لعن الدين والكلام على الملائكة وجرح الموطأ: حامد الطاهر يرد على محمد شمس الدين
أهمُّ ما جاء في الفيديو
يجمع حامد الطاهر في هذا البث الطويل ثلاثة مسارات في نقد محمد شمس الدين: يبدأ بعبارته «لعن الله دينًا لا ينتصر إلا بالكذب»، فيعدها تعديًا على دين المسلمين الذين يخالفونه؛ ثم يفحص كلامه في الملائكة، فيفرق بين الصلاح والتفضيل ويرد نسبة الإغداق إليهم استقلالًا؛ ثم يخصص القسم الأكبر للرد على دفاع شمس الدين عن شرحه للموطأ، عارضًا نماذج كاملة من أبواب الحج والتيمم والرواية يقول إنها تُركت بلا بيان. ويختم بتفكيك تعريض شمس الدين بشرح سعيد الكملي، وبالجواب عن استدلاله باختصار شرح الأصبهاني لكتاب التوحيد من صحيح البخاري.
افتتاح البث وتحديد المعركة
بعد الحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والدعاء لأهل غزة، يعلن الطاهر أن غرضه بيان فساد منهج يتسرب إلى ضعاف النفوس، ويقرر أن الرد على شمس الدين عنده ثغر من ثغور الدفاع عن أهل السنة. ويطلب ممن يرى ذلك تضييعًا للوقت أن يترك البث، ثم ينتقل مباشرة إلى مواد مسجلة ومكتوبة لشمس الدين وطلبته.
ويجري في الافتتاح سجال شخصي قاسٍ، فيصف شمس الدين بأنه تابع للألمان ويقف في خصومته ضد أهل الملة الحنيفية. وهذه الأوصاف والاتهامات السياسية حكم صاحب البث على خصمه، لا إثبات مستقل يضيفه هذا الملخص.
الإجماع الصريح والإجماع السكوتي
يعرض الطاهر تعليقًا يتهمه بإنكار الإجماع، فيرد بأن شمس الدين يخلط -في نظره- بين الإجماع الصريح والإجماع السكوتي: ينقل تعريف أحدهما إلى الآخر، ثم يطالب بأسماء أفراد العلماء عند الاحتجاج بالإجماع الصريح، وينسب إلى الشافعي القول بحجية الإجماع السكوتي مع أن القاعدة التي يذكرها الطاهر عنه هي أنه لا ينسب إلى ساكت قول.
ثم يوجه إليه أسئلة محددة: هل انعقد إجماع في القرون الثلاثة على تكفير النووي وابن حجر والسيوطي؟ وهل انعقد على تفسير أثر مجاهد بالصورة التي يتبناها شمس الدين والخليفي؟ ويقول إن هذه المقررات لم يجمع عليها إلا رموز هذا الاتجاه، بل يتهمهم بالطعن حتى في إجماع الأمة على فرضية الصلوات الخمس والزكاة وبقية المباني بعد الشهادتين.
عبارة «لعن الله دينًا لا ينتصر إلا بالكذب»
يشغل الطاهر مقطعًا يقول فيه شمس الدين: «لعن الله دينًا لا ينتصر إلا بالكذب»، ويؤكد فيه أنه يكرر ما قاله. ويرى الطاهر أن العبارة ليست مجرد سب لشخص، بل لعن لدين المخالفين المسلمين الذين يقرون بالله ربًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولًا وبالقرآن كتابًا.
ويذكّر بأن هذه -في عرضه- ليست المرة الأولى؛ فقد سبق أن رد عليه في عبارة مماثلة، ثم يقول إن أتباع شمس الدين قلبوا القضية واتهموا الرادين عليه بالتكفير بدل مساءلته عن لفظه. ويشنع على تعليم المتابعين ألفاظ «قاتلك الله» و«قبحك الله» و«لعنك الله»، ويسأل: هل نقل هذا الأسلوب عن الإمام أحمد أو ابنه عبد الله أو تلامذته؟
لوازم العبارة في فهم الطاهر
يفسر الطاهر لعن دين المسلم بأنه يتناول عناصر اعتقاده: ربه ونبيه وكتابه وإيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر. ويستشهد بحديث «لعن المسلم كقتله»، ويقرر أن اللعن دعاء بالطرد من رحمة الله.
وينبه في الوقت نفسه إلى أنه لا يحكم هنا بكفر شمس الدين، بل يذكر أن في لعن الشخص كلامًا عند الشافعية قد يبلغ بصاحبه مخرجًا خطيرًا، ثم يفصل بين نقل الرأي وتنزيل حكم التكفير على معين. وينكر أن يصير كل من رد على شمس الدين خارجًا من الإسلام أو مستحقًا للعن.
أبو الحسن وأبو عمر والطاهر داخل دائرة المخالفين
يذكر الطاهر الشيخ أبا الحسن وأبا عمر الباحث ونفسه أمثلة لمخالفين يدافعون عن الإسلام ويردون على النصارى واليهود والعلمانيين، ويشهدون بالشهادتين ولا يقولون بخلق القرآن ولا يطعنون في الصحابة. ومن ثم يرى أن تعميم لعن «دين» هؤلاء لا يمكن تبريره بأن المقصود مذهب غير إسلامي.
ويقابل ذلك بأمر القرآن بعدم سب الذين يدعون من دون الله لئلا يسبوا الله عدوا بغير علم، فيقول: إذا نُهي المسلم عن سب معبودات غير المسلمين لما يفضي إليه، فكيف يطلق اللعن على دين مسلمين بسبب خصومة علمية؟
السجال الشخصي والسياسي المحيط بالقضية
يتوسع الطاهر في السخرية من إقامة شمس الدين في ألمانيا ومن موقفه من المرأة الأوكرانية، ويصل ذلك باتهامه بالتربية على حزب البعث وبالتحرك بحرية في سوريا زمن ملاحقة آخرين. كما يتهم أتباعه بنصرته عصبية وحمية وباتخاذ الثناء عليه بمنزلة الولاء الديني.
هذه دعاوى وسجالات حامد الطاهر داخل البث، وهو يستعملها لشرح ما يراه تناقضًا بين شدة شمس الدين على علماء المسلمين وسكوته عن بيئته السياسية والاجتماعية. ولا يخرج الملخص بها عن نسبتها إلى قائلها.
من لعن الدين إلى الكلام على الملائكة
ينقل الطاهر قول شمس الدين إن الله يغدق عليه شيئًا عظيمًا لا يتصوره، وإن المرء إذا عرف أن الثوابت هي الكتاب والسنة وأن العلماء هم أهل السنة «تفتح عليه أبواب الخير ويدفع له وكل شيء الملائكة». ويفهم الطاهر من تركيب الجملة نسبة الدفع والإغداق إلى الملائكة، فينتقل إلى مناقشة تصور شمس الدين لوظيفتهم.
ثم يعرض تعليقًا من أحد أتباع شمس الدين يخاطب خصمًا بقوله: «والملائكة يعرفون أنك قليل أدب»، بعد استناد النقاش إلى عبارة «اذكروا الفاجر بما فيه». ويقول الطاهر إن شمس الدين نسب هذه العبارة حديثًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بينما يعدها الطاهر رواية منكرة أبطلها الإمام أحمد.
هل يزرع في أتباعه أن الملائكة في ركابه؟
يربط الطاهر بين كلام شمس الدين وتعليق متابعه، ويتساءل لماذا يستحضر الطرفان الملائكة في سجال شخصي، ثم يتهم شمس الدين بأنه يوهم جلساءه أن الملائكة تؤيده وتقاتل عنه. ويقارن ذلك بما ينسبه إلى غلاة الشيعة من توظيف الملائكة في تفضيل جماعتهم، لكنه يشدد على أنه يقارن الفعل بالفعل ولا يسوي بين الفاعلين في الحكم.
ويصحب هذا المحور تهكم شديد بقضية السبي والنساء الأوكرانيات، وهو سجال شخصي باق داخل نقد الطاهر للمنهج الذي يراه مشتركًا في الغلو، لا مسألة عقدية مستقلة يقررها الملخص.
سؤال: صالح الملائكة أم صالح البشر؟
يعرض الطاهر جواب شمس الدين عن سؤال: «صالح الملائكة أفضل أم صالح البشر؟»، إذ أجاب أولًا بأن صالح الملائكة أفضل، واستدل بحديث: «من ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه». ثم سأله متابع: هل جبريل أفضل من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فتوقف شمس الدين، وقال إن النبي سيد ولد آدم بلا نزاع، وإن تفضيله على جبريل يحتاج إلى دليل، ثم ذكر صلة جبريل بالوحي ومدارسة القرآن للنبي في رمضان.
ينتقد الطاهر صياغة السؤال والجواب معًا؛ لأن وصف «صالح الملائكة» يوهم وجود طالح فيهم، بينما يقرر أن الملائكة خلق من نور لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ويرى أن الحديث المستدل به يتعلق بتفضيل الملإ الأعلى، ولا يحرر مناط «الصلاح» الذي سئل عنه شمس الدين.
الصلاح غير التفضيل
يفرق الطاهر بين الصلاح المرتبط بالطاعة والمعصية، والتفضيل الذي يراه أمرًا توقيفيًا غير عقلي؛ فالله فضل يوم الجمعة ومكة، وفضل عمر بن الخطاب على بلال رضي الله عنهما مع أن بلالًا سبق إلى الإسلام وتحمل العذاب. كما فضل بعض الرسل على بعض، وفضل من الملائكة جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت.
ويذكر أن مسألة تفضيل الملائكة أو البشر خلافية بين السلف، وأن ابن كثير عرض أثرًا عن عمر بن عبد العزيز في باب خلق الملائكة من «البداية والنهاية»، مع وجود كلام في الأثر. ومن ثم يعترض على الجواب العاجل، لا على مجرد اختيار أحد الأقوال في المسألة.
الملائكة مأمورون والرزق من الله
يقرر الطاهر أن الملائكة لا يتصرفون من عند أنفسهم، بل هم عباد مكرمون ينفذون أمر الله، وأن الرزاق هو الله ذو القوة المتين. وبناء على ذلك يعد إسناد «الإغداق» إليهم على الاستقلال خطأ فاحشًا في العبارة، ويقول إن الصحيح رد كل حركة في الأرض والسماء إلى إذن الله.
ثم يعود إلى التهكم والاتهام، فيربط ما يراه تحولًا ماليًا في حياة شمس الدين بسيارته وكاميراته وهواتفه وكتبه، ويتهمه بأنه أثرى من الطعن في العلماء والمسلمين ومن موالاة الألمان. وهذه كلها مزاعم صاحب البث في تفسير التغير المادي، وليست نتائج تحقيق خارجي.
الشيخ ماهر الفحل وتبدل الثناء
يعرض الطاهر منظومة قديمة لشمس الدين يوصي فيها بـ«نخبة الفكر» لابن حجر و«الموقظة» للذهبي، ويصف الشيخ ماهر الفحل بالنحرير الماهر. ثم يقول إن ماهر الفحل نشر تغريدة عامة في ذم من يفرقون الأمة ويقعون في أئمة الإسلام من غير أن يسمي شمس الدين، فانقلب عليه الأخير واتهمه في عرضه وقال -بحسب نقل الطاهر- إنه يعد شخرات ابنه.
ويضرب الطاهر لذلك مثال انقلاب اليهود على عبد الله بن سلام حين أسلم بعد أن كانوا يثنون عليه، ومثال إغراء سفهاء الطائف بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم يصرح مرة أخرى بأنه يشبه فعلًا بفعل ولا يحكم على شمس الدين بحكم أولئك.
وصية الطاهر بدفن أوراق الخصومة معه
يعلن الطاهر أنه سيوصي بدفن أوراقه التي دون فيها أقوال شمس الدين وأجوبته، ومعها سلسلة «جرح الموطأ»، ليخاصمه بها يوم القيامة، مشبهًا ذلك بوصية نعيم بن حماد أن يدفن في قيوده خصمًا في قضية خلق القرآن.
ويلخص دعواه التي يريد أن يقف بها بين يدي الله: أن شمس الدين سب دينهم وعلماءهم، وافترى عليهم، وفرق بين المسلمين، وناصر الألمان عليهم، وجمع المال بالطعن في أئمة الإسلام. وهذا المشهد تعبير الطاهر عن أقصى درجات الخصومة، بكل ما فيه من دعاوى منسوبة إليه.
مقابلة الدفاع عن شرح الموطأ
ينتقل البث بعد ذلك إلى المقطع الأطول: لقاء يظهر فيه أحد متابعي شمس الدين يسأله لماذا ترك نسبة ضخمة من أحاديث دروسه من غير شرح، وهل السبب نقص العلم أم الثقة بالطلاب. يرى الطاهر أن السؤال معد سلفًا وأن اللقاء تمثيلية هدفها محو أثر سلسلة «جرح الموطأ»، وأن السائل نفسه سبق -بحسب قوله- أن سب النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وكفر مخالفين.
ويقول إن شمس الدين لا يحتمل عادة أن يواجهه أحد بعبارة «نقص العلم»، ولذلك يعد قبول السؤال دليلًا عنده على الاتفاق المسبق. ثم يلتقط بدء جوابه بكلمة «لا» قبل أن يستدرك ويقول إنه ربما مر في الموطأ بحديث فلم يعلّق عليه.
هل ترك الواضح اختصارًا؟
يقول شمس الدين في المقطع إن الشرح مختصر، وإن بعض الأحاديث واضحة لطلاب المرحلة الأولى فلا تحتاج إلى تعليق، ويضرب مثلًا بحديث «الراحمون يرحمهم الرحمن». ويقول إنه لو أراد أمكنه ذكر تسلسل الحديث بالأولية وفوائد إثبات صفة الرحمة، لكن توضيح الواضح قد يحجم معنى الحديث.
يمسك الطاهر بعبارة «يحجم» ويعدها اعترافًا بأن شرح شمس الدين قد ينقص المعنى بدل أن يكشفه. ثم يقول إن طلابه أنفسهم يقترحون شروحًا للمبتدئين مثل «لمعة الاعتقاد» وكتب ابن أبي الدنيا، ولذلك لا يصح افتراض أنهم مستغنون عن بيان الفرق بين رحمة الخالق ورحمة المخلوق أو معنى الحديث المسلسل بالأولية.
حديث عقد عائشة والتيمم نموذجًا
يعرض الطاهر شرح شمس الدين لحديث ضياع عقد أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ونزول رخصة التيمم. وفي المقطع يقول شمس الدين إن لبس النساء الحلي كان من عادتهن، وإن عائشة لم تكن ظاهرة للرجال في السفر، وإنها «كانت تبحث عليه»، وإن الناس قد يتضايقون، وإن أبا بكر لامها، وإنها لم تتحرك خشية أن «يصحى» رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يشرح أن التيمم يقوم مقام الغسل والوضوء.
ينتقد الطاهر ألفاظ «تبحث عليه» و«يصحى» من جهة العربية، ويقول إن الصواب «تبحث عنه» و«يصحو». كما يرى أن الشرح أغفل كون عائشة في الهودج، وأوهم أن الصحابة شكوا منها مع أنهم كانوا يجلونها لحب النبي صلى الله عليه وسلم لها، ولم يضف إلى معنى التيمم إلا أمرًا أوليًا معروفًا.
«المثاني» والثقة عند الإمام مالك
يضم الطاهر إلى ذلك جوابًا سئل فيه شمس الدين عن معنى «المثاني»، فقال إنها الأشياء التي لها مقابلات. ويرد بأن المثاني تتصل بالثناء والتثنية والتكرار، ويذكر جواب شمس الدين القديم عن «في جنب الله» بأنه «في مقابل»، ليقول إن كلمة «المقابل» صارت مخرجًا عند العجز عن تحرير المعنى.
ثم يعرض سؤالًا عن الرجل الذي يقول فيه مالك «عن الثقة»، فأجاب شمس الدين: «لا أعلم». وينقل الطاهر عن السخاوي في «فتح المغيث» تعيينات متعددة بحسب الشيخ المروي عنه: فالثقة عن بكير بن عبد الله بن الأشج مخرمة بن بكير، وعن عمرو بن شعيب قيل عبد الله بن وهب أو الزهري أو ابن لهيعة، وقول مالك «عمن لا أتهم» قد يراد به الليث، وما يقول فيه «بلغني عن علي» سمعه من عبد الله بن إدريس الأودي.
بين مجالس الرواية ودعوى الفهم والتدبر
يشغل الطاهر مقطعًا يقول فيه شمس الدين إن القراءة السريعة في مجالس الرواية إنما تنفع من سبق أن فهم الكتاب وقرأه وتدبره، أما طلب الإجازة مع الجهل بأول الكتاب وآخره فلا نفع فيه. ويذكر أنه يقرأ الأحاديث بسرعة معتدلة ويعلق على ما يحتاج إلى تعليق حتى يخرج الطالب وقد قرأ الموطأ فعلًا.
يرى الطاهر أن هذا الكلام يلزم شمس الدين نفسه: فإذا كانت الغاية الفهم والتدبر، فلا يكفي السكوت عن أبواب كاملة، ولا يصح وصف كل ما ترك بأنه واضح. ويقسم أنه لو لم يجد إلا أحاديث لا تحتاج إلى شرح لما فتح فمه في السلسلة، ويقول إن بعض حلقات شمس الدين لم يتجاوز التعليق فيها على الحديث عشرًا إلى ثلاثين ثانية.
باب الإفاضة وما تُرك فيه بلا بيان
يعرض الطاهر تسجيلًا من باب الإفاضة في الحج: سؤال مالك عمن نسي جمرة حتى يمسي، وأثر عمر في التحلل بعد رمي الجمرة والنحر والحلق، ثم الانتقال إلى باب دخول الحائض مكة. ويلاحظ أن شمس الدين لم يشرح معنى الإفاضة، ولا مذهب مالك فيمن فاتته الجمرة، ولا دلالة كلام عمر، ولا ترجمة صفية بنت أبي عبيد أو حكم النفساء في الحج.
ويضيف أن القارئ أخطأ في مواضع من الأسانيد ولم يصحح له شمس الدين، وأنه لم يفرق للطلاب بين عمرو بن دينار وعبد الله بن دينار، ولا تكلم على صحة الروايات وضعفها. ويذكر مثالًا آخر قيل فيه لشمس الدين إن الحديث ضعيف، فاكتفى بقول: الحمد لله الحديث ضعيف، وانتقل إلى ما بعده.
باب رمي الجمار والشرح بالإشارة
ينتقل التسجيل إلى باب الرخصة في رمي الجمار، وفيه حديث ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في ترك المبيت بمنى ورميهم يوم النحر ثم في الأيام التالية. يقول الطاهر إن المقطع مر من غير تعريف الرعاء، ولا بيان سبب الترخيص، ولا معنى المبيت بمنى، ولا أيام الرمي والنفر.
كما مر أثر عطاء في الرمي بالليل «في الزمان الأول»، وكلام مالك في ترتيب القضاء؛ فلم يبين شمس الدين مراد «الزمان الأول» ولا قاعدة مالك التي يلخصها الطاهر بأن القضاء لا يثبت إلا بعد تحقق الفوات، كما لا توصف صلاة العصر بالقضاء قبل خروج وقتها.
الحائض والنفساء والمكاري
يعرض الطاهر نصًا في حيض المرأة بعد الإفاضة أو قبلها، وقول مالك إن كربها -أي مكاريها الذي يؤجر الدابة- يحبس عليها، وليس عليها شيء. ويتتبع تعثر شمس الدين في قراءة «كربها» ثم «مكاريها»، ويشرح هو أن المكاري ينتظر المرأة حتى تطهر ولو لم يكن هناك اتفاق سابق بحسب ما يفهمه من النص.
ويتساءل أيضًا: هل جملة «أكثر ما يحبس النساء الدم» من كلام مالك أم الراوي أم الناسخ؟ ويقول إن هذه المواضع في الفقه واللغة والرواية لا يمكن عدها من الواضحات التي يستغني طالب المرحلة الأولى عن شرحها.
«شرح الموطأ دراية ورواية» أم شرح مختصر جدًا؟
يعيد الطاهر عبارة شمس الدين في لقائه: شرحه مختصر جدًا ومرحلة أولى، وربما يأتي يوم يتوسع فيه. ويقابلها بما كُتب على السلسلة من أنها شرح للموطأ دراية ورواية كامل، وبكلامه السابق عن الفهم والتدبر. ويقول إن هذه الأوصاف متناقضة: إما شرح كامل كما أعلن، وإما قراءة مختصرة تترك أبوابًا وأسانيد ومسائل بلا تعليق.
ويؤكد الطاهر أن مادته لم تأت من خارج كلام خصمه؛ بل عرض تسجيلاته وسكوته وعباراته حرفًا حرفًا، ثم جعلها شاهدًا على ما سماه «الشرح السكوتي للموطأ».
التعريض بسعيد الكملي
في سياق دفاع شمس الدين عن الاختصار، يقول إنه لا يريد أن يحبس إنسانًا في الموطأ خمسًا أو ستًا أو عشر سنين ليقال إنه الشارح العظيم، ثم يأتي بكل كلامه من ابن عبد البر مع فوائد لغوية متفرقة. يفهم الطاهر هذه العبارة تعريضًا مباشرًا بالشيخ سعيد الكملي ومشروعه الطويل في شرح الموطأ.
ويذكر أن سعيد الكملي وصف شرح الموطأ بأنه مشروع عمر يبني به جيلًا، وأنه يراعي المبتدئ والمتوسط والمتمرس والعالم، ويجمع اللغة والزهد والرقائق والفقه والحديث والمصطلح والتراجم والرواية والدراية. ويرى أن النقل من ابن عبد البر ليس عيبًا، كما لم يكن انتفاع النووي بعياض والمازري عيبًا في شرحه لصحيح مسلم.
الكملي في مقابل قارئ لا يحرر الرواية
يدافع الطاهر عن كثرة مشاريع الكملي ورحلاته في التعليم، ويقابله بمن لا يعرف «الثقة» عند مالك، ولا يفرق بين بعض الرواة، ولا يحرر رواية سعيد بن المسيب عن أبي بكر وعمر. كما يعترض على إحالة شمس الدين إلى الزرقاني مع مهاجمته الأشاعرة والأزاهرة والمتصوفة، وعلى إحالته إلى ابن حبيب الأندلسي من غير نقل محرر.
ويستشهد بشرح ابن عثيمين لزاد المستقنع والآجرومية والأربعين النووية ورياض الصالحين مثالًا لشرح يجمع طبقات المتعلمين من غير أن يعاب على صاحبه طول البيان، ثم يدعو أهل المغرب وطلبة الكملي إلى نشر مقطع التعريض ليعرفوا موقف شمس الدين من شيخهم.
التعلم على أيدي الشيوخ
يربط الطاهر ما يراه عداوة للعلماء بأن شمس الدين -بحسب قوله- لا يسمي مشايخه ويجيب بأنه صاحب كتاب وسنة. فيرد بأن فهم الكتاب والسنة بلا تلقي يفتح الباب لكل من يتكلم برأيه، ويذكر إسلام البحيري وإبراهيم عيسى ويوسف زيدان أمثلة.
ويفرق بين الدعاء الذي لا واسطة فيه وبين العلم الذي لا بد فيه من معلم، ويستشهد بتعلم موسى عليه السلام من الخضر مع أن موسى أعلى منه فضلًا. ثم يصف شمس الدين بأنه متطفل على موائد العلماء يستفيد من تراثهم ثم يطعن فيهم؛ وهذا وصف الطاهر السجالي لخصمه.
الاستدلال بشرح الأصبهاني لصحيح البخاري
يعرض شمس الدين شرح قوام السنة الأصبهاني لصحيح البخاري، ويقول إن الشراح أثنوا عليه مع أنه أحيانًا لا يشرح الحديث، وإن شرحه لكتاب التوحيد لا يتجاوز بضع صفحات في مقابل نحو سبعين صفحة لنص الكتاب. ويستدل بذلك على أن العالم قد يمر على أحاديث لا تحتاج إلى بيان.
يرد الطاهر بأن المقارنة أغفلت طريقة البخاري في تكرار الحديث بحسب موضع الاستنباط، بخلاف مسلم الذي يقل عنده التكرار. وكتاب التوحيد آخر الصحيح، ومعظم أحاديثه سبقت في كتب الإيمان والحج والتفسير والصلاة وغيرها؛ فإذا سبق للأصبهاني شرح الحديث هناك أحال إليه أو اكتفى بزيادة فائدة في موضع التوحيد.
قصر شرح التوحيد حجة على شمس الدين لا له
بناء على ذلك يقول الطاهر إن الصفحات القليلة لا تدل على عجز الأصبهاني عن الشرح، بل على أنه أدى الشرح في المواضع الأولى فلم يحتج إلى إعادته كاملًا. وقد يكون قصر الموضع الأخير دليلًا على طول سابق وعلى فهم بنية صحيح البخاري، لا ترخيصًا لمن يمر في الموطأ بأبواب لم يسبق له بيانها أصلًا.
ويرفض أيضًا قياس طريقة الشيخ صالح العصيمي أو ابن باز على صنيع شمس الدين؛ لأن تجاوز المعلومة التي يفهمها طالب علم بعد تأسيس سابق شيء، وترك معنى الإفاضة والرمي والمكاري وأسماء الرواة وأحكام الروايات من أول مجلس شيء آخر في تقييمه.
العودة إلى غاية سلسلة «جرح الموطأ»
يقول الطاهر إن بعض الناس قاطعوه أول الأمر وعدوا هجومه ظلمًا، ثم عادوا يعتذرون بعدما تبين لهم ما يراه من كذب شمس الدين وجهله. ويقول إن غايته إظهار الحق والباطل، وإنه سيحول سلسلة «جرح الموطأ» إلى كتاب مطبوع طباعة فاخرة لتبقى مناقشة مكتوبة لما عرض من مواضع.
ويدعو أبا الحسن إلى زيادة البيان في مسألة تكرار أحاديث صحيح البخاري وبنية كتاب التوحيد، لكنه ينهي البث قبل مداخلته لعدم فراغه، ويؤجلها إلى مرة لاحقة.
الخلاصة
ينتهي البث إلى أن خصومة الطاهر مع شمس الدين ليست عنده خلافًا شخصيًا مجردًا، بل سلسلة مترابطة: عبارة يراها لعنًا لدين المسلمين، وكلام مضطرب في الملائكة يخلط الصلاح بالتفضيل وينسب الإغداق إليهم، ومنهج يطعن في العلماء ثم يعجز عن تحرير مواضع أولية في كتبهم. ويقيم القسم التطبيقي من حجته على تسجيلات شرح الموطأ نفسه: حديث عائشة والتيمم، معنى المثاني، «الثقة» عند مالك، أبواب الإفاضة ورمي الجمار والحائض والمكاري، ثم التناقض بين وصف الشرح بالكمال ووصفه بالاختصار الشديد. وأخيرًا يدافع عن سعيد الكملي، ويقرر أن استدلال شمس الدين باختصار الأصبهاني في آخر صحيح البخاري باطل؛ لأن أحاديث كتاب التوحيد مكررة سبق شرحها، بينما المواضع المتروكة في الموطأ لم يسبق لها عنده بيان.
