دعوى أن القول بأن المكان مخلوق «كلامٌ فارغ»

قائلها: محمد بن شمس الدين 14 أغسطس 2026

نصّ الشبهة

سُئل محمد بن شمس الدين: هل المكان مخلوقٌ أم لا؟ أيكون لله تبارك وتعالى مكانٌ قبل الخلق؟ فأجاب بنفي أن يكون المكان مخلوقًا فقال: «هل هناك مخلوقٌ اسمه مكان؟ هو إشارةٌ إلى حيث يوجد الشيء»، أي أنه معنًى من المعاني لا مخلوقٌ من المخلوقات.

ثم استدلّ بحجةٍ عقلية فقال: «لو كان مخلوقًا فأين خلقه الله سبحانه وتعالى؟ سيحتاج إلى مكان، والمكان يحتاج إلى مكان، فهكذا صار تسلسل أمكنة، وهذا أمرٌ غير ممكن».

ثم حكم على القول بخلق المكان فقال: «والأشدّ: كيف مكانٌ مخلوق؟! هذا كلامٌ فارغ».

من مقطعٍ مصوَّر منشور له في الجواب عن سؤالٍ عن المكان.

ما نُثبته ولا نتنازل عنه

الله سبحانه فوق عرشه، مستوٍ عليه استواءً يليق بجلاله، بائنٌ من خلقه، ليس حالًّا في شيءٍ من مخلوقاته ولا مختلطًا بها. والعرش سقف المخلوقات، فليس فوق العرش مخلوق.

ونحن لا نُطلق نفي المكان مجرَّدًا؛ لأن الجهمية استعملوا هذا اللفظ المجمل ذريعةً إلى نفي العلو والاستواء. فمن قال «الله ليس في مكان» يريد نفي علوّه على عرشه فقولُه باطل مردود.

فالنزاع ليس في العلو. النزاع في شيءٍ واحد: أن يُسمَّى قولُ أئمة أهل السنة المنقولُ عنهم اتفاقًا «كلامًا فارغًا»، وأن يُردَّ بحجةٍ فلسفية محضة.

لفظ «المكان» مجمل، وجوابه الاستفصال

وهذا هو أصل الباب الذي أضاعه. فلفظ «المكان» يحتمل معنيين، فلا يُنفى مطلقًا ولا يُثبت مطلقًا:

الأول: مكانٌ مخلوق يحوي الله ويحيط به ويفتقر إليه. فالله منزَّهٌ عن هذا، وهو الذي نفاه السلف.

الثاني: ما فوق العرش. وليس فوق العرش مخلوق، فالله عالٍ عليه بذاته.

فمن قال «الله في مكان» وأراد الأول فقد أخطأ، ومن نفى المكان وأراد نفي الثاني فقد أخطأ. وهذا هو مسلك أهل السنة في الألفاظ المجملة: لا يُقبل اللفظ ولا يُردّ حتى يُستفصل عن معناه.

وأصلُه في الحديث الصحيح

ثبت في «صحيح البخاري» من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان اللهُ ولم يكن شيءٌ غيرُه، وكان عرشُه على الماء، وكتب في الذكر كلَّ شيء، وخلق السماوات والأرض». وفي رواية للبخاري: «كان اللهُ ولم يكن شيءٌ قبله». وفي روايةٍ صحيحة: «كان اللهُ ولم يكن شيءٌ معه».

فإذا لم يكن شيءٌ معه ولا قبله ولا غيره، فقد كان ولا مكان؛ إذ المكان شيء. وهذا معنى الحديث لا تكلُّفَ فيه.

واتفاقُ أهل السنة منقولٌ بلفظه

قال الإمام أبو نصر السجزي في رسالته إلى أهل زبيد «الردّ على من أنكر الحرف والصوت»، وهو من أئمة السنة المتقدمين:

من العرش إلى ما تحت الثرى محدود، والله سبحانه فوق ذلك بحيث لا مكان ولا حدّ؛ لاتفاقنا أن الله سبحانه كان ولا مكان، ثم خلق المكان.

فحكى الاتفاق، ونصّ على أن الله خلق المكان. وهذا الكلام نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في «بيان تلبيس الجهمية».

وهذا عبد الغني المقدسي الحنبلي، إمامُ الحديث في زمانه، كان مما نقمه عليه مخالفوه من الأشاعرة في خصومتهم معه قولُه: «كان الله ولا مكان، وليس هو اليوم على ما كان». ذكر ذلك الذهبي في «سير أعلام النبلاء»، ونقله ابن رجب في «الذيل على طبقات الحنابلة».

فتأمل: هذه الكلمة كانت مما يُنقم على إمامٍ من أئمة السنة في معركته مع الأشاعرة، فهي إذًا من قول أهل السنة لا من قول خصومهم.

وابن تيمية يقولها بلفظه: «خلق المكان»

وهذا يقطع كل نزاع. قال شيخ الإسلام في «درء تعارض العقل والنقل»، وهو يقرّر أن الله لا يفتقر في علوّه إلى شيءٍ من خلقه:

وأيضًا فهو سبحانه خلق ذلك المكان العالي، والجهة العالية، والحيّز العالي، إذا قُدّر شيئًا موجودًا، كما لو جُعل ذلك اسمًا للعرش، وجُعل العرشُ هو المكان العالي، كما في شعر حسّان: «تعالى عُلُوًّا فوق عرش إلهنا... وكان مكانُ الله أعلى وأعظما».

فالمقصود أنه خلق المكان وعلاه، وبقوّته صار عاليًا، والشرفُ الذي حصل لذلك المكان العالي منه سبحانه ومن فعله وقدرته ومشيئته.

فهذا شيخ الإسلام يقول: «خلق المكان». فهل هذا أيضًا «كلامٌ فارغ»؟

والقاعدة العظيمة في «مجموع الفتاوى»

وعقد ابن تيمية بابًا سمّاه «قاعدة عظيمة في إثبات علوّه تعالى»، وقال إنها واجبةٌ بالعقل الصريح والفطرة الصحيحة، فقال:

وهو أن يقال: كان الله ولا شيء معه، ثم خلق العالم. فلا يخلو: إما أن يكون خلقه في نفسه وانفصل عنه، وهذا محال، تعالى الله عن ذلك. وإما أن يكون خلقه خارجًا عنه ثم دخل فيه، وهذا محالٌ أيضًا، تعالى الله أن يحلّ في خلقه. وهاتان لا نزاع فيهما بين أحدٍ من المسلمين. وإما أن يكون خلقه خارجًا عن نفسه الكريمة ولم يحلّ فيه، فهذا هو الحق الذي لا يجوز غيره، ولا يليق بالله عز وجل إلا هو.

فبنى ابن تيمية إثبات العلو نفسَه على مقدمة «كان الله ولا شيء معه ثم خلق العالم». فمن هدم المقدمة هدم البناء الذي عليها.

وأما الحجة العقلية التي أجاب بها

قال: «لو كان مخلوقًا فأين خلقه؟ سيحتاج إلى مكان، والمكان يحتاج إلى مكان، فيصير تسلسل أمكنة».

وهذه حجةٌ فلسفية محضة. ليس فيها آيةٌ ولا حديثٌ ولا أثرٌ عن صحابي ولا قولُ عالمٍ من علماء المسلمين. وهي بعينها طريقة المتكلمين التي يعيبها على غيره، فردَّ اتفاقَ أهل السنة بأداة خصومهم.

ثم هي مع ذلك مصادرةٌ على المطلوب. فقوله «أين خلقه؟» يفترض وجود مكانٍ قبل خلق المكان، وهو عين ما يريد إثباته. ونظيره أن يقال: متى خلق الله الزمان؟ فإن قال: قبل كذا - فقد أثبت زمنًا قبل الزمان. وإن قال: السؤال ساقط لأن الزمان مخلوق فلا يُسأل عن ظرفٍ زمنيٍّ سابق عليه - فقد أجاب عن نفسه في المكان بحرفه.

فالله خلق العالم كلَّه لا في شيء، وخلق المكان والزمان جميعًا، ولا يُطلب لهما ظرفٌ سابق. وهذا ما يعلمه كل من قرأ في هذا الباب، ولهذا لم يستشكله أحدٌ من الأئمة.

تنبيهٌ لازم: اللفظة الموضوعة

وثمّ فرقٌ لا بدّ من تحريره حتى لا يُظنّ بنا ما ليس فينا. فإن الاتحادية أضافوا إلى حديث عمران زيادةً موضوعة، وهي: «وهو الآن على ما عليه كان»، فاتخذوها أصلًا يهدمون به الاستواء ويصلون به إلى وحدة الوجود.

قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»:

ومن أعظم الأصول التي يعتمدها هؤلاء الاتحادية الملاحدة ما يأثرونه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان». وهذه الزيادة - وهي قوله: «وهو الآن على ما عليه كان» - كذبٌ مفترًى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوعٌ مختلق، وليس هو في شيءٍ من دواوين الحديث لا كبارها ولا صغارها، ولا رواه أحدٌ من أهل العلم بإسنادٍ لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسنادٍ مجهول. وإنما تكلّم بهذه الكلمة بعضُ متأخّري متكلّمة الجهمية.

ثم ذكر ابن تيمية أن ابن عربي نفسَه اعترف في «ما لا بدّ للمريد منه» بأن هذه الزيادة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قال: زادها العلماء.

فالفرق واضح: «كان الله ولا مكان ثم خلق المكان» قولُ أهل السنة، حكى السجزي عليه الاتفاق ونصّ عليه ابن تيمية. و«وهو الآن على ما عليه كان» زيادةٌ موضوعة من صنع الجهمية، بها يُنفى الاستواء. فمن خلط بينهما فقد جهل الباب.

والإلزام

أنت تعيب على النووي أنه ذكر أدلة المتكلمين في صورةٍ نادرة، وتجعل ذلك مطعنًا في إمامته. ثم أنت هنا تردّ اتفاقًا نقله السجزي، ونصًّا صريحًا لابن تيمية، وقولًا لعبد الغني المقدسي - بحجةٍ عقليةٍ محضة من جنس أدلة المتكلمين، ليس معك فيها نصٌّ ولا سلف. فأيّ الرجلين أولى بالنقد؟

وأنت تقول: «هذا كلامٌ فارغ». فقُلها إذًا في السجزي، وفي عبد الغني المقدسي، وفي الذهبي وابن رجب اللذَين نقلا عنه ولم يُنكرا، وفي ابن تيمية الذي كتب: «فالمقصود أنه خلق المكان». سمِّهم بأسمائهم، أو ارجع عن الكلمة.

وجِماع الأمر

القولُ بأن الله كان ولا مكان ثم خلق المكان: معنى حديثٍ في «الصحيح»، واتفاقٌ نقله السجزي، وقولُ عبد الغني المقدسي عُدَّ عليه في خصومته مع الأشاعرة، ونصُّ ابن تيمية بلفظه، ومقدّمةُ القاعدة العظيمة التي بنى عليها إثبات العلو.

فليس هذا كلامًا فارغًا، بل هو الذي عليه أهل السنة. وإنما الفارغُ أن يُردَّ هذا كلُّه بسؤالٍ فلسفي: «أين خلق المكان؟»، ثم يُقال لمن ينقل الاتفاق: هذا كلامٌ فارغ.

وليست القضية مسألةً في المكان. القضية أن يتصدّر للكلام في أدقّ أبواب الاعتقاد من لم يجثُ عند العلماء بركبتيه، فيُطلق الأحكام على أقوالهم بغير علم. ولو أنه سأل قبل أن يُفتي، أو نظر في الكتب قبل أن يحكم، لَما وقع فيما وقع فيه.

كلّ الشبهات منهج التوثيق والتصحيح
وفي الباب

شبهاتٌ أخرى

  1. محمد بن شمس الدين يتهم الأمة بالضلال قرونًا طويلة، ويزعم أن كتب أهل السنة حُرقت وأن علماءها الحقيقيين انقرضوا بانقراض السلفمحمد بن شمس الدين
  2. دعوى أن ألف عالمٍ كفَّروا الأشاعرة، فيُكفَّر بها أعيانُهممحمد بن شمس الدين
  3. دعوى أن الدعوة السلفية هي التي أفرخت الحدادية، وأن محمد بن شمس الدين ثمرتُها الطبيعيةغلاة الأشاعرة