أسئلة عن الحدّادية وضوابط التكفير: لماذا الدفاع عن الأئمة؟
أهمُّ ما جاء في الفيديو
هذا بثٌ حواري مطول استضاف الشيخ أبا الفضل المصري وعددًا من المتحدثين، وتركزت أسئلته على خطر الحدّادية، وسبب الدفاع عن النووي وغيره من الأئمة، وضوابط التفريق بين القول الكفري وقائله، والعذر بالجهل والتأويل، ومنزلة العلماء، وكيف يتعامل غير المتخصص مع الشبهات المنتشرة في الإنترنت.
لماذا الانشغال بالحدّادية مع وجود خصوم آخرين؟
يجيب الشيخ أبو الفضل بأن ترتيب الردود لا يبنى على مجرد كون الخصم أقرب إلى الإسلام أو أبعد، بل على توصيفه الشرعي وحجم خطره في وقت معين. ويضرب مثالًا بانشغال علي رضي الله عنه بقتال الخوارج مع عدم تكفيره لهم، مع وجود خصوم من غير المسلمين؛ لأن خطر الخوارج على جماعة المسلمين كان حاضرًا.
ويرى أن الخطر الذي يناقشه هنا يمس الطريق الذي وصلت به الشريعة: فالروافض يطعنون في الصحابة، والنواصب في بعض حملة الرواية، والغلاة المعاصرون في طبقات علماء الحديث والفقه. فإذا أُسقط النووي وابن حجر وأبو حنيفة والخطيب والبيهقي وغيرهم، انقطع اعتماد الناس على شروح الحديث وقواعد الرواية والفقه التي نقلتها هذه الطبقات.
ويعرض نشأة الاسم من محمود الحداد، الذي قرأ في كتب العلماء بلا شيخ ثم أخذ يطعن في أئمة من الفقه والحديث، فأنكر عليه علماء أهل السنة وسموا منهجه حدّاديًّا. ثم يقول إن بعض المعاصرين تجاوزوا غلوه في التبديع إلى التكفير أو اتخاذ التبديع طريقًا إليه.
هل النزاع كله من أجل شخص النووي؟
يرفض المتحدث اختزال القضية في عاطفة تجاه شخص. فالنووي مات وأفضى إلى ما قدم، وإنما النزاع ـ في عرضه ـ حول منهج الحكم على العلماء. وقد وضع المحدثون علم الجرح والتعديل بقواعده، ولم يجعلوا جرح الأئمة متاحًا لكل عامي أو مقلد، ولا قبلوا كل جرح لمجرد أنه مفسر من غير نظر في أهلية الجارح ومعارضاته.
ويقول إن العلماء جمعوا الأقوال في الرجال، ونظروا في تعارض الجرح والتعديل، وحملوا بعض أحكام المتقدمين على سياقاتها، ثم استقر عبر القرون وصف النووي وابن حجر وأبي حنيفة بالإمامة. فتجاوز هذا العمل المتراكم إلى إطلاقٍ قديم أو جرح منفرد يشبه ـ في رأيه ـ تجاوز الخوارج فهم الصحابة إلى تنزيل النصوص المطلقة مباشرةً على الأعيان.
ولهذا يطالب منتقدي هؤلاء الأئمة بذكر إمام معتبر سار على منهجهم في إسقاط النووي ومن بعده، لا بمجرد الاستناد إلى رسالة صغيرة أو عالم مختلف في منزلته. ويكرر تحديًا: اختاروا عدول الأمة ومجدديها من القرن السابع إلى اليوم، ثم بينوا ماذا قالوا في العلماء المختلف عليهم.
كيف يُتعامل مع خطأ العالم في العقيدة؟
يقرر المتحدث أن كثيرًا من أئمة السلف والخلف قالوا أو فعلوا ما هو بدعة، ولا يعني ذلك اتباعهم في الخطأ. لكنه يفرق بين الحكم على المسألة والحكم على الشخص: قد يكون القول كفرًا أو بدعة، ثم لا يلزم أن يكون قائله كافرًا أو مبتدعًا لقيام الجهل أو التأويل أو غيرهما من الموانع.
ويضرب مثالًا بابن خزيمة وأبي ثور في تأويل حديث الصورة؛ فقد نُقل عن أحمد كلام شديد في أبي ثور، بينما بقي ابن خزيمة إمام الأئمة رغم ورود معنى قريب عنه. وحين سئل الخليفي عن الفرق قال ـ بحسب الفيديو ـ إن بينهما فرقًا وإن لم ندركه؛ فيلزمه هذا الإقرار نفسه باحتمال فرقٍ خفي عند الأئمة الآخرين.
كما يستشهد بحديث الرجل الذي كان يكثر شرب الخمر، فلما لعنه بعض الصحابة قال النبي ﷺ: «لا تلعنوه، فإنه ما علمت يحب الله ورسوله». فاللعن العام للخمر وشاربها لا يقتضي تنزيله على كل شخص بعينه، وهذه صورة عملية للتفريق بين الفعل والفاعل.
ويذكر إلزامات على محمد بن شمس الدين من أقوال ينسبها إليه في القدرة والظلم ومقاتل بن سليمان؛ فلو طُبقت قاعدة إسقاط لازم القول على صاحبه بلا سؤال ولا تفصيل، لأُخرج هو نفسه من السنة. والمقصود عند الشيخ ليس الحكم عليه بذلك، بل إظهار فساد المعيار.
لماذا لا يُكفَّر الخوارج مع شدة النصوص فيهم؟
عندما سأل أحد المعلقين: ما المشكلة في تكفير جميع هؤلاء؟ أجابه المتحدث بسؤال الخوارج. فقد صحت فيهم أحاديث شديدة بأنهم يمرقون من الدين، ومع ذلك لم يكفرهم علي وجماهير الصحابة، وتعاملوا معهم كطائفة مسلمة باغية، ولم يبدأهم علي بالقتال حتى قاتلوا.
ويذكر أن تكفير الخوارج قول منسوب إلى بعض أهل العلم، ونُسب إلى ظاهر تبويب البخاري وإلى بعض المعاصرين، لكن جمهور أهل السنة على عدم تكفيرهم. وحتى من رجح تكفير الطائفة لا يلزمه تكفير كل فرد نُسب إليها؛ فالبخاري روى لعمران بن حطان، ونُسب عكرمة مولى ابن عباس إلى قول من أقوالهم، ولم يثبت بهذا تكفير أعيانهما.
ويستدل أيضًا بحديث في المتخاصمين جاء فيه أنهما «خرجا من الإسلام»، ثم يشرح أن الإسلام قد يطلق على المعنى العقدي، وقد يطلق على كمال السلوك الذي يسلم فيه المسلمون من اللسان واليد. فلا يفهم النص بمجرد ظاهره من غير جمعه بعمل السلف والنصوص الأخرى.
العذر بالجهل: أصل متفق عليه وتفاصيل مختلف فيها
يعرض الشيخ أصلًا جامعًا: لا يوجد عالم من أهل السنة ينكر كل صور العذر بالجهل، وإنما يختلفون في التفاصيل. ويمكن إلزام من ينكر الأصل بأمثلة سيعذر فيها، كما يمكن إلزام المتوسع بأمثلة لن يعذر فيها.
ويقسم المسائل بعد ثبوت أصل التوحيد إلى:
- أمور تنقض تصديق القلب أو انقياده، كالاستهزاء بالله أو رسوله أو الدين، فلا يُتصور فيها العذر نفسه.
- مسائل يقبل فيها الجهل من حيث الأصل، ثم يُنظر: هل العلم بها منتشر في بيئة الشخص؟ وهل يمكن لمثله أن يجهلها؟
- جهل سببه الإعراض وعدم المبالاة بالدين، وجهل سببه عدم البلاغ أو وجود شبهة حجبت الفهم؛ فالثاني هو موضع الإعذار عند تحقق شروطه.
ويؤكد اختلاف المكان والزمان؛ فقد لا يُعذر شخص في بلد انتشر فيه العلم، ويُعذر مثله في قرية نائية لم يبلغها. ويروي من خبرته بالتدريس أن تلاميذ في الصف الخامس لم يعرف أكثرهم اسم النبي ﷺ، وأن بعض عوام المسلمين الكبار لا يميزون مسائل يظن غيرهم استحالة جهلها.
ويستحضر حديث حذيفة عن زمن لا يعرف الناس فيه صلاةً ولا صيامًا وتبقى معهم «لا إله إلا الله» فتنجيهم من النار؛ ليستدل على أن انتشار العلم نفسه قد يتغير. ولذلك يحمل الفتوى العامة لعالم مثل الفوزان على بيئته وسياقها، ويجمعها مع كلامه المفصل في ضوابط التكفير والعذر، ولا يجعل جوابًا مختصرًا ناسخًا لجميع تفصيلاته.
العلم شرط للتوحيد، فكيف يجتمع مع العذر؟
يفسر المتحدث العلم المطلوب في أصل التوحيد بأنه معرفة معنى «لا إله إلا الله»: أنه لا يجوز أن يُعبد إلا الله. وهذا يعلمه جمهور المسلمين. أما الجهل العارض في بعض التفاصيل فلا ينقض هذا الأصل بالضرورة.
ثم يذكر ترتيب النظر: هل المسألة في ذاتها مما يقبل الجهل؟ هل يمكن لمثل هذا الشخص في بيئته أن يجهلها؟ هل كان قادرًا على التعلم؟ هل بلغه النص وفهمه؟ وهل كان طالبًا للهدى أم معرضًا عنه؟ وتنزيل هذه الأسئلة على الأشخاص وظيفة الراسخين في العلم، لا عموم المتابعين.
التأويل والجحود
يفرق الفيديو بين الجهل والتأويل: الجهل غالبًا مع عدم بلوغ النص، أما المتأول فقد بلغه النص لكن قامت عنده شبهة ظنها حجة فلم يفهم المراد. ويستشهد بنزول الرماة من جبل أحد؛ فلم يقصدوا جحود أمر النبي ﷺ، بل ظنوا أن المعركة انتهت وأن التكليف بالبقاء قد انقضى، فكان خطؤهم تأويلًا في باب المعصية لا كفرًا.
ويقول إن التأويل السائغ في لغة العرب إذا وقع في باب يفضي ظاهره إلى الكفر قد يمنع الحكم على الشخص، وإن بقي قوله مردودًا. لكن أبواب التأويل دقيقة، وكان موضعها مجالس العلم، ونقلها إلى جمهور الإنترنت بلا تأسيس يجعل السامع يسيء الفهم ويجعل المتكلم يفترض مقدمات لا يعرفها المتلقي.
قاعدة الاستفصال في الألفاظ المحتملة
نوقشت في البث قصة مسلم قال لنصراني: «محمد ابن الله». فأكد المتحدث أن العبارة في ذاتها كفر إذا أُريدت البنوة الحقيقية، لكن لا بد من سؤال القائل عن مراده وحاله: فقد يسيء التعبير ويريد «حبيب الله»، أو يكون فاقد الإدراك، أو يطلق لفظًا لا يعرف معناه.
ويضرب لذلك أمثلة بمن يقول إن لله «جدًّا» اعتمادًا على «تعالى جد ربنا»، أو إن لله «أهلًا» اعتمادًا على «أهل القرآن أهل الله»، أو «عيالًا» متأولًا أثرًا مشهورًا. لا يقر هذه الألفاظ المجملة، لكنه يسأل أولًا ليصحح المعنى بدل أن يبني التكفير على لفظ محتمل.
ويشير إلى سؤال النبي ﷺ لمعاذ عن سجوده، وإلى استفصاله من حاطب في كتابه إلى قريش. فالسؤال عن القصد ليس عذرًا مفتوحًا لكل قائل، بل أداة لمعرفة هل تحقق المعنى الكفري أصلًا.
طبقات الأشاعرة والصوفية
ينفي المتحدث أن يكون دفاعه تعظيمًا مطلقًا للأشاعرة والصوفية. فهو يفرق بين طبقات المنتسبين: الجنيد لا يساوي ابن عربي، والبيهقي وأبو الحسن الأشعري لا يساويان الرازي قبل توبته. كما يفرق بين تحرير المسألة وبين الحكم على الشخص.
فالخطأ يُبيَّن سواء صدر من سلفي أو أشعري أو صوفي، لكن الحكم على المعين يتوقف على حاله وطلبه للهدى وحكم أهل العلم عليه. وإذا ثبت عند العلماء أنه مبتدع عومل بما قرروه من التحذير والهجر والعقوبة بحسب التفصيل، من غير أن يتحول الدفاع عن عدم تكفيره إلى دفاع عن بدعته.
من هو العالم الذي يُرجع إليه؟
يعرض البث قاعدة «العالم يعرفه العلماء». فصفات المجتهد مدونة في أصول الفقه، لكن العامي لا يملك اختبارها بنفسه، ولذلك يسأل من يثق بدينه وعلمه عن عالم متخصص. ويُعرف العالم بشهادة شيوخه وأقرانه، وطول ملازمته للعلماء، ومؤلفات يثني عليها أهل العلم، وطلاب نابغين، وأثر صالح.
كما يشترط أن تظهر عليه خشية الله، وألا يتصدر لمسائل لم يُسبق إليها. فمن ادعى أن الأمة ضلت ثمانية قرون في تعظيم أئمتها حتى جاء هو بالحق، خالف وعد بقاء العدول والطائفة المنصورة. ويستشهد بقول الشاطبي: من استأنس من نفسه العلم ولم يشهد له العلماء فليس بعالم.
أما العامي الذي بذل وسعه وسأل عن العالم ثم اتبع فتواه، فإثم الخطأ على من أفتاه بغير ثبت. ويذكر الحديث في الرجل المصاب الذي أُفتي بالغسل فمات: «قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا»؛ لتأكيد خطر اقتحام الفتوى بلا أهلية.
هل يكفي أن يقول المتصدر: قال الله وقال الرسول؟
يحذر أحد المتحدثين من أن مجرد الاستدلال بآية أو حديث لا يثبت صحة الفهم؛ فالخوارج الأوائل احتجوا بالقرآن، ثم بيّن ابن عباس خطأ تنزيلهم. وفهم ألفاظ السلف يحتاج كذلك إلى معرفة اصطلاحاتهم؛ فكلمة «النسخ» عند بعضهم أوسع من اصطلاح المتأخرين، ولفظ «أكره» عند أحمد يحتاج إلى تحرير مراده.
والقول: «معي القرآن والحديث ولا يهمني من خالف» قد يجعل غير المؤهل يحاكم أئمة الأمة إلى فهمه الشخصي. لذلك لا يستقل المسلم بفهم النصوص وتطبيقها على الأعيان بعيدًا عن أدوات العلم وتفسير العلماء.
ماذا يفعل المتابع أمام قنوات الشبهات؟
يقسم الشيخ جمهور المتصدر المختلف فيه إلى ثلاثة:
- من يعتقد أنه ظالم أو كاذب على الأئمة، فيدخل عنده في النهي عن الجلوس مع الظالمين.
- من يراه محقًّا، فيُسأل: أي العلماء شهد له ووافقه، ولماذا ترك سؤال الكبار؟
- من هو متشكك، وهو أولى الناس بالإعراض؛ لأنه لا يملك أدوات التمييز بين الردود.
وينصح العامي بأن يسأل أهل الذكر في كل نازلة ثم ينشغل بعبادته وكسبه، وينصح طالب العلم أن يلازم العلماء حتى يتحصن. ويشبه القلوب بالإسفنج الذي قد يتشرب الشبهة فلا يستطيع إخراجها، فلا يعرض المرء نفسه لمناظرة لا يطيقها.
الهروي وتكفير الأشاعرة
سأل متابع سابق لابن شمس عن كلمة منسوبة للهروي: «السلفي لا يرث الأشعري، والأشعري لا يرث السلفي». فأجاب المتحدث بأنها تُحمل على التغليظ لا على منهج عملي عام؛ لأن ابن تيمية نقل اتفاق المسلمين على عدم تكفير الأشاعرة، وابن باز وابن عثيمين لم يعرفا عن السلفيين تكفيرهم مطلقًا.
ويستدل بسلوك الهروي نفسه؛ فقد وصف شيخه أبا ذر الهروي، المنسوب إلى الأشعرية، بالصدق. فلو كان يحكم بكفر كل أشعري ولوازمه في الميراث والصلاة، لظهر ذلك في معاملته لعلمائهم.
خلق القرآن وإنكار العلو
يفرق المتحدث بين القول والقائل في هاتين المسألتين. فجمهور العلماء على أن القول بخلق القرآن كفر، وإن ذكر السجزي وغيره خلافًا في كونه أكبر أو أصغر. وإنكار علو الله عنده كفر من جهة الحكم على المسألة. لكن الإمام أحمد ـ وفق استقراء ابن تيمية الذي يعرضه الفيديو ـ كفّر بعض أعيان الجهمية ولم يكفر بعضهم.
ويذكر أن بعض الحنابلة المتأخرين فرقوا بين الداعية والمقلد؛ وهو في نفسه إقرار بعذر طائفة من القائلين. كما يستحضر سؤال عائشة: «هل كل ما يكتم الناس يعلمه الله؟» وإجابة النبي ﷺ لها، وطلب بعض الصحابة ذات أنواط، وقصة حاطب؛ لبيان أن وضوح أصل المسألة لا يلغي البحث في علم السائل وقصده وتأويله.
النتيجة العامة للبث
يخلص الحوار إلى أن حماية العقيدة لا تكون بإلغاء ضوابط الحكم على الناس، والدفاع عن الأئمة لا يعني تصحيح أخطائهم. الواجب بيان القول الباطل، ثم ردّ أمر المعيّن إلى أهل العلم بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، وجمع كلام العلماء المجمل والمفصل، وعدم استخراج العقائد والأحكام من مقاطع قصيرة متفرقة.
كما يكرر المتحدثون أن الشاب غير المؤهل لا يدخل مناظرات التكفير والتبديع، بل يتعلم أصل الدين على العلماء المعروفين، ويعرض الشبهة على أهل الاختصاص. فالغاية المعلنة ليست تكثير الخصومات، وإنما منع نقل مسائل الأئمة الدقيقة إلى ساحة عامة يحكم فيها كل متابع على إسلام العلماء والناس.
فيديوهات أُخرى
