الرد الأثري على الحدادية: ستة معالم يشرحها عبد القادر البكور

عابر السبيل 25 ديسمبر 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يقدم الشيخ عبد القادر البكور درسًا تأصيليًا مطولًا في نقد الفتنة التي ينسبها إلى عبد الله الخليفي ومحمد بن شمس الدين. يبدأ بتاريخ محمود الحداد وتحذير ابن باز والألباني وابن عثيمين منه، ثم يبني الرد على ستة معالم: تحرير مذهب السلف من مجموع أقوالهم وسياقاتها، ومراعاة المصالح والمفاسد، وثبات الحق في مقابل تطور الغلو، والتفريق بين الحكم العام والمعيّن، وحفظ فضل الأئمة مع بيان خطئهم، ولزوم الطريق المعهود عند علماء السنة.

لماذا انتقل من الإشارة العامة إلى الرد المفصل؟

يقول البكور إنه كان يؤثر صرف الوقت إلى تعليم المسلمين وطلاب العلم، ولا يتناول فتنة محمد والخليفي إلا بإشارات عامة. لكنه رأى انتشارها بين الشباب، وغلبة السجال غير المؤصل على بعض الردود، وتشويه صورة أهل السنة، والحاجة إلى حصانة فكرية ونصيحة المتأثرين ورؤوس التيار؛ فاختار بيان الأصول بدل ملاحقة كل مقطع.

محمود الحداد والمراحل التي انتهى إليها

يعرض الشيخ مسار محمود الحداد: بدأ بتبديع النووي وابن حجر والدعوة إلى إحراق شرحيهما للصحيحين، ثم منع الترحم على أبي حنيفة وابن الجوزي، ثم طعن في ابن باز والألباني وابن عثيمين، ووصل-بحسب عرضه-إلى اللمز في ابن تيمية وابن القيم بل وفي تفريق الإمام أحمد بين الداعية إلى البدعة وغيره.

الاسم لا يحسم حقيقة المنهج

يعلق البكور على تبرؤ محمد بن شمس الدين من اسم الحدادية بأن العبرة ليست بالانتساب اللفظي، بل بمطابقة الأصول والنتائج. فإذا تبرأ الشخص من جماعة ثم سار على طريقتها في تبديع الأئمة والطعن فيمن يدافع عنهم، لم يغير رفض الاسم حقيقة التشابه.

اللجنة الدائمة ومكانة المتأولين من الأئمة

ينقل فتوى وقعها ابن باز وعبد الرزاق عفيفي وعبد الله بن غديان في الباقلاني والبيهقي وابن الجوزي والنووي وابن حجر. وتصفهم-كما يقرأها-بكبار علماء المسلمين الذين نفع الله بعلمهم، وتترحم عليهم، مع بيان أنهم أخطؤوا في تأويل بعض الصفات وخالفوا السلف في ذلك.

الألباني يعد طريق الحداد طريقًا إلى الخروج

يعرض جوابًا من سلسلة «الهدى والنور» سُئل فيه الألباني عن أتباع الحداد الذين يمرون على بعض الناس ولا يسلمون، فنقل عنه وصف مسلكهم بأنه طريق الخوارج. والغرض عند البكور إثبات أن علماء العصر أدركوا هذه الظاهرة وحذروا منها صراحة.

ابن عثيمين يرد على دعوة إحراق كتب النووي وابن حجر

يقرأ البكور مقطعًا مطولًا من شرح الأربعين النووية: يقرر فيه ابن عثيمين أن النووي وابن حجر حافظان موثوقان لهما قدم صدق وقبول في الأمة؛ فقول النووي في بعض الصفات بدعة، لكنه متأول لا يوصف بالابتداع، وابن حجر تردد بين طريق السلف والتأويل، فلا تقبل أخطاؤهما ولا يقدح فيهما.

غيبة العالم تتجاوز شخصه إلى ما يحمله

ينقل عن ابن عثيمين التحذير من التسرع في اغتياب العلماء؛ لأن إسقاط الثقة في شخص العالم يصد الناس عن الشريعة التي يحملها. ويذكر تمنيه أن يكون له كتاب مثل «رياض الصالحين» وضع له القبول في الأرض، ليقابل بذلك دعوة إحراق مصنفات صارت في مساجد المسلمين.

المعلم الأول: مذهب السلف لا يؤخذ من جملة منفردة

يقرر البكور أن كلام السلف بحر واسع، وأن نسبة قول إلى إمام واحد تستلزم جمع كلامه في المسألة وتأليف نصوصه، فكيف بنسبة مذهب كامل إلى آلاف الأئمة. وأخذ عبارة واحدة ثم إعلانها «قول السلف» عنده كذب على السلف ولو صحت العبارة عن قائلها.

الإمام أحمد والجهمية بين الإطلاق والتطبيق

يذكر أن عن أحمد عبارات شديدة في الجهمية: لا يصلى خلفهم ولا يسلم عليهم. ثم ينقل عن ابن تيمية أن أحمد ترحم على خلفاء وقضاة قالوا بخلق القرآن وامتحنوا الناس عليه، لأنه رأى أنهم تأولوا وقلدوا ولم يتبين لهم أنهم مكذبون للرسول. ويستدل بأن التطبيق العملي يفسر الإطلاق العام.

قول الشافعي لحفص الفرد

يعرض قول الشافعي لحفص الفرد حين قال بخلق القرآن: «كفرت بالله العظيم»، ثم يقرر-نقلًا عن ابن تيمية-أنه لم يحكم بردته بمجرد العبارة ولم يسع في قتله، بل فرق بين بيان كفر المقالة والحكم على صاحبها بعد قيام الحجة.

السياق الزمني: «لفظي بالقرآن مخلوق»

يضرب مثالًا بإنكار أحمد على من قال إن لفظه بالقرآن مخلوق، ثم استعمال البخاري عبارةً قريبة في بيان خلق أفعال العباد. ويوضح أن أحمد أغلق بابًا استغله الجهمية في زمنه، بينما واجه البخاري بعد ذلك قول من يجعل حركة لسان القارئ وصوته غير مخلوقين؛ فلا تجمع العبارتان آليًا لإخراج البخاري جهميًا.

السياق العلمي: تارك الصلاة وحديث الصورة

يذكر قول إسحاق بن راهويه إن من لا يكفر تارك الصلاة مرجئ، ويبين أنه كان يخاطب من بنى ذلك على أصل الإرجاء، لا كل إمام استدل بأدلة أخرى؛ وإلا دخل مالك والشافعي وأبو حنيفة ورواية عن أحمد في الإرجاء. وكذلك لم يقل العلماء إن ابن خزيمة جهمي مع اختياره في حديث الصورة قولًا اشتد أحمد على قائله.

متى يثبت أن القول مذهب للسلف؟

ينقل عن يوسف الغفيص طريقين: استفاضة النقل من غير ظهور منازع معتبر، أو نص عالم جامع كابن عبد البر أو ابن تيمية على انعقاد الإجماع. أما قول فرد-مهما علا قدره-فيبقى قوله حتى يثبت اجتماع السلف عليه.

الأعيان ليست أحكامًا عامة

يوضح أن جواب عالم عن جماعة محددة يعرف حالها قد يأتي بلفظ شديد، فلا يجوز اقتطاعه ليشمل كل من انتسب إلى الاسم نفسه في كل زمان ومكان. ويرى أن كثيرًا من كلام أحمد في أعيان الزنادقة والجهمية حُوّل إلى قاعدة مطلقة بلا مراعاة للمخاطبين.

انقل ألفاظ السلف ولا تنسب إليهم فهمك

يحذر من نقل المعنى الذي فهمه المتأخر ثم وضعه على لسان الإمام. كما يحذر من تنزيل أقوال السلف منزلة النص المعصوم وتقديمها على الكتاب والسنة؛ فالسلف أنفسهم يؤخذ من أقوالهم ويرد، إلا ما أجمعوا عليه.

التلفيق بين نصين لإنتاج تكفير لم يقله ابن تيمية

يعرض مثالًا لمن يجمع نسبة إنكار العلو إلى الأشاعرة مع نقل تكفير السلف لمن أنكر العلو، ثم يقول إن ابن تيمية كفر الأشاعرة. ويقابل ذلك بنصوص صريحة يقول فيها ابن تيمية لأكابر الأشاعرة إن القول كفر، لكنه لا يكفرهم لجهلهم بحقائق الدين، ويفرق بين الإطلاق والمعيّن.

المعلم الثاني: مراعاة المصلحة والمفسدة

يبدأ البكور بنهي القرآن عن سب آلهة المشركين إذا آل إلى سب الله، وترك النبي قتل المنافقين حتى لا يقال إن محمدًا يقتل أصحابه. ثم يسأل عن مصلحة نبش أقوال مهجورة في الطعن في أبي حنيفة والنووي بعد قرون استقرت فيها إمامتهما.

باب الطعن إذا انكسر لم يقف عند إمام واحد

يرى الشيخ أن التنقص بدأ بالنووي وابن حجر وابن الجوزي والسيوطي، ثم ظهرت لمزات في ابن باز وابن عثيمين والألباني وابن تيمية وابن القيم، وأن المنهج يحمل في داخله قابلية الانتقال إلى أئمة السلف أنفسهم. ويعد السخرية من وفاة السيوطي أو ضربه بالنعال تنقصًا لا بحثًا علميًا.

المبتدئون يفهمون اللوازم التي يسكت عنها المتصدر

يقول البكور إن إلقاء عبارات مثل «الأشاعرة جهمية» و«الجهمية كفار» أمام جمهور مبتدئ مع ذكر النووي وابن حجر يقود المتابع إلى تكفيرهما ولو لم يصرح المتكلم. ويرى أن واجب الشيخ تصحيح الفهم إذا صرح أتباعه بهذا اللازم، لا الاكتفاء بقوله إنه لم ينطق به.

مفاسد عامة للمنهج

يلخصها في تفريق أهل السنة، وعقد الولاء والبراء على مسائل لا تستحقه، وإشغال العلماء والدعاة عن ثغورهم، وإغراق المبتدئين فيما لا ينفعهم، وتنفير الناس من منهج السلف، وتقديم مادة للملاحدة والعلمانيين والخصوم، والطعن في الشريعة عبر الطعن في حملتها، وإنتاج الكبر والعجب.

بين تواضع ابن عثيمين وتعالي المتصدر

يقارن قول ابن عثيمين إنه يتمنى قبولًا لكتاب من كتبه كقبول كتاب النووي، وثناء عبد الكريم الخضير على «المجموع»، بعبارات محمد التي تقلل من شأن النووي. ويرى أن ثمرة المنهج تظهر في اللغة التي يتعامل بها صاحبه مع جبال العلم.

المعلم الثالث: الحق ثابت والغلو يتطور

يقرر الشيخ أن المذاهب الباطلة تتدرج؛ يبدأ أصل فاسد صغيرًا ثم تلزمه لوازم أشد، إما أن يرجع صاحبه أو يلتزمها. ويقارن ذلك بمراحل محمود الحداد، ثم يقول إن مقاطع محمد القديمة تصلح أحيانًا ردًا على كلامه المتأخر.

الكنيسة والأزهر ومقارنة مراتب المخالفين

يناقش قولًا منسوبًا إلى محمد إن إرسال الابن إلى الكنيسة خير من إرساله إلى الأزهر. ويقابله بنص لابن تيمية يقرر أن المؤمن المبتدع خير من اليهودي والنصراني، بل إن من أسلم على يد مبتدع فصار مسلمًا مع بدعة خير من بقائه كافرًا. ويجعل إسقاط مراتب المخالفين علامةً على تصاعد الغلو.

المعلم الرابع: التفريق بين النوع والعين

يشرح أن المخالفة قد تكون كفرًا أو بدعة أو فسقًا، لكن ليس كل من وقع في الكفر كافرًا ولا كل من فعل بدعة مبتدعًا؛ فلا بد من شروط وموانع. وينقل عن ابن تيمية أن نصوص الوعيد والتكفير والتفسيق لا يلزم ثبوت حكمها في المعيّن حتى توجد الشروط وتنتفي الموانع، في الأصول والفروع معًا.

من يقيم الحجة وكيف تقام؟

ينقل عن عبد الله بن جبرين أن المقيم للحجة عالم معترف بعلمه، يفهم الأدلة ودلالاتها ويحسن إزالة الشبهات والإقناع. ويؤكد أن قيامها يختلف بوضوح المسألة وخفائها، وانتشار العلم وندرته، وحال الشخص وزمانه؛ فلا يختزل في إرسال رابط أو قراءة آية.

موانع التكفير: الجهل والإكراه والخطأ والتأويل

يسرد الموانع وما يقابلها: الجهل والعلم، والإكراه والاختيار، وعدم التكليف والتكليف، والخطأ والقصد، والتأويل وانعدامه. ويستشهد بعمار تحت الإكراه، وبالرجل الذي قال من شدة الفرح «أنت عبدي وأنا ربك»، وبقدامة بن مظعون حين تأول آية في شرب الخمر فلم يكفره الصحابة.

الرجل الذي شك في قدرة الله ثم غفر له

يعرض حديث الرجل الذي أمر بإحراقه وتفريق رماده ظنًا أنه ينجو من البعث. وينقل عن ابن تيمية أن اعتقاده كفر إذا قامت الحجة، لكنه كان جاهلًا وخائفًا من الله فغفر له؛ فمن أخطأ من أهل الإيمان في مسألة اعتقاد لا يكون أسوأ منه.

أخطاء بعض السلف لم تخرجهم من الإمامة

ينقل أمثلة: إنكار بعضهم رؤية النبي ربه، وإنكار القاضي شريح قراءة «بل عجبت»، وإنكار بعض الأحرف والقراءات لعدم تواترها عندهم. ويقول إن الأمة أبقت لهم الإمامة، مع أن إنكار الثابت بعد قيام الحجة قد يكون كفرًا.

الشافعي وسعة العذر بالتأويل

يعرض معنى من «الأم» في عدم رد شهادة أهل الأهواء لمجرد تأويل له وجه، وإن بلغ خطؤهم استحلال دم أو مال. ثم يربط ذلك بحديث أجر الحاكم المجتهد إذا أخطأ، ليثبت أن طالب الحق قد يخطئ ولا يصير مبتدعًا.

الفوزان في النووي وابن حجر

ينقل من «المنتقى من فتاوى الفوزان» أنهما لا يوصفان بالبدعة بسبب أخطاء اجتهادية في تأويل الصفات، بل يقال أخطآ ويرجى لهما الغفران بما قدماه من خدمة للسنة، وهما إمامان موثوقان عند أهل العلم.

المعلم الخامس: السابقة والحسنات لا تلغي الخطأ ولا تُهدر

يقرر البكور أن لأهل الفضل مزية فوق العذر العام: حسناتهم وسابقتهم يُغتفر معها ما لا يغتفر لغيرهم. ويستشهد بموسى وبحاطب بن أبي بلتعة وأهل بدر، ثم ينقل عن ابن تيمية أن العالم قد يقع في اجتهاد غير متبع، فلا يُغالى في تصويبه ولا يُهدر دينه وإيمانه.

منهج الوسط عند ابن تيمية وابن القيم

يعرض قول ابن تيمية إن الاعتدال يعظم من يستحق التعظيم ويعطي الحق حقه ويرحم الخلق، فيُحب الرجل من وجه ويذم خطؤه من وجه. وينقل عن ابن القيم أن معرفة فضل الأئمة لا توجب قبول كل أقوالهم، كما أن خطأهم لا يوجب طرح تراثهم والوقيعة فيهم.

الذهبي وابن خزيمة ومحمد بن نصر

يقرأ قول الذهبي في تأويل ابن خزيمة لحديث الصورة: له عظمة في النفوس واتباع للسنة، فيُعذر ولا يهدر. وينقل المعنى نفسه في محمد بن نصر: لو بدع كل إمام أخطأ في مسألة اجتهادية لما سلم كبار الأئمة.

مراعاة البيئة التي غلبت فيها الأشعرية

يفرق-نقلًا عن سفر الحوالي وغيره-بين متكلمي الأشاعرة الذين بنوا المذهب كالفخر الرازي والآمدي، وبين محدث أو فقيه تأثر بجزء منه عن حسن نية أو جهل بعلم الكلام. كما يذكر انتشار الأشعرية قرونًا في المشرق والمغرب، حتى صار الوصول إلى غيرها عسيرًا، وهو سياق معتبر في قيام الحجة.

العذر لا يعني ترك بيان الخطأ

يشدد الشيخ على أن عدم تبديع النووي لا يعني قبول تأويله أو السكوت عنه؛ بل يبين الخطأ وتوصف المقالة بما تستحق، ثم يلتزم العدل في الحكم على صاحبها. كما قد يختلف الحكم على متقدم خفي عليه الدليل ومعاصر وضحت له الحجة.

المعلم السادس: لزوم الطريق المعهود

يختم بأن علماء السنة من ابن تيمية إلى ابن باز، عبر نحو ثمانية قرون، لم يقولوا إن النووي وابن حجر مبتدعان وإن من لم يبدعهما مميع أو مدجن. وقد توجد أقوال تنتقد خطأً للنووي، لكن تركيب المنظومة الكاملة من تبديعه والولاء والبراء عليه لم يعرف-بحسب البكور-إلا عند الحداد ومن سار على طريقه.

الخلاصة

يرد عبد القادر البكور على الحدادية بمنهج لا يتوقف عند الدفاع العاطفي عن إمام، بل يضبط طريقة قراءة تراث السلف: جمع النصوص، وفهم السياقات، والتمييز بين القول وقائله، ومراعاة الشروط والموانع والمصالح، وحفظ سوابق العلماء. ويخلص إلى أن تحويل قول فرد إلى إجماع، وتركيب نصين لإنتاج تكفير، ثم إلزام الأمة بتبديع أئمتها؛ طريق محدث يناقض التطبيق المعروف عن أحمد وابن تيمية وعلماء العصر.