دعوى أن ألف عالمٍ كفَّروا الأشاعرة، فيُكفَّر بها أعيانُهم
نصّ الشبهة
منذ فترةٍ ناقشتُ غِرًّا من صغار غلاة الحدادية عبر واتساب. بدأ النقاش عن محمد بن شمس الدين، ثم انتهى بالكلام عن تكفير الأشاعرة.
والمصيبة أنه يطالبني أن أُطلق حكم التكفير على أعيان الأشاعرة، وهو لا يُكفّرهم!
فلمّا سألتُه عن عُمدته في هذا التهويل، طفِق يصرخ بدعوى عريضة قائلًا: «لقد كفَّرهم ألفُ عالمٍ من أئمة الإسلام!»، ويُحيل على ما ينقله محمد بن شمس الدين في مقاله «من قال بكفر الأشعرية».
مناقشة جرت مع أحد أتباعه عبر واتساب، والمادةُ التي يستدل بها منشورةٌ في مقاله «من قال بكفر الأشعرية».
في مستهل هذا الجواب، لستُ بصدد مناقشة أسماء الشخصيات والأعلام التي يتترس هذا الشخص خلفها؛ فتلك حيلةٌ مكشوفة وألعوبةٌ مفضوحة لا تنطلي على ذي لب.
إنما غايتي ومقصدي أن أناقش «المقالة» ذاتها، وأضعها على مِحَكِّ البحث العلمي، لألزم بها صاحبها وناقلها، وسترون بأم أعينكم كيف يتهرب هذا الناقل من لوازمها الحتمية، بل كيف جرى عمل رؤوس الحدادية ومنظّريها على الفرار من استحقاقات أقوالهم فرار الصحيح من الأجرب.
ولذلك، من العجب العجاب في زماننا هذا، أن ينبري حدثاء الأسنان، ممن شُغفوا بضجيج الخصومات واستهوتهم المعارك الوهمية، لامتحان عقائد الناس وتهديد إيمانهم بشعاراتٍ جوفاء، بدلاً من الانشغال بتعلم أمور الإسلام العظيمة والتفقه في الدين الذي ينجيهم بين يدي الله يوم القيامة!
عندما جاءني هذا الشاب مندفِعاً يريد أن ينتزع مني حكماً قاطعاً وعاماً بتكفير الأشاعرة بالجملة، ولم يرضَ بمجرد التخطئة العلمية في مسائل الصفات وكلام الله تعالى.
أقبل يرمي بشبهته قائلاً في استنكار: «كيف تتوقف في تكفيرهم؟ أليس هذا التكفير منقولاً عن ألف عالم؟ وهل يتبقى بعد هذا الإجماع مجالٌ لتردد أو شك؟».
قف أيها الموفق، وتأمل في هذا الاندفاع العاطفي الذي يحسب أن الحق يُعرف بكثرة الأرقام.
لقد بدأتُ مع هذا الشاب بسؤالٍ يسيرٍ يكسر هيبة التهويل، فقلت له: دعنا أولاً من ضخامة هذا العدد المرعب، وهَبْ لي من الألف عشرةً فقط!
سَمِّ لي عشرة أسماء مع نصوصهم الصريحة التي كفروا بها، حتى نتبين من هم؟ وما هي منزلتهم العلمية؟ وما هو القول الدقيق الذي كفّروا به الأشاعرة؟ وهل انصب تكفيرهم على «المقالة» المجردة أم أنهم كفروا «كل فردٍ» انتسب إلى هذا المذهب؟
هنا، تلعثم الشاب ولم يستطع أن يذكر عشرة، بل عاد يدور في الحلقة المفرغة ذاتها مكرراً: «كفّرهم ألف عالم!».
فلما رأيت عجزه، قلت له: حسناً يا بني، سأدع عنك هؤلاء الألف المجهولين الذين لا تعرف أسماءهم، وأنتقل بك إلى رجالٍ ملؤوا الدنيا وشغلوا الناس، نعرف أسماءهم، ونقرأ كتبهم، ونعلم مذاهبهم.
أجبني: هل تكفّر القاضي أبا بكر الباقلاني؟ هل تكفر ابن فورك، والبيهقي، وابن عساكر، وإمام الحرمين الجويني، وحجة الإسلام الغزالي؟ هل تجرؤ على تكفير أبي بكر ابن العربي، والآمدي، وسلطان العلماء العز بن عبد السلام، والتقي السبكي؟ بل هل تكفّر القائد المجاهد صلاح الدين الأيوبي؟
هنا انقطع الجواب في حلقه، وارتعدت فرائصه، ولم يجرؤ على إخراج واحدٍ من هؤلاء الأعلام من ملة الإسلام!
ولما حاصرته وألزمته بمقتضى عبارته التي يطنطن بها، تراجع القهقرى وقال معتذراً: «أنا لم أقل إنني أكفّرهم! أنا فقط ذكرت لك القول الذي يُنقل، وهناك خلاف في كفرهم!».
فقلت له متعجباً: سبحان الله! إذا كنتَ لا تتبنى هذا الحكم ولا تجرؤ على تنزيله على أشهر أعيان الأشاعرة الذين يمثلون أركان مذهبهم، فلماذا تحتج به عليَّ؟ ولماذا تتخذونه أنت وشيخك سيفاً مصلتاً تنشرونه كلما حاول طالب علمٍ منصفٍ أن يلتمس الأعذار لعلماء الأمة؟
هل تريد إلزامي بما لا تلتزم به أنت في خاصة نفسك؟ وهل صارت عبارات التكفير الغليظة تُروى للتهويل والتشغيب فقط، فإذا طُلب من ناقلها أن يتحمل ثقل معناها ولوازمها الشرعية فرّ هارباً وقال: «أنا مجرد ناقل»؟!
يا هذا، إذا كنت تتهرب من النتائج وتجبن عن تحمل تبعات هذا القول، فالأولى بك أن تلجم لسانك وتتوقف عن ذكره ونشره بين العوام؛ فلا أنت التزمت به بشجاعة، ولا أنت سكتّ بحكمة، بل كل غايتك إحداث البلبلة وزرع الفتنة في صدور الناس!
تأمل يا رعاك الله، إن عبارة «كفّر الأشاعرةَ ألفُ عالم» ليست دليلاً شرعياً بمجرد إطلاقها، وإنما هي في ميزان العلم «دعوى» تحتاج هي نفسها إلى التمحيص والدليل والتحرير.
إن الرقم، مهما بلغ من الضخامة، لا يعفينا قط من توجيه أسئلة المنهج الصارمة: من هم هؤلاء الألف؟ وما هي مرتبتهم في سلم الاجتهاد؟ وهل ثبتت أقوالهم وتواترت عنهم فرداً فرداً؟ وهل اتفقوا على عبارة تكفيرية واحدة ذات دلالة ومعنى واحد؟ وما هو المذهب الذي نسبوه بدقة إلى الأشاعرة؟ والأهم من ذلك: هل كفّروا أقوالاً مجردة، أم كفروا كل من انتسب إلى الأشعرية عيناً وشخصاً؟ وهل كان كلامهم في باب التكفير المطلق أم في تنزيل الحكم على المعين؟
إن إطلاق رقم كبير في الهواء، ثم مطالبة المسلمين بتسليم عقولهم ودينهم له رعباً ورهبة، ليس من مسالك البحث العلمي في شيء.
إن قول القائل: «ألف عالم كفّروهم» لا يجعل الحكم صحيحاً بذاته، تماماً كما أن قول آخر: «ألف عالم لم يكفّروهم» لا يكفي وحده لإثبات العكس؛ ذلك لأن الحق في دين الله لا يُعرف بضخامة الأرقام المجردة والتكاثر بها، وإنما يُعرف بالدليل الشرعي، وبثبوت النقول وصحة دلالتها.
فإذا لم تُذكر أسماء الألف، ولم تُنقل نصوص أقوالهم، ولم تُعرف أدلتهم الشرعية، ولم يُحرر مرادهم ومقصدهم، فبأي حقٍ، وبأي شريعةٍ، يُجعل هذا الرقم المجهول ميزاناً يُمتحن به الناس في عقائدهم؟ وكيف انقلبت الموازين حتى صار «المجهولون» حجةً قاضية على الأعلام «المعلومين»، وصارت الحكاية المجملة المرسلة حاكمةً على النصوص الشرعية والقواعد العقدية المفصلة؟!
أخطر ما في هذه العبارة الماكرة أنها جمعت مسائل علمية دقيقة ومتباينة ووضعتها في سلةٍ واحدة، ثم أوهمت السامع أن الحكم في كل هذه التفاصيل واحد!
قف أيها الموفق لترى الفروق التي يجهلها هؤلاء: فهناك فرقٌ عظيم بين أن يقال: «هذه المقالة كفر»، وبين أن يقال: «كل من قال هذه المقالة فهو كافر بعينه على سبيل الإطلاق».
وهناك بونٌ شاسع بين أن يقال: «الطائفة الفلانية وقع في كلامها قول كفري»، وبين أن يُحكم على كل فردٍ من أفراد تلك الطائفة بالردة! وبين أن يُكفّر رجل معين باسمه وتقام عليه الحجة وإن كنت تريد الحق في هذه المسألة ارجع إلى قسم بصائر واقرأ البطاقات الأولى من القرآن والسنة فهي تنفعك في فهم هذا الأصل.
قد يحكم العالم الراسخ على مقالةٍ ما بأنها كفر، ولكنه لا يكفّر كل من نطق بها؛ لاحتمال وجود مانع كالجهل، أو التأويل، أو عدم فهم لازم القول، أو عدم ثبوت العبارة عنه من الأساس.
وقد يتكلم العالم عن رؤوس طائفةٍ عاصرهم وعَرَف أقوالهم وناظرهم، ولا يريد بحكمه كل من نُسب إلى تلك الطائفة في القرون اللاحقة عن تقليد أو حسن ظن.
وقد يستعمل الإمام لفظاً شديداً في سياق مناظرة ومقام زجر، ثم لا يرتب عليه أحكام الردة والقتل في الأعيان!
فأين هذا التحرير العلمي الدقيق في عبارة «ألف عالم كفّروا الأشاعرة»؟ هل كفّر الألفُ «المقالةَ» المجردة أم كفروا «القائل»؟ وهل قصدوا رؤوساً معينين عاينوهم أم جميع المنتسبين عبر العصور؟ وهل حكموا بالكفر الظاهر المخرج من الملة أم أرادوا التغليظ والزجر؟ وهل اشترطوا إقامة الحجة أم أهملوها؟ وهل ثبت عندهم أصلاً أن كل من أُطلق عليه اسم «أشعري» يعتقد نفس المقالة المكفرة التي حكموا عليها؟
لقد أُزيلت كل هذه الفروق العلمية وطُمست معالمها، ثم قُدمت النتيجة إلى العوام في صورة صاعقة مدمرة: «ألف عالم كفّروهم!». وهذا لعمري ليس تحريراً علمياً لمذهب أولئك العلماء، بل هو اختزالٌ مخِلٌ لمواقف مجهولة، حُولت إلى شعارٍ للتهويل والترهيب.
وتأمل يا رعاك الله، عندما سألتُ ذلك الشاب عن الباقلاني، وابن فورك، والبيهقي، وابن عساكر، والجويني، والغزالي، وابن العربي، والآمدي، والعز بن عبد السلام، والسبكي، بل وذكرت له النووي، وابن حجر، والسيوطي؛ لم يكن سؤالي هذا انتقالاً إلى موضوع جانبي أو هروباً من أصل النقاش، بل كان اختباراً مباشراً وقاسياً لمعنى العبارة ولوازمها الحتمية.
فهؤلاء الجبال هم من أشهر من نُسبوا إلى الأشعرية، أو وافقوها في جملة وافرة من الأصول. فإذا كان حكم «الألف عالم» عاماً على كل الأشاعرة، فهل يدخل هؤلاء الأئمة فيه أم لا؟
إن قال هذا الشاب: «نعم، هم كفار!»؛ فقد أخرج أئمةً كباراً وأعلاماً حفظوا الدين من دائرة الإسلام، ووجب عليه حينئذٍ أن يثبت عن كل واحدٍ منهم القول المكفّر بعينه، وأن يبيّن وجه كفره، وأن يحقق شروط الحكم عليه وانتفاء موانعه. ولن يغنيه في هذا المقام الصعب أن يكرر بلا وعي: «كفّرهم ألف عالم»؛ لأن الكلام قد انتقل من العموم إلى شخصٍ معيّن، له كتبٌ مدونة، وأقوالٌ محفوظة، وحالٌ في الأمة معلومة.
وإن قال: «هؤلاء ليسوا كفاراً»؛ فقد نقض دعوى تكفير الأشاعرة بإطلاق وهدمها بلسانه؛ لأن أشهر الأعيان الذين تصدق عليهم النسبة إلى المذهب قد أخرجهم هو نفسه من حكم التكفير!
وإن قال: «لا أدري» أو «أتوقف»؛ فقد أقر وثبت على نفسه أنه لا يفهم حدود العبارة التي يرفعها كالسيف، ويريد إلزام الآخرين بها ظلماً وعدواناً.
وإن قال: «أنا لا أكفّرهم، وإنما أنقل قول من كفّرهم»؛ فقد سقط احتجاجه من أصله وبان عواره؛ فالناقل الجبان الذي لا يتبنى القول ولا يؤمن به، لا يملك أدنى حقٍ في أن يلزم به غيره أو يشغب به عليهم.
لقد كان هذا المسكين يريد من «الرقم الضخم» أن يقوم مقامه في إثبات الدليل، وكان يبحث عن «ضمير الغائب» (هم) ليتحمل عنه مسؤولية التكفير العظيمة أمام الله؛ وكأنه يقول: «هم كفّروهم، أما أنا فمجرد ناقل!».
بئس ما ظنّ، فإن أحكام الدين العظيمة، والدماء، والأعراض، لا تثبت بهذه الطريقة الصبيانية. إما أن تتبنى الحكم بشجاعة وتقيم دليله القاطع وتجيب عن لوازمه الخطيرة، وإما أن تعترف صاغراً بأنك تروي قولاً تاريخياً مجملاً لا يُلزم أحداً ولا يقوم به حجة.
قف أيها الموفق، وتأمل كيف قرر شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- أصلاً عظيماً ومنهجاً قويماً في هذا الباب المزلِق، حيث قال بعبارةٍ تُكتب بماء الذهب:
ليس لأحد أن يكفّر أحداً من المسلمين وإن أخطأ وغلط، حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة.
وبيّن بوضوحٍ لا لَبْس فيه أن من ثبت إسلامه بيقين لا يزول عنه ذلك الإسلام بالشك والظن، بل لا بد من إقامة الحجة وإزالة الشبهة. وهذا أصلٌ صريحٌ قاطع في أن مجرد الخطأ، ولو كان في أدق مسائل الاعتقاد، لا يكفي وحده للحكم على المسلم المعيَّن بالكفر.
بل ارتقى ابن تيمية في نصحه وحذر، في سياق الكلام على أخطاء بعض علماء المسلمين، من أن تسليط الجهال وسفهاء الأحلام على تكفير علماء المسلمين هو من أعظم المنكرات التي تبتلى بها الأمة!
وقرر اتفاق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض. ثم مضى -رحمه الله- يسرد اللوازم الفاسدة، موضحاً أن تكفير بعض العلماء بسبب قول اجتهادي أخطؤوا فيه، يلزم منه حتماً تكفير كثرةٍ كاثرة من الشافعية، والمالكية، والحنفية، والحنبلية، والأشعرية، وأهل الحديث، والتفسير، والصوفية! ووصف هؤلاء المذكورين جميعاً في ذلك السياق بأنهم «ليسوا كفاراً باتفاق المسلمين».
ولا يحق لمكابرٍ أن يحرّف كلام ابن تيمية الجلي ليقول إنه يصحح كل مقالةٍ لكل أشعري؛ فهذا ما لم يقله شيخ الإسلام قط. لكن كلامه ينسف ويهدم بلا ريب مسلك التكفير الجماعي الأهوج، الذي يجعل مجرد الخطأ أو الانتساب إلى طائفة كافياً لإخراج علماء المسلمين من دائرة الإسلام.
وهو في الوقت ذاته يهدم من القواعد محاولة استعمال عبارة مجملة عن ألف عالم مجهول، لتكفير أعيانٍ لم تُبحث أقوالهم ولا أحوالهم. فبالله عليك، أيهما أولى بالاتباع والاقتفاء: قاعدة ابن تيمية العلمية المفصلة التي تفرق بدقة بين المقالة وقائلها، وبين الإطلاق والتعيين، وبين الخطأ المحض والكفر البواح؛ أم عبارة مجملة غائمة لا نعرف أسماء أصحابها، ولا ألفاظهم، ولا مرادهم، ولا الأعيان الذين حكموا عليهم؟!
ثم تأمل يا رعاك الله موقف كبار أئمة العصر الموثوقين؛ فقد جاء جواب «اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء» في غاية الصراحة والوضوح، حين قررت أن:
الأشاعرة ليسوا كفاراً، وإنما أخطؤوا في تأويلهم بعض الصفات.
لاحظ دقة العلماء؛ لم تقل اللجنة إنهم مصيبون، ولم تجعلهم موافقين لمنهج السلف في مواضع التأويل، لكنها فرقت بحزم بين الخطأ العلمي وبين الكفر المخرج من الملة، فلم تخرجهم من الإسلام.
وفي فتوى أخرى جليلة، تحدثت اللجنة عن الباقلاني، والبيهقي، وابن الجوزي، والنووي، وابن حجر وأمثالهم ممن وقعوا في التأويل أو التفويض، فقالت ببصيرةٍ وعدل إنهم في نظرها من «كبار علماء المسلمين الذين نفع الله بهم الأمة»، ودعت لهم بالرحمة والمغفرة والجزاء الحسن! وقد صدرت هذه الفتوى العظيمة بتوقيع الإمامين: الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، رحمهما الله.
وهنا يعود الإلزام ليأخذ بخناق هؤلاء الغلاة: إذا كانت عبارة «كفّرهم ألف عالم» حجةً قاطعة، فما هو حكمكم على اللجنة الدائمة؟ وما حكمكم على الإمامين ابن باز وعبد الرزاق عفيفي حين نصّا بجلاء على إسلام الأشاعرة، وعدّا أشهر أعيانهم من كبار علماء أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟
هل ستتجرؤون فتقولون إنهم لم يبلغهم قول الألف عالم المزعوم؟ وإن كان قد بلغهم، فلماذا لم يأخذوا به ورموا به عرض الحائط؟ أم أن الجواب الحق هو: أن هؤلاء الأئمة المعاصرين قد عرفوا أن «رواية مجمل التكفير» شيء، و«تحقيق حكم الطائفة وأعيانها وفق قواعد الشرع» شيءٌ آخر تماماً؟ إن وجود هؤلاء الأئمة المخالفين لدعواكم وحده كافٍ لإبطال دعوى الإجماع المدعاة، ويثبت يقيناً أن عبارة «الألف» ليست حكماً متفقاً عليه، ولا تصلح بحالٍ لامتحان العباد في دينهم وإيمانهم.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل نقل الدكتور أحمد بن عبد الرحمن القاضي في كتابه القيم «ثمرات التدوين من مسائل ابن عثيمين» شهادةً صاعقة.
فقد سأل الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين عن الصلاة في المساجد التي يغلب على أئمتها الاعتقاد الأشعري، فأجاب الشيخ بجواز الصلاة، وأنه لا يلزم المسلم أن يمتحن الإمام ويسأله عن عقيدته. فصعّد الدكتور القاضي سؤاله قائلاً: فإن عُلم يقيناً أنه أشعري المعتقد؟ فأجاب الشيخ العثيمين بعبارةٍ فاصلة:
الصلاة خلفه جائزة، ولا أعلم أحداً كفّر الأشاعرة.
قف أيها الموفق أمام هذه الشهادة! هذه شهادة عالمٍ نحرير، واسع الاطلاع، شديد العناية والتبحر في كتب العقيدة وتفاصيل الخلاف العقدي.
صحيح أنه لا يلزم من قوله هذا أنه أحاط بكل شاردة وواردة وعبارة صدرت عن كل عالمٍ عبر مجرى التاريخ؛ لكن قوله هذا ينسف بلا شك ولا ريب تصوير هؤلاء للمسألة وكأنها إجماعٌ ظاهرٌ مستفيض عن ألف عالم، لا يجهله أصغر طالب علم، فكيف يخفى على جبلٍ مثل ابن عثيمين؟!
ولو كانت دعوى تكفير الأشاعرة عن ألف عالم ثابتةً محررةً مشهورةً بالمعنى القطعي الذي يريده غلاة الحدادية، لما تجرأ ابن عثيمين على القول: «ولا أعلم أحداً كفّر الأشاعرة».
فالعقل السليم يحكم بأحد أمور: إما أن تكون العبارة المنقولة عن الألف قد فُهمت على غير وجهها الصحيح، أو أن المراد بها تكفير مقالاتٍ بعينها أو طائفةٍ مخصوصةٍ بادت، أو أن النقل لم يثبت سنداً عند الشيخ أصلاً، أو أنه رآه ثابتاً لكنه لا يدل على التكفير العام الذي يزعمه هؤلاء الغلاة. وفي جميع هذه الاحتمالات، تسقط وتتحطم محاولة استعمال هذه العبارة كحجة قاطعة وسيف مسلط.
وختاماً أيها الموفق، دعنا نوجه هذا النداء الصارم لكل من يحتج بعبارة «كفّر الأشاعرة ألف عالم»، ونسأله سؤالاً لا فرار منه: هل تعتقد «أنت» في قرارة نفسك كفر الأشاعرة؟
فإن قال هذا المدعي: «نعم»، قلنا له: أفتكفّر إذن الباقلاني، وابن فورك، والبيهقي، وابن عساكر، والجويني، والغزالي، وابن العربي، والآمدي، والعز بن عبد السلام، والسبكي وغيرهم من أعلام الأمة؟
فإن قال: «لا أكفّر هؤلاء»، قيل له مفحماً: لقد أبطلت وهدمت بنفسك تكفير الأشاعرة بإطلاق! لأنك استثنيت أشهر أعيانهم؛ فإن كان هؤلاء الأعلام الذين يُعدون رؤوس الأشاعرة وكبار منظريهم ليسوا بكفار عندك، فهذه العبارة إذن باطلةٌ بلسانك أنت، وباطلةٌ بعمل علماء المسلمين على مر العصور.
فالتطبيق العملي على أرض الواقع يخالف هذه العبارة تماماً؛ فهل جهل كل هؤلاء العلماء الأثبات هذه المقالة المكفرة؟ أم أنهم فهموها بشكلٍ آخر؟ أم علموها وأهملوها لعلمهم بفسادها؟ أترك الجواب لفطرتكم!
وإن قال متهرباً: «أتوقف فيهم»، قيل له: وكيف تستبيح لنفسك أن تطالب غيرك بإطلاق حكمٍ قاسٍ تتوقف أنت جبناً أو حيرةً في تنزيله على أشهر من يدخل تحته؟!
وإن لجأ إلى حيلته القديمة وقال: «أنا لا أتبنى القول، وإنما نقلته فقط»، قيل له: انتهى الاحتجاج ورُفعت الأقلام! لأن النقل المجرد ليس اعتقاداً يُدان به، ولا دليلاً يُحتج به.
أنت لم تقدم حجةً شرعية، وإنما حكيت أن آخرين مجهولين قالوا قولاً لا تعرف أنت أسماءهم، ولا تتبنى أنت حكمهم، ولا تستطيع تطبيقه، ولم يطبقه علماء الإسلام الأثبات، بل إن العمل جرى بخلافه على مر العصور إلى يومنا هذا.
وأنت شخصياً تخالفه، وشيخك محمد شمس الدين يخالفه، وغالب الحدادية لا يقوون على التصريح بهذا التكفير علانية، بل يستعملون التقية تارة، والهروب والروغان تارة أخرى!
وفي النهاية، أنتم تستشهدون بقولٍ لا تطبقونه أبداً، هدفكم منه التشغيب وإحداث البلبلة، وتتسترون جبناً بأسماء علماء كبار، فإذا جئناكم بالإجماع العملي وتطبيق الأمة، بل وألزمناكم بنتائج أفعالكم، تهربتم وتبرأتم!
ولذلك يا هذا، لا يحق لك بعد اليوم أن تستشهد بهذا القول لأنني لست وحدي من يخالفه، بل أنت وشيوخك تخالفونه قبل العلماء والأئمة الكبار المحققين. فأنت بجوابك المتهرب هذا تخالف «الألف عالم» الذين تتترس بهم!
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تكون من ثمرات هذا الترويج الفاسد والتلاعب بالنصوص، أن يخرج من بين صفوفكم من يُكفر المسلمين بالجملة، ثم تأتون بكل براءة لتقولوا: «لا علاقة لنا بالتكفير، وهؤلاء ليسوا من أتباعنا»!
خلاصة القول
إن دعوى «كفّر الأشاعرة ألف عالم» هي دعوى لا تثبت إجماعاً، وعمل الأمة سلفاً وخلفاً قائمٌ على خلافها. وهي لا تقيم دليلاً شرعياً صحيحاً، ولا تحرر المقالة المكفّرة، ولا تفرق بين تكفير القول المجرد وتكفير القائل المعين، ولا بين الحكم العام المحتمل والحكم على المعيَّن الذي لا يُبنى إلا على اليقين.
إنها دعوى أضعف وأوهن من أن يُخرج بها رجلٌ واحد من دائرة الإسلام، فكيف بأن تُخرج بها طائفةٌ واسعة، وأئمةٌ كبار، جهابذة، خدموا القرآن والحديث والفقه قروناً طويلة؟!
ولو كانت هذه الدعوى صحيحةً ثقيلة، لما تهربتَ منها أنت وشيخك كهروب النعام!
وإن كنتم ترونها صحيحة حقاً، فتفضلوا، تحلوا بالشجاعة، والتزموا بها، وصرّحوا علانية بتكفير أعيان الأشعرية؛ ولن أطلب منكم تكفير المقلدة أو العوام، بل كفروا رؤوس الفرقة وكبار المتكلمين! وأتحداكم أن تفعلوا!
أما أن يرفع أحدهم في وجه عوام الناس لافتةً عريضة كُتب عليها بالبنط العريض «ألف عالم»، فإذا طُلب منه اسم عشرةٍ منهم سكت ولم يجد، وإذا سُئل عن الأعيان انقطع وارتج عليه، وإذا حُوصر بلوازم قوله الباطل تبرأ وقال: «أنا مجرد ناقل»؛ فاعلموا يقيناً أن هذه ليست حجةً علمية تصمد في ميادين الحق، وإنما هي ضجيجٌ مفتعل، وتشغيبٌ فارغ، لا يغني من الحق شيئاً.
