جواب مفصل عن خلق القرآن وتكفير المعيّن وشدة المتقدمين ومنهج الحدادية

عابر السبيل 7 يوليو 2025

أهمُّ ما جاء في الفيديو

يقرأ المتحدث رسالة شاب يسأل بأدب عن أربع إشكالات: هل كفّر السلف كل قائل بخلق القرآن؟ ولماذا يخاطر الأشعري بالانتقال من مذهبه إذا كان متأولًا يريد التنزيه؟ وهل خالف ابن تيمية شدة المتقدمين؟ ولماذا لا يعذر الحدّادية المعاصرون إن كانوا مقلدين لأولئك العلماء؟ ثم يجيب في مجلس طويل يفرق فيه بين القول وقائله، وبين قصد الحق وقيام العذر، وبين اجتهاد العالم وتصدر الجاهل، ويشرح أن الحدّادية منهج انتقائي لا مجرد حكم خاطئ في شخص.

صياغة الأسئلة الأربعة

تبدأ الرسالة بإقرار أن المعتزلة والأشاعرة أرادوا -بحسب تصور السائل- تنزيه الله، وأن السلف حكموا بكفر القول بخلق القرآن مع وجود فضلاء في تلك الفرق. ثم تسأل عن خطر البحث عند الأشعري، وعن احتمال خطأ ابن تيمية وموافقة الأوائل، وعن سبب عذر العلماء السابقين دون المقلدين المعاصرين.

كفر القول لا يعني تكفير كل قائل

يقرر المتحدث أن القول بخلق القرآن كفر أكبر، لكن دعوى أن السلف كفّروا كل من قاله غير صحيحة. فالحكم على المعيّن يأتي بعد استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ولذلك لم يكفّر السلف جميع الجهمية على أعيانهم رغم تكفيرهم المقالة.

الأشعري المقلد وغير المقلد

يقسم المتحدث الأشعري إلى مقلد لا يعرف تفاصيل الأدلة والترجيح، وعالم بالمذهب يرى شبهاته حججًا. فالمقلد لا يملك أصلًا أن يتهم غيره بالتشبيه بلا علم، كما أن طائفة من علماء الأشاعرة اختلفت في صحة إيمان المقلد؛ أما غير المقلد فيطالب بمراجعة الكتاب والسنة وأقوال السلف والعلماء الذين يعظمهم.

الفرقة الناجية في كلام علماء الأشاعرة

يستحضر المتحدث كلام الآمدي في أن الناجية ما كانت على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وبيت اللقاني: «وكل خير في اتباع من سلف». ويقول إن دعوة الأشعري إلى مذهب السلف ليست مخاطرة من خارج مرجعيته، لأن كبارًا من مذهبه جعلوا السلف معيار النجاة.

ليس كل أشعري يقول بخلق القرآن

ينقل من رسالة لأبي الحسن الأشعري ومن كتاب «الإبانة» تقريره أن أمر الله وقوله غير محدث ولا مخلوق، واستدلاله بالتفريق بين الخلق والأمر، ونقله اتفاق من تحمل عنهم الآثار على أن القرآن غير مخلوق. ويستعمل ذلك لدعوة المنتسب إلى الأشعري إلى قول إمامه الأول بدل افتراض إجماع الطائفة على الخلق.

حسن القصد وحده لا يكفي

يفرق الجواب بين إرادة التنزيه وبين العذر الشرعي. فصاحب القصد الحسن قد يعذر إذا لم تبلغه الحجة الرسالية أو بلغته مع شبهة حقيقية تمنع مثله من فهمها؛ أما مجرد القول «أردت التنزيه» مع ظهور الدليل وزوال الشبهة فلا يحول الباطل إلى حق ولا يمنع الحكم.

الحكم على المعيّن لأهل العلم

يكرر المتحدث أن معرفة قيام الحجة وزوال الشبهة ليست وظيفة كل فرد، بل باب للراسخين في العلم الذين يعرفون تفاوت الأشخاص والوقائع. فقد يعذر عالم شخصًا ولا يعذر آخر في المسألة نفسها لاختلاف ما بلغهما وحالهما، كما أن أئمة الجرح أنفسهم متفاوتون في قبول أحكامهم.

البحث عن الحق سبيل النجاة

يرفض تصوير مراجعة المذهب مخاطرة؛ فالبقاء على التقليد من غير بحث قد يكون موضع طعن حتى عند بعض علماء الأشاعرة، بينما من سأل أهل الذكر واجتهد طالبًا الحق كان بين أجر وأجرين إن بلغ رتبة الاجتهاد، أو سقط عنه الوزر إذا قلد عالمًا موثوقًا فأخطأ العالم في فتواه.

هل كان المتقدمون أشد من ابن تيمية؟

يقول المتحدث إن السؤال مبني على قراءة بعض آثار الشدة دون بقية الآثار. فكما قد يوهم جمع نصوص نزع الإيمان عن الزاني أنه مرتد مع أن الحد الشرعي يثبت خلاف ذلك، قد توهم إطلاقات التكفير أن كل معيّن دخل فيها، بينما تكشف المواقف العملية الشروط والموانع.

الإمام أحمد في المحنة

يضرب مثالًا بأحمد الذي كفّر بعض أعيان الجهمية ولم يكفّر آخرين، وخاطب الخليفة بلقبه وهو يعذَّب، وعفا عن جل من آذوه مستشهدًا بأثر الحسن البصري. ويقول إن عدم التكفير هنا لم يكن جبنًا، كما أن التكفير في موضع آخر لم يكن غلوًّا؛ كلاهما حكم تحكمه البينة والضوابط.

ابن تيمية مع علماء الجهمية

يستحضر قول ابن تيمية لعلماء وقضاة من الجهمية: لو قلت أنا قولكم لكفرت، لكنكم عنده جهال لا يكفرون. ويجعل ذلك مثالًا على أن مناظرة العالم لشخص لا تعني آليًّا أنه أقام عليه الحجة الموجبة للحكم؛ فالعالم نفسه يقدر ما بقي من الشبهة.

روايات مالك في قائل خلق القرآن

يجمع الجواب روايات صحيحة أو حسنة عند من صححها: يؤدب القائل ويحبس حتى تظهر توبته، أو يوجع ضربًا ويحبس حتى يموت، أو هو كافر بالله، أو يستتاب وإلا ضربت عنقه. ويقول إن الاقتصار على رواية واحدة يصنع صورة متناقضة، بينما جمع الآثار يكشف تفاوت الأحوال أو دقة التنزيل.

دور ابن تيمية في جمع كلام السلف

يصف المتحدث ابن تيمية بأنه استوعب كلام السلف ومخالفيهم ونظم قواعد أهل السنة، فلم يأت بتساهل يخالف المتقدمين بل جمع مواضع التكفير وعدم التكفير في منهج واحد. ويشير إلى دراسات أكاديمية مطولة في موقفه من الفرق والأشاعرة والتكفير لمن أراد تتبع المادة.

مناظرة ابن قدامة والفخر ابن تيمية

يذكر مراسلة فخر الدين ابن تيمية لابن قدامة في إلزامه بتكفير أهل البدع، ورد ابن قدامة بأن افتراض اختيار بعض الحنابلة لذلك لا يلغي مذاهب أصحاب الشافعي ومالك، وبأن افتراض الكفر لا يثبت الخلود في النار. ويستدل بهذا الخلاف على أن المتقدمين لم يكونوا كتلة على تنزيل واحد.

خطر دعوى مخالفة ابن تيمية للسلف

يحذر المتحدث من فتح باب القول إن ابن تيمية خالف السلف في أصل الأسماء والأحكام؛ لأن من قبله سيستعمل المثال نفسه للطعن في تقريره للصفات أو موقفه من آل البيت. ويؤكد أن شيخ الإسلام تحدى أن يثبت مخالفته لأصول السلف العقدية، وأن خطأه المحتمل في فرع فقهي لا يساوي تأسيس أصل جديد.

لماذا لا يسمى الأوائل حدّادية؟

يجيب بأن محل النزاع ليس مجرد صدور حكم شديد أو خاطئ، بل أهلية صاحبه ومنهجه. العالم الراسخ يملك الاجتهاد في الجرح والتكفير والتبديع، فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر؛ أما غير المؤهل الذي يتصدر للحكم على الأعيان فيأثم ولو أصاب مصادفة، لأن فرضه سؤال أهل العلم.

حديث القضاة الثلاثة

يستدل بالقاضي الذي علم الحق وحكم به فهو في الجنة، وبالقاضي الذي علمه وحكم بخلافه، والجاهل الذي حكم من غير علم فكلاهما في النار. ويجعل الجاهل شاهدًا على أن إصابة النتيجة لا تصحح اقتحام وظيفة القضاء العلمي من غير آلة.

الشدة العلمية ليست حدّادية

يذكر أن في أئمة الجرح متشددين كأبي حاتم الرازي، ولم يسمهم أحد حدّادية؛ لأنهم أئمة يوزن قولهم بأقوال غيرهم. أما الحدّادية فيصفهم بأنهم تصدروا قبل التأهل، وخالفوا أحكام العلماء في أعيان لم يسبق إلى تكفيرهم أحد، وجعلوا ذلك منهجًا متكاملًا.

المعاصرون لا يقلدون الأوائل تقليدًا منضبطًا

يقول المتحدث إنهم ينتقون من أقوال الإمام أحمد ما يوافقهم ويتركون فهم ابن تيمية وابن القيم وابن رجب وابن عبد الهادي وهم أعلم بمذهبه. فإذا اختلف السلف في رجل أخذوا الجرح الذي يريدونه، مع أن المقلد لا يملك الترجيح بين النقاد من تلقاء نفسه.

أبو حنيفة ودعوى الإجماع على الطعن

يرد نسبة إجماع إلى ابن أبي داود؛ لأن أباه أبا داود قال بسند صحيح عنده: رحم الله أبا حنيفة كان إمامًا، ولأن ابن شاهين ذكره في المختلف في توثيقه والطعن فيه. ثم يسوق ثناء العلماء من العصر الحديث إلى القرون المتقدمة ليقول إن اتفاق الأمة المتأخر على الإمامة يمنع اختراع إجماع مضاد.

ماذا نفعل عند اختلاف السلف؟

يقترح ثلاثة احتمالات: قبول كل جرح، فيسقط جل الأئمة؛ أو رد كل جرح، فيضيع التمييز بين السنة والبدعة؛ أو قبول بعضه ورد بعضه بميزان العلم. ويرى أن الثالث هو الواجب، لكنه يحتاج أهلية لا يملكها كل طالب يختار قول الثوري في أبي حنيفة ثم يرفض قول الزهري في البخاري أو ابن معين في الشافعي.

أبو حنيفة ومقاتل والهروي

يضرب مثالًا بما يراه تناقضًا في طريقة خصومه: حكموا على أبي حنيفة بكلام بعض العلماء ولم يقبلوا كتبه في الدفاع عنه، وبرؤوا مقاتل بن سليمان بالرجوع إلى تفسيره مع وجود جرح فيه، وبرؤوا أبا إسماعيل الهروي بنقول من العلماء مع وجود كلام في كتبه. ويسأل عن القاعدة الواحدة التي تفسر اختلاف الطرق.

الخلاصة

يجيب المتحدث بأن كفر القول بخلق القرآن لا يساوي تكفير كل قائله، وأن حسن القصد لا يكون عذرًا إلا مع عدم بلوغ الحجة أو بقاء شبهة معتبرة يقدرها العلماء. وابن تيمية عنده لم يخالف المتقدمين بل جمع أقوالهم ومواقفهم في قاعدة الشروط والموانع. ولا يسمى الأئمة حدّادية لأنهم مؤهلون للاجتهاد، بينما الحدّادية المعاصرون -بحسب نقده- تصدروا قبل العلم وانتقوا من الآثار ما يهدم إجماع الأمة على أئمتها. فالخلاف معهم منهج في مصدر الحكم وأهلية قائله، لا مجرد التساهل أو الشدة في واقعة واحدة.