لماذا ننازع عبد الله الخليفي وغلاة التبديع؟
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يقرأ صاحب قناة عابر السبيل مقالًا بعنوان «ولهذا ننازع الخليفي»، يشرح أن الخصومة مع عبد الله الخليفي وغلاة التبديع لا تُختزل في موقفهم من الإمام أبي حنيفة أو عالم واحد، بل تتعلق بمنهج يجرؤ على كبار المسائل، ويسقط الأكابر، ويهدم شهادة الأمة وتراكمها العلمي، ثم يضع فهم أصحابه في منزلة الوقاية عن السلف. ويختم المقطع بتسجيل لمحمد بن شمس الدين في الإمام النووي يراه صاحب المادة ملخصًا عمليًّا للفكرة التي نقدها المقال.
ريح التبديع والجفاء عند فقد العلماء
يفتتح المقال بالإشارة إلى موجات متكررة من التبديع والتفسيق والشتم بين غلاة التبديع، ثم يستحضر أثرًا عن الإمام مالك يربط قلة الآثار بكثرة الأهواء، وقلة العلماء بظهور الجفاء. ويفسر الجفاء بالغلظة والخشونة التي يحمل عليها الجهل، ويرى أثر فقد العلماء ظاهرًا في جعل الفرية على أهل العلم والفضل والدعوة عادةً دائمة.
ولا يقدم المقال هذه القسوة على أنها مجرد سوء خلق منفصل، بل يجعلها نتيجةً لضعف العلم الذي يضبط الألفاظ والأحكام. فحين يغيب العلماء تظهر جرأة المتصدر على أعراض مخالفيه، ثم يظن الشباب أن كثرة الحديث عن السلف كافية للحكم بصحة فهمه وعدالته.
تقديم النفس وقايةً عن السلف
يعرض الفيديو تسجيلًا لمن يصفه المقال بأحد كبار الطعانين، يقول فيه لأصحابه إن الناس لا يجرؤون على شتم أحمد وسفيان والأوزاعي، فيشتمون السلف من خلال الطعن فيهم هم، ويبشرهم بأن ما وقع عليهم رفعة لدرجاتهم. ويرى كاتب المقال في هذا الكلام تعاظمًا يجعل المتصدر وأصحابه درعًا للأسلاف.
ثم يفكك المقال أثر هذه الفكرة في الشاب: إذا اقتنع بأن صاحب الخطاب من السلف وأنه وقاء لهم، صار كل نقد لفهمه أو نقله أو تنزيله لكلامهم طعنًا في السلف أنفسهم. وحينئذ يستطيع المتصدر أن يرد الاعتراض بالصياح بأن عرضه فداء لعرض السلف، بدل أن يجيب عن صحة الفهم والنقل.
البشارة بالمغفرة والجرأة على حق الله
يضيف المقال أن التسجيل نفسه تضمن تبشير الأتباع بالمغفرة والحلف بأنها قد حصلت لهم، ويستنكر أن يجزم شخص بغفران ذنوب أصحابه. ويرى في ذلك جرأةً على قدر الله وميوعةً علمية شديدة، ولا سيما ممن يكثر اتهام مخالفيه بنقص تعظيم الله وتمييع الدين والتدجين.
فالتناقض عند الكاتب أن الرجل يشدد على غيره في ألفاظ يربطها بتعظيم الله، ثم يتجاوز في حق إلهي لا يملكه أحد، وهو الشهادة لمعينين بالمغفرة. ومن هنا لا يرى المقال الشدة الظاهرة دليلًا على الانضباط، بل يطالب بقياس الأقوال نفسها على حدود العلم والعبودية.
كيف يفتتن الشباب بشعار الآثار؟
يحذر المقال من أن بعض المشتغلين بالعلم رأوا هجرًا لكتب الآثار وبرودةً تجاه المبتدعة، فإذا وجدوا شخصًا ينتسب إلى السلف ويملأ كلامه بنقول كتب الاعتقاد، منحوه ثقةً مطلقة من غير سؤال عن حاله وعدالته وصحة فهمه. ويجعل هذا بابًا عظيمًا من أبواب الافتتان بالخليفي.
فمحبة السلف والغيرة عليهم قد تتحول، عند غياب التثبت، إلى تسليم الرقبة لمن يكثر ذكرهم. وعندئذ يختلط نص السلف بفهم الناقل، ويغدو الاعتراض على الفهم اعتراضًا على النص نفسه، مع أن محل النزاع هو صحة النقل والتنزيل لا مكانة السلف.
النزاع ليس في عالم واحد
يقرر المقال أن الخصومة مع غلاة التبديع ليست لأجل أبي حنيفة أو غيره وحده، ولا لأنهم قدحوا في عالم أخطأ أو زل؛ فمجرد خطأ عالم لا يقام لأجله هذا الخصام. وإنما النزاع في الجرأة على المسائل العظام، والانفلات في تخطئة الأمة، والتهاون بالبناء العلمي الذي إذا انهدم ضاعت الدعوة واستبيح الحق وتصدر الأصاغر.
ويقول إن هذا المنهج يسقط الأكابر ويقيم مكانهم الأصاغر، حتى لا يبقى للناس إلا رؤوس جهال يفتون بغير علم فيضلون ويضلون. كما أنه يقدم تاريخ الأمة وعلماءها ومدوناتها مادةً يشمت بها الخصوم حين يقال إن هذا هو التراث الذي يفخر به المسلمون.
شهادة الأمة وزكاؤها
يجعل المقال جوهر الخصومة دفاعًا عن زكاء الأمة وشهادتها المتتابعة قرنًا بعد قرن. ويقول إن أتباع هذا الخطاب لقنوا السخرية من كلمة «الأمة»، حتى صار بعضهم يتهم أهل السنة بأنهم يعظمون الأمة أكثر من الله، كأن اعتبار حكم علمائها المتراكم عبادة لها من دون الله.
ويرفض الكاتب هذا التصوير؛ لأن القضية ليست جعل الأمة معصومة في كل اجتهاد، بل السؤال عما يبقى من زكائها إذا تعاقبت أجيال العلماء على الثناء على رجل، ثم جاء متأخر فحكم بأن ثناءهم كان ثناءً على مبتدع ضال منحرف. فهدم هذه الشهادة عنده أوسع أثرًا من الحكم على فرد بعينه.
الإمام أبو حنيفة واستقرار حكم العلماء
يطبق المقال الفكرة على أبي حنيفة، فيذكر أن العهد الأول شهد من يقدح فيه ومن يثني عليه، ثم استقر الأمر مبكرًا على الثناء، وتعاقبت الأمة على ذلك جيلًا بعد جيل. ولو كانت هذه الأجيال كلها قد أثنت على ضال، لتوجه الطعن إلى علم الأمة وتمييزها لا إلى الإمام وحده.
ولهذا يقول الكاتب إن النزاع مع الخليفي وأمثاله نزاع في شهادة الأمة المباركة وإجماعها، لا مشاجرة عاطفية حول اسم عالم. فالسعي إلى هدم البنيان الذي تلقته القرون يفتح بابًا لا يقف عند أبي حنيفة، بل ينتهي إلى إسقاط المرجعية العلمية التي حفظت الدين وعلومه.
مقطع محمد بن شمس الدين في الإمام النووي
يختم عابر السبيل بتسجيل يسأل فيه محمد بن شمس الدين: لماذا مدح العلماء الإمام النووي إن كان متلبسًا ببدعة وضلالة وكفر؟ ويقول السائل إن أي جواب سيعود بالطعن في علم هؤلاء العلماء أو فهمهم أو ديانتهم.
فيجيب محمد بأن علماء السلف الحقيقيين، مثل الإمام أحمد، لم يدركوا النووي، وأن كثيرًا ممن جاء بعده كان أشعريًّا أصلًا، أو لم يعرف عقيدة النووي، أو تأثر بشهرته. ويضع صاحب القناة هذا الجواب في نهاية المقال لأنه يراه خلاصةً للفكرة المنقودة: رد شهادة القرون إلى الجهل أو الانحراف أو أثر الشهرة، ثم إبقاء الفهم المتأخر وحده حاكمًا عليها.
الخلاصة
يخلص المقال المقروء إلى أن منازعة الخليفي وغلاة التبديع واجبة عند صاحبه لحماية البناء العلمي وشهادة الأمة من منهج يجعل أصحابه وقاءً عن السلف، ويبشر أتباعه بالمغفرة، ويستثمر محبة الآثار في إسقاط العلماء. فالقضية ليست دفاعًا عن خطأ عالم، بل رفض طريق يخطئ أجيال الأمة ويقيم الأصاغر فوق أكابرها. ويؤكد مقطع محمد بن شمس الدين الأخير هذا المعنى عند عابر السبيل؛ إذ رد ثناء العلماء على النووي إلى الأشعرية أو الجهل بعقيدته أو التأثر بشهرته.
