لقاءات | كشف العلاقة بين تكوين والحدادية والنواصب الجدد | محمد إلهامي

قناة مكافح الحدادية 19 مايو 2024

أهمُّ ما جاء في الفيديو

لقاء مع الباحث محمد إلهامي يجمع بين ثلاث ظواهر متباعدة الشعارات - مركز تكوين، والحدادية، والنواصب الجدد - بجامع واحد: نقل المعركة إلى داخل الأمة.

لماذا يجمع بينها

يبدأ إلهامي بأن صانع القرار لا يعنيه تفصيل المسائل الفكرية، وإنما يعنيه أثرها. ويضرب أمثلة تاريخية: مستشرق إنجليزي كتب في الخلافة داعيًا إلى نقلها إلى العرب مستندًا إلى حديث «الأئمة من قريش»، لا لأنه يبحث في صحة الحديث بل لأنه أداة صالحة لإسقاط الدولة العثمانية؛ واختراع منصب جديد في القدس لصنع تنازع داخلي بين مفتيها. ويقول إن هذا المنطق نفسه يفسر لماذا تُدار الصراعات من بعيد بدل حسمها. ثم يعرض المقدم مقطعًا لإسلام بحيري يقول فيه إن ما يجري في فلسطين ستعقبه موجة يسميها إرهابًا، وإن مركز تكوين إنما أنشئ للتعامل معها استباقًا. ويعلق إلهامي بأن هذا هو الاعتراف الذي بنيت عليه الحلقة، وبأن ما يسميه موجة إرهاب هو في الحقيقة صحوة.

الجامع بين الثلاثة

ويحرر القاسم المشترك: أن كل فريق منهم يرى أن الأمة ضلّت، وإنما يختلفون في تاريخ الضلال. فطرف يراه من حين اعتنقت الأمة الدين أصلًا؛ وطرف يراه من حين عظّمت أبا حنيفة والنووي والسيوطي؛ وطرف يراه من حين عُدّ علي رضي الله عنه خليفة راشدًا ومن حين صار الحاكم النيسابوري والذهبي من علماء الأمة. ويقول: ومن انشغل بهذه المعارك لم يبقَ فيه ما يجاهد به، فقد انتقل من معركة الأمة مع عدوها إلى معركتها مع دينها وتراثها وفقهائها.

نزع الصفة عن القضية

ويعرضان مقاطع أخرى لبحيري يقرر فيها أن القضية قومية لا إسلامية، وأن المسجد الأقصى لا صلة له بالموضوع، وأن جعلها قضية جهاد خطأ. فيعلق إلهامي بأن مادة هذا الكلام مأخوذة من صياغات استشراقية، وبأن الواقع يكذبه: فالفصائل القومية واليسارية خفت أثرها ولم يبقَ من يضحي إلا من ينطلق من الدين، وأن المخرَجين من تحت الركام إنما يخرجون بالشهادة.

ملف صابر مشهور

ثم ينتقلان إلى الطرف الثاني بعرض مقاطع والتعليق عليها. أولها قوله إن الدولة العباسية مرحلة وسط بين المسلمين - وهم عنده الأمويون - وبين غيرهم، وإن من يسمون اليوم أهل السنة ليسوا أهل سنة بل خليط عقدي. ويعدّ إلهامي هذا اعترافًا يضع صاحبه خارج الأمة، ويقول إنه أراحه من الاستدلال عليه. ثم مقطع في الطبري يشكك فيه بنقله عن مؤرخ بعينه؛ فيرد بأن الطبري صرّح في مقدمته بأن كتابه أرشيفي ينقل ما ورد وإن كان فيه ما يُستنكر، وأنه ينقل عن سيف بن عمر التميمي أيضًا وهو محبوب عند مشهور، فالمعيار عنده هو الموافقة لا التوثيق. ثم مقطع يعرض فيه غلاف كتاب «ذيل تاريخ بغداد» لابن النجار وهو يقول «تاريخ بغداد للخطيب البغدادي»، ثم يقرأ النص من الكتاب الآخر؛ فيستدل إلهامي بذلك على أنه لا يحضّر حلقاته بنفسه. ثم مقطع يستنتج فيه من ترجمة الواقدي أنه كان «وزير إعلام» للدولة، مع أن النص لا يذكر شيئًا من ذلك، وأن الواقدي نبغ في المدينة قبل أن يعرفه الخليفة، وأن الذين ضعّفوه في الحديث هم علماء ذلك العصر أنفسهم. ثم مقطع يقول فيه إن تنظيمًا سرّيًّا هو الذي أقام الدولة العباسية وإن قضاتها ومحدثيها وفقهاءها منه؛ فيرد بأن خلاف العباسيين مع العلويين معلوم وأن دعواهم كانت للعباس لا لعلي. ثم مقطع يقرر فيه أن المفسرين والمحدثين كانوا كلهم في تلك الحقبة فالتفسير محرّف والأحاديث موضوعة، مع أنه يقول في موضع آخر إن الحلال والحرام أُنقذ؛ فيسأل إلهامي: وكيف نجا الفقه إن كانت الأحاديث محرّفة ورواتها هم أنفسهم؟

ملف الحدادية

ويعرض المقدم مقطعًا لمحمد شمس الدين يقول فيه إن كتب أهل السنة دُثرت وأُخفيت وحُرقت ولا يُدرى أين هي بعد أن سادت طائفة أخرى، وإن العلماء لما جاءت المطابع وجدوا كتب أولئك فاستفادوا منها فصاروا لا يكرهونهم. فيقول إلهامي إن هذا هو كلام مشهور نفسه بصياغة أخرى: انقطاع الأمة عن مصادرها؛ ومؤداه أن العلماء بين غافل وخائن لأمانة العلم. ثم يعرض له مقطعًا آخر يستشهد فيه بحديث «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله»، فيسأل: فأين العدول في تلك القرون التي قلت إن الكتب فُقدت فيها؟ ويعرض جوابه حين سئل عن رأي علماء الأمة في النووي، فأجاب بأن علماء الأمة الحقيقيين هم السلف ولم يدركوه، وأن من جاء بعده كثير منهم أشعري أو متأثر بشهرته. فيعلق إلهامي بأن هذا لو اطّرد لجاز أن يُسأل عن أحمد بن حنبل فيقال: وما رأي مالك وابن عباس فيه؟

الاحتجاج عليه بكلامه

ثم يعرضان مقاطع قديمة لشمس الدين يشرح فيها كتابًا في الإجماع، يقرر فيها أن الأمة لا تجتمع في زمن من الأزمان على خطأ، وأن ما أجمعت عليه فهو الصحيح، ويستدل بـ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ و﴿كَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ و﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ وبآية اتباع غير سبيل المؤمنين، ويقول: من جاء بعدهم وخالفهم فقد أتى بضلالة. ويعلق إلهامي بأن من رأى نفسه منفردًا في علمٍ مصادره النقل وحده حقيق به أن يخاف على نفسه، لا أن يمضي.

الذهبي

ويسأل المقدم عن سر اجتماع هذه الأطراف على الطعن في الإمام الذهبي. فيجيب إلهامي بأنه في التاريخ نظير ابن تيمية في العقيدة، وينقل قول ابن كثير «وبه خُتم الحفاظ»، وقول ابن حجر إنه من أهل الاستقراء التام، وثناء تلميذ السبكي عليه رغم مخالفته. ويعزو تميزه إلى جمعه بين التاريخ والحديث والفقه والقراءات، وإلى اتزان نفسي وانشراح صدر جعله يكفكف غلواء الناس بعضهم في بعض. ويضربان أمثلة: تعليقه على من روى عن امرأة وزوجُها يقول إنه لم يرها، فقال: كلاهما صادق، وكم روينا عن نساء دخلنا عليهن ولم نرهنّ. وتعليقه على أبي شامة المقدسي حين تعجب من ابن قدامة، فقال له ما معناه: وهو وأمثاله متعجبون منكم مع علمكم، وكذا كل فرقة تتعجب من الأخرى، ونرجو لكل من بذل جهده في طلب الحق أن يُغفر له. ثم يفتحان ترجمة أبي جعفر الباقر في سير أعلام النبلاء، فإذا فيها الثناء عليه ووصفه بأنه كان أهلًا للخلافة، ثم الرد على من يقول بعصمته، ثم الإنصاف بأنه لا يبلغ في القرآن درجة ابن كثير ولا في الفقه درجة أبي الزناد وربيعة ولا في السنن درجة قتادة والزهري، ثم قوله: فلا نحابي ولا نحيف عليه ونحبه في الله. وفيها روايته أن الباقر سُئل عن أبي بكر وعمر فأمر بتوليهما والبراءة من عدوهما، وأن راويها وناقلها كليهما ممن فيهم تشيع؛ فيقول الذهبي: وإنما يعرف الفضل لأهل الفضل ذو الفضل. فيعلق إلهامي بأن من قرأ هذه الترجمة ثم اتهم صاحبها بنشر التشيع فإما جاهل بمنهجه وإما لا يقرأ بنفسه.

الخلاصة

يقرر إلهامي أن المسألة في جوهرها ليست في شخص النووي ولا الذهبي ولا أبي حنيفة، بل في إسقاط الأمة التي تلقّت عنهم وشهدت لهم؛ فالطعن في البخاري ليس طعنًا في رجل بل في أمة أعطته الشهادة. ويضرب مثلًا: من قال إن فلانًا من كبار العلماء لا يفهم في فنّه فإنما أسقط البيئة العلمية التي أقرّت له. ويلاحظ أن هذه المسالك تُقابَل بالتصفيق من الجهة المضادة، إذ ينقلها المخالفون على أنها اعتراف من الداخل. ويختمان بأن المسألة تستحق الرد لأن هؤلاء صار لهم منصات وجمهور، وبموعد لحلقة تالية مخصصة للرد على ما قيل في الإمام الذهبي.