إيرادُ «كيف سيحاسبهم الله؟» في مسألة صحف الأعمال

قائلها: محمد بن شمس الدين 15 أغسطس 2026

نصّ الشبهة

قرّر محمد بن شمس الدين أن أهل السنة أجمعوا على أن كثيرًا من المخلوقات لا يتطرّق إليها الهلاك، فقال: «أهل السنة أجمعوا على أن كثيرًا من الأشياء من المخلوقات لا يتطرّق إليها الهلاك، كالجنة والنار واللوح المحفوظ».

ثم انتقل إلى صحف الأعمال فقال: «الصحف التي تكتب فيها الملائكة أعمال بني آدم، هذه لن تهلك؟ كيف سيحاسبهم الله سبحانه وتعالى؟».

من مقطعٍ مصوَّر منشور له في الكلام على ما يبقى من المخلوقات، والمقطعُ مثبتٌ في آخر هذه الصفحة.

ما لسنا بصدده

لسنا هنا في مسألة ما يفنى من المخلوقات وما يبقى؛ فتلك مسألةٌ لأهل العلم فيها كلام، وليست هي موضع النقض.

وإنما النزاع في السؤال نفسه: «كيف سيحاسبهم الله؟». فهذا لفظٌ نُنكره ونردّه، أيًّا كان القول الذي بُني عليه.

سؤالٌ لا يصحّ إلا في حقّ عاجز

وهذا هو موضع القصم، ويتّضح بمثالٍ واحد:

قاضٍ ضيّع مستنداتٍ فيها أدلّةٌ تُثبت أو تُدين متّهمًا. ففي هذه الحال يحقّ لك أن تسأل: كيف سيحاسب القاضي هذا المتّهم؟ ويكون سؤالك وجيهًا؛ لأن القاضي بشرٌ لا يعلم إلا بما بلغه، ولا يحكم إلا بما بين يديه، وذاكرتُه تخون، وسِجلُّه يضيع.

أما أن يُقال هذا في حقّ الله سبحانه، فلا يستقيم إلا على أصلٍ واحد: أن يكون في النفس شيءٌ من قدرة الله أو من إحاطة علمه. وإلا فما وجهُ الإشكال أصلًا؟

فالسؤال في ذاته يفترض عجزًا: إما عجزًا عن الحفظ، أو عجزًا عن العلم، أو افتقارًا إلى وسيلةٍ خارجة. وكلُّ ذلك منتفٍ في حقّه سبحانه انتفاءً قطعيًّا.

النصوص تقطع الإشكال من أصله

قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾.

وقال في هذا الباب بعينه، باب الإحصاء يوم الحساب: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾. فنصّ على أن الإحصاء إليه سبحانه، وأن النسيان من شأن العبد لا من شأن الربّ.

وقال عن نبيّه موسى عليه السلام حين سُئل عن القرون الأولى: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ ۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ﴾. فنفى عنه الضلال والنسيان نفيًا صريحًا.

وقال: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ ۖ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ﴾. فوصف الكتاب بأنه حفيظ، وهو عنده سبحانه لا يضيع.

وقال: ﴿لَّيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. وهذه الآية وحدها تُبطل كلَّ قياسٍ لله على خلقه.

والصحفُ حجةٌ على العبد، لا تذكرةٌ للربّ

وهذا هو أصل الباب الذي غاب عن السؤال. فإن الكتابة والصحف والملائكة الحفظة ليست وسيلةً يستعين بها الله على العلم، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ فإنه سبحانه عالمٌ بالعمل قبل أن يقع، فضلًا عن أن يُكتب.

وإنما هي إقامةُ الحجة على العبد وإلزامُه بما لا يستطيع إنكاره. قال تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾. فالغاية أن يقرأ العبدُ بنفسه فيُقرّ.

وقال: ﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ۚ وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾.

ثم إن الله لم يجعل الحجة موقوفةً على الصحف وحدها؛ فقد أخبر أنه يُنطق الجوارح شهودًا: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، وقال: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا ۖ قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.

ومن أنطق الجلودَ والأيديَ والأرجلَ شهودًا، لا يُقال في حقّه: كيف سيحاسب؟

تسمية المغالطة

وهذه مغالطة لها اسمٌ معروف: قياسُ الغائب على الشاهد، أو قياسُ الخالق على المخلوق. وهي أصلُ ما ضلّ به من ضلّ في هذا الباب.

وموضع الخلل أن العقل تصوّر المحاسبةَ على صورة محكمةٍ بشرية: قاضٍ، وملفّ، ومستندات؛ فإذا اختلّ المستند اختلّ الحكم. ثم أُنزلت هذه الصورةُ على الله سبحانه، فوُلد الإشكال من هذا التنزيل لا من النصّ.

وهذا هو الذي يقع فيه من يتصدّر للكلام في أبواب الاعتقاد قبل أن يُحكِم أصولها؛ فيُورد على الله ما يُورَد على المخلوقين.

الإلزام

ثم نأتي إلى الميزان. فإن هذا الرجل يمتحن الناس بالألفاظ، ويُبدِّع باللفظ المحتمِل، ويؤاخذ بلازم القول وإن لم يصرّح به قائله، ويجعل الكلمة الواحدة كافيةً في إخراج الرجل من أهل السنة.

فليُعرَض لفظُه هذا على ميزانه: ما حكم عبارةٍ لازمُها القدحُ في قدرة الله أو في إحاطة علمه؟ لو صدرت من إمامٍ من أئمة الإسلام لكانت عنده كافيةً في إسقاطه وتبديعه، بل ربما تكفيره.

فإن أعملَ قاعدتَه في نفسه سقط بها. وإن استثنى نفسه فقد أقرّ أنها لم تكن قاعدةً قط، وإنما هي سيفٌ يُشهر على المخالف ويُغمَد عند النفس.

ولا نصنع به ما يصنع بالناس

ونحن لا نحكم على قلبه، ولا نقول: هو شاكٌّ في قدرة الله. نجزم بأن اللفظ باطلٌ مردود، ونقف عن الحكم على قائله. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين منهجنا ومنهجه.

بل نقول: نعذره بجهله، ونرجو له الرجوع. والحجة في ذلك من عنده هو؛ ففي «الصحيحين» حديث الرجل الذي أمر بنيه أن يحرقوه ويذروه في الريح، وقال: «فوالله لئن قدر عليّ ربي ليعذّبني عذابًا ما عذّبه أحدًا». فسأله الله: ما حملك على ما صنعت؟ قال: خشيتُك يا ربّ. فغفر له.

قال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» معلّقًا:

فهذا رجلٌ شكّ في قدرة الله وفي إعادته إذا ذُرّي، بل اعتقد أنه لا يُعاد، وهذا كفرٌ باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلًا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك؛ والمتأوّل من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا.

فهذا هو الباب الذي يُنكره ويُبدّع أهلَه: باب العذر بالجهل. فإذا احتاج إليه لنفسه فليعلم أنه هو الباب الذي أغلقه على الأئمة. ونحن نفتحه له كما نفتحه لغيره، لأن الميزان عندنا واحد.

وجِماع الأمر

«كيف سيحاسبهم الله؟» سؤالٌ يصحّ في حقّ قاضٍ ضاع سِجلُّه، ولا يصحّ في حقّ من ﴿أَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ و﴿لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ﴾.

والصحفُ حجةٌ على العبد لا عونٌ للربّ، والجوارحُ تنطق شاهدةً، والحسابُ قائمٌ لا يتوقّف على وعاء. واللفظُ مردودٌ، وقائلُه يُعذر بجهله ويُطالَب بالرجوع.

المقطع

كلّ الشبهات منهج التوثيق والتصحيح
وفي الباب

شبهاتٌ أخرى

  1. محمد بن شمس الدين يتهم الأمة بالضلال قرونًا طويلة، ويزعم أن كتب أهل السنة حُرقت وأن علماءها الحقيقيين انقرضوا بانقراض السلفمحمد بن شمس الدين
  2. دعوى أن ألف عالمٍ كفَّروا الأشاعرة، فيُكفَّر بها أعيانُهممحمد بن شمس الدين
  3. دعوى أن الدعوة السلفية هي التي أفرخت الحدادية، وأن محمد بن شمس الدين ثمرتُها الطبيعيةغلاة الأشاعرة