسمع كلام هذا الفاضل الذي ما دخل البلاد مثله. لم يمنع خلافه العقدي من الاعتراف بفضله.
البيهقي وابن عساكر والخطابي
وصف العلماء البيهقي بالإمام الفقيه الحافظ شيخ الإسلام، وابن عساكر بالإمام الحافظ الكبير محدث الشام، والخطابي بالإمام المجمع على إمامته وأحد أوعية العلم. انتساب بعضهم إلى الأشعرية أو وقوعهم في التأويل لم يجعل ابن تيمية يسميهم جهمية ولا يسوغ تكفيرهم.
اختبار أبي ثور وابن خزيمة
قال الخليفي: علماء الحديث بدعوا أبا ثور ولم يبدعوا ابن خزيمة، ونحن نلزم الأدب معهم وإن لم ندرك الفارق. يطالب أبو الفضل بثبات هذه القاعدة، ويذكر أن تبديع أبي ثور نفسه ليس اتفاقًا، وأن أحمد أثنى عليه، وأن عادل آل حمدان ذكر احتمال توبته وبراءته.
الهروي وإلزام آخر
وقع الهروي في الحلول الخاص والجبر وأخطاء أخرى، ومع ذلك لم يبدعه الخليفي بينما يبدعه بعض أتباعه ويسلبونه لقب شيخ الإسلام. فإذا كانت كل زلة تكفي، فلماذا استثني الهروي؟ وإذا كان العلماء حفظوا إمامته، فالميزان نفسه يُطبق على غيره.
لماذا لا يقلد طالب العلم إمامًا في الجرح؟
لو فتح باب التقليد في تجريح الأعيان، قلد شخص مالكًا في ابن إسحاق، وآخر ابن إسحاق في مالك، وآخر النسائي في أحمد بن صالح، أو ابن معين في الشافعي، أو أبا حاتم وأبا زرعة والذهلي في البخاري ومسلم. عندها لا يسلم إمام.
النتيجة
الكلام في الأعيان فرع من علم الجرح والتعديل، وله قرائن وشروط تحتاج سنوات من الدراسة. واستقراء ابن تيمية جمع النصوص والتاريخ والتطبيق والعدل، بينما القاعدة الجديدة التي تستخرجها مقاطع المنصات ثم تتغير من اسم إلى آخر ليست استقراءً للسلف.
فيديوهات أُخرى
