كيف يوصف من وقع في بدعة بالإمامة؟ نقضُ دعوى سقوط الإمامة بالزلّة
نصّ الشبهة
يقرّر عبد الرحمن دمشقية أصلًا يقول فيه: «أنا لن أتهاون في أي مسألةٍ في العقيدة، وأيُّ رجلٍ من أهل العلم وقع في خطأٍ عَقَدي أُلحقُه بتلك الفرقة التي شابهها». فمن وقع في بدعةٍ سقطت إمامتُه وسقط الاحتجاج به.
وعلى هذا الأصل يُلقى السؤال على الناس فيقال: «كيف يوصف من وقع في بدعة بالإمامة؟ كيف نقول: فلانٌ إمام، وقد وقع في بدعة كذا وبدعة كذا؟». فيُجعل وقوعُ الزلّة مانعًا من وصف صاحبها بالإمامة أصلًا.
ويحتجّ هو وأصحابه على ذلك بأنهم على أصول السلف في الهجر والإسقاط، ويسوقون هجر الإمام أحمد بن حنبل لمخالفيه شاهدًا على أن هذا هو المسلك المتّبع، فيقولون: نحن نطبّق ما فعله أحمد.
من مقاطعَ مصوَّرة منشورة لعبد الرحمن دمشقية ومن بثوثه، وهو أصلٌ مطّرد في خطاب الجماعة يُلقى على شبابها.
لا نداهن في المسألة
الإجابةُ في محنة خلق القرآن منكرٌ عظيم، وهجرُ الإمام أحمد لمن أجاب حقٌّ، وموقفُه هو الذي حفظ الله به الدين. لسنا نلتمس لأحدٍ عذرًا في القول بخلق القرآن، ولا نهوّن من صنيع من أجاب.
فالنزاع ليس هنا. النزاع في السؤال الذي يلي: هل سقطت إمامةُ من أجاب؟ وهل صار مطروحًا لا يُروى عنه ولا يُعدّ في أهل السنة؟ فإن قلتَ نعم، فأمامك بابٌ كامل في «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي فأجب عنه.
وقبل الجواب: من هو العالِم أصلًا؟
فإن السؤال مبنيٌّ على تصوّرٍ خاطئ للعلم وأهله. والعلم الذي أثنى الله على حَمَلته وزكّاهم ورفع درجتهم بيّن صفتهم فقال: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾. فالعلم خشيةٌ في القلب، وهو الفقه في الدين: «من يُرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين».
والعالِم ليس من قرأ كتابًا. قال الشاطبي: كان العلم في صدور الرجال، فنُقل إلى الكتب، ومفاتحُه بأيدي الرجال. ولهذا كان رفعُ العلم بقبض العلماء لا بمحو الكتب. وسأل زياد بن لبيد النبيَّ صلى الله عليه وسلم: كيف يُرفع العلم وقد أُثبت في الكتب ووعته القلوب؟ فقال: «إن كنتُ لأظنك من أفقه أهل المدينة»، ثم ذكر ضلال أهل الكتاب وبين أيديهم التوراة والإنجيل.
ومن كان شيخُه كتابَه كان خطؤه أكثر من صوابه. وإنما العالِم من جثا عند العلماء بركبتيه فحمل عنهم، وعرض عليهم فهمَه فقوّموه.
ثم إن العالِم إنما يُعرف بالشهادة له. قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الجنازتين: «وجبت، وجبت»، أما هذا فأثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة، وأما هذا فأثنيتم عليه شرًّا فوجبت له النار. وفي الحديث: ما من مسلمٍ يموت فيشهد له أربعةُ أهلِ أبياتٍ من جيرانه الأدنَين أنهم لا يعلمون إلا خيرًا، إلا قال الله: «قد قبلتُ علمكم فيه، وغفرتُ له ما لا تعلمون».
فإذا كان أربعةٌ من الجيران تُقبل شهادتُهم، فما بالك بأربعين وأربعمئة وأربعة آلاف من أهل العلم يشهدون لرجلٍ بالعلم والفضل والإمامة عبر القرون؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «يحمل هذا العلم من كل خَلَفٍ عدولُه»، فأثبت أن في كل جيلٍ حَمَلةً عدولًا.
وهذا يفسّر لك: «ما ابتدع عالمٌ قط»
قال أبو بكر الطرطوشي، ونقله الشاطبي: «ما ابتدع عالمٌ قط، إنما الذي يبتدع من ليس بعالم».
ومعناه أن العالم إذا وقع في شيءٍ من ذلك، فإنما يقع فيه باجتهادٍ أخطأ فيه وتأوُّلٍ ظنّه حقًّا، لا مشاقّةً لله ورسوله ولا اتباعًا للهوى. وهذا هو الفرق بين رجلٍ وقع في بدعةٍ وهو من أئمة المسلمين، وبين مبتدعٍ مشاقٍّ مخالفٍ لسبيل المؤمنين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم وأخطأ في بعض ذلك، فالله يغفر له خطأه»، تحقيقًا للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
وضابطُ ابن تيمية في «درء تعارض العقل والنقل»
وقد ضرب شيخ الإسلام لهذا مثالًا حيًّا لا يحتمل التأويل. فذكر أبا ذرٍّ الهروي، راويَ «صحيح البخاري» عن شيوخه الثلاثة، وهو الذي أخذ طريقة الباقلاني وحملها إلى الحرم فنشرها في أهل المغرب، حتى رحل بسببه أبو الوليد الباجي وأبو بكر ابن العربي فأخذا طريقة المتكلمين. ولمّا ذكره ذاكرٌ فلعنه، قال ابن تيمية:
قلت: أبو ذرٍّ فيه من العلم والدين والمعرفة بالحديث والسنة، وانتصابِه لرواية البخاري عن شيوخه الثلاثة، وغيرِ ذلك من المحاسن والفضائل، ما هو معروفٌ به.
ثم ذكر من ردّ عليه ونقضه من أكابر أهل العلم كأبي نصر السجزي وأبي القاسم الزنجاني، ثم قال:
ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة وحسناتٌ مبرورة، وله في الردّ على كثيرٍ من أهل الإلحاد والبدع، والانتصارِ لكثيرٍ من أصول السنة والدين، ما لا يخفى على من عرف أحوالهم وتكلّم فيهم بعلمٍ وصدقٍ وعدلٍ وإنصاف.
ثم بيّن سبب زللهم: أنه لمّا التبس عليهم أصلٌ مأخوذ ابتداءً عن المعتزلة، وهم فضلاء عقلاء، احتاجوا إلى طرده والتزامه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين.
ثم قسّم الناس فيهم قسمين، ثم حكم:
فصار الناس بسبب ذلك: منهم من يعظّمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمّهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل. وخيار الأمور أوساطها.
ثم قطع الطريق على من يزعم أن هذا خاصٌّ بهؤلاء فقال:
وهذا ليس مخصوصًا بهؤلاء، بل مثلُ هذا وقع لطوائفَ من أهل العلم والدين. والله تعالى يتقبّل من جميع عباده المؤمنين الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
فتأمل: هذا رجلٌ نشر مذهب الأشاعرة في المغرب، ومع ذلك يقول فيه ابن تيمية ما قال. فأين هذا من صنيعكم بالنووي وابن حجر ولم يفعلا عُشْر ذلك؟
والإلزامُ الذي ساقه ابن تيمية بنفسه
ولم يتركها شيخ الإسلام قاعدةً مجرّدة، بل ألزم بها المخالف فقال:
ومن اتّبع ظنّه وهواه، فأخذ يشنّع على من خالفه بما وقع فيه من خطأٍ ظنّه صوابًا بعد اجتهاده، وهو من البدع المخالفة للسنة - فإنه يلزمه نظيرُ ذلك، أو أعظمُ، أو أصغرُ، فيمن يعظّمه هو من أصحابه. فقلّ من يسلم من مثل ذلك في المتأخرين؛ لكثرة الاشتباه والاضطراب، وبُعد الناس عن نور النبوة وشمس الرسالة.
فهذا هو الإلزام بعينه، من شيخ الإسلام لا من عندنا: من شنّع على مخالفٍ بزلّةٍ اجتهادية، لزمه نظيرُها فيمن يعظّمه من أصحابه. فمن حكم على الخطّابي بالتجهّم، وعلى النووي بأنه يكذب على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه فسّر الحديث بما لا يرتضيه - لزمه مثلُه في شيوخه وأصحابه.
البابُ الذي لا مهرب منه
عقد ابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد» بابًا سمّاه: «في ذكر جماعةٍ من كبار الذين أجابوا في المحنة». وساق فيه صفحاتٍ من الأسماء. وهم أئمةٌ عندنا وعندكم وعند جميع المسلمين، أئمةٌ عند كل منتسبٍ إلى السنة، تدور عليهم أسانيدُ الحديث وتُروى عنهم الدواوين.
ولن نسوق أسماءهم سترًا؛ فليس مقصودُنا التشهير بهم، بل تقريرُ القاعدة. ومن أراد فالكتاب بين يديه.
وانظر كيف عاملهم الإمام أحمد
لم يكن هجرًا هيّنًا، بل كان من أشدّ ما يكون:
واحدٌ منهم مات فلم يحضر أحمدُ جنازته. قال الميموني: صحّ عندي أنه لم يحضر جنازته حين مات، فحسبتُ أن ذلك لما كان أجاب في المحنة.
وآخرُ جاءه فأغلق البابَ في وجهه. قال صالح بن أحمد: جاء فلانٌ إلى أبي وقد كان ذهب إلى ابن أبي دؤاد، فلما خرج إليه أبي فرآه أغلق البابَ في وجهه ودخل. قال ابن الجوزي: وكذلك فعل بآخر، جاء فطرق عليه الباب، فلما خرج فرآه أغلق الباب ورجع مغضبًا يتكلم هو ونفسه بكلماتٍ سمعها الرجل فلم يعُد إليه.
وثالثٌ عاده في مرضه فولّاه أحمدُ ظهرَه وأمسك عن كلامه حتى قام وهو يتأفّف ويقول: بعد الصحبة الطويلة لا يكلمني!
ورابعٌ دخل عليه وهو مريض فسلّم فلم يردّ عليه السلام؛ وكان أحمد قد حلف بالعهد ألا يكلم أحدًا ممن أجاب حتى يلقى الله عز وجل.
وحين اعتذر بالإكراه
فما زال ذلك الرجل يعتذر ويقول: «حديثُ عمّار»، يعني قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. فقلب أحمدُ وجهه إلى الجانب الآخر. فقال الرجل: أُفّ، وقام وقال: «لا يقبل لنا عذرًا».
فلما خرج، خرج إليه رجلٌ من أصحاب أحمد فقال: أيّ شيءٍ قال أحمد بعدي؟ قال: قال: يحتجّ بحديث عمّار، وحديثُ عمّار: مررتُ وهم يسبّونك فنهيتُهم فضربوني. أي أن عمّارًا ضُرب فعلًا، وهؤلاء إنما تُوُعِّدوا.
ثم قال الرجل كلمةً ينبغي أن تُكتب بماء الذهب: «مُرَّ يا أحمد غفر الله لك، فما رأيتُ والله تحت أديم السماء أفقهَ في دين الله عز وجل منك». فانظر: يهجره أحمد فلا يردّ السلام، وهو يُثني عليه بالفقه ويدعو له. هكذا كان القوم.
ثم عَلَّل ابن الجوزي هذا الهجر بثلاثة وجوه
قال: فإن قال قائل: إذا ثبت أن القوم أجابوا مُكرَهين فقد استعملوا الجائز، فلِمَ هجرهم أحمد؟ فالجواب من ثلاثة أوجه:
الأول: أن القوم تُوُعِّدوا ولم يُضربوا فأجابوا، والتوعّد ليس بإكراه.
الثاني: أنه هجرهم على وجه التأديب، ليعلم العوامُّ تعظيمَ القول الذي أجابوا عليه، فيكون ذلك حفظًا لهم من الزيغ.
الثالث: أن معظم القوم لما أجابوا قبِلوا الأموال وترددوا إلى القوم وتقرّبوا إليهم، ففعلوا ما لا يجوز، فلهذا استحقوا الذمّ والهجر.
وفي هذا قال أحمد، وقد حدّث المرّوذي أنهم دخلوا العسكر فما ذاق أبو عبد الله طبيخًا ولا دَسَمًا حتى خرجوا: «كم تمتّع أولئك! إني لأعجب من حرصهم على الدنيا، فكيف يطوفون على أبوابهم؟».
وأقبحُ ما نُقل
ولم يقف الأمر عند الإجابة. قال ابن الجوزي: «ومن أقبح ما نُقل عن فلانٍ أنه روى لابن أبي دؤاد حديثًا عن الوليد بن مسلم، كان الوليدُ أخطأ في لفظه منه، فذكره لهم على الخطأ ليقوّي به احتجاجهم؛ فكان ذلك مما أُنكر عليه».
وبيانُه: أن الأثر عن عمر رضي الله عنه في قوله تعالى ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ أنه قال: «هذا لعمرُ الله التكلّف؛ فخذوا أيها الناس بما بُيّن لكم فاعملوا به، وما لم تعرفوه فكِلوه إلى عالمه». فأخطأ الوليدُ في اللفظ فقال: «فكِلوه إلى خالقه». وفرقٌ بين اللفظين؛ إذ «خالقه» يُوهم أن القرآن مخلوق، و«عالمه» لا يُوهم شيئًا.
فلما بلغ أحمدَ أن الرجل يحدّث باللفظ الأول قال: «كذب. حدّثنا الوليد بن مسلم، ما هو هكذا، إنما هو: كِلوه إلى عالمه». وقال: «قد علم فلانٌ أن الوليد أخطأ فيه».
فالرجل لم يكذب الكلمة من عنده، لكنه رواها وهو يعلم أنها خطأ. ومن حدّث بما يعلم خطأه ولم يبيّن، فقد أعان على الباطل وإن لم ينطق به.
وهذا بابٌ يرجع على القوم أنفسِهم؛ فإن محمد بن شمس الدين ساق حديث الاستلقاء وقرّره، وهو حديثٌ موضوع نصّ ابن رجب على أن فيه دسيسةً يهودية. فقيل دفاعًا عنه: إنه لم يروِه وإنما كان يعلّق على كتابٍ وجده فيه. ومن حدّث بالموضوع في العوام بلا بيان وضعِه فقد مرّره عليهم كأنه عقيدة أهل السنة. فإن كان هذا يُغتفر له، فما ذنب من هجره أحمد؟
وقصةُ العشرة آلاف درهم
وأشدُّ منها ما رواه ابن الجوزي من طريق الخطيب البغدادي: أن ابن أبي دؤاد لما ناظر أحمدَ بين يدي المعتصم في الرؤية، احتجّ أحمدُ بحديث جرير بن عبد الله البجلي: «أما إنكم سترون ربكم كما ترون هذا البدر لا تُضامّون في رؤيته». فقال ابن أبي دؤاد: أنظرُ في إسناد هذا الحديث. ثم انصرف.
فوجّه إلى رجلٍ من كبار أهل الحديث ببغداد، وكان مُملِقًا لا يقدر على درهم، فأحضره، فما كلّمه بشيءٍ حتى وصله بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يُدفع إليه جميعُ ما استحقّ من أرزاقه، وكان له رزق سنتين. ثم قال: حديث جرير في الرؤية، ما هو؟ قال: صحيح. قال: فهل عندك فيه شيء؟ قال: يُعفيني القاضي من هذا. قال: هو حاجةُ الظهر. ثم أمر له بثيابٍ وطِيبٍ ومركبٍ بسرجه ولجامه، ولم يزل حتى قال: في هذا الإسناد من لا يُعتمد عليه ولا على ما يرويه.
فعاد ابن أبي دؤاد إلى المعتصم فقال: يا أمير المؤمنين، يحتجّ في الرؤية بحديث جرير، وإنما رواه فلانٌ وهو أعرابيٌّ بوّالٌ على عَقِبَيه. قال أحمد: فعلمتُ أنه من عمل فلان.
ثم انظر ماذا صنع الخطيب البغدادي بهذه الحكاية، مع أنها مرويةٌ بإسنادها: فقد ضعّفها وردّها، وقال: «وقد نزّه الله فلانًا عن قول ذلك؛ لأن أهل الأثر - وفيهم فلان - مجمعون على الاحتجاج برواية فلان وتصحيحِها، إذ كان من كبراء تابعي أهل الكوفة».
وفي هذا فائدتان: أن الأثر يُروى بإسناده ثم يُضعَّف ويُردّ إذا خالف المعلوم من حال الرجل. وهذا جوابُ من يحتجّ بكل أثرٍ قيل في أبي حنيفة لمجرد أنه مرويّ.
ولئن لم تصحّ عنه هذه الرواية، فقد تواتر عنه في كتب الأخبار أنه أجاب في المحنة. حتى قيل لإبراهيم الحربي: لِمَ لا تحدّث عن فلان؟ فقال: لقيتُه يومًا وبيده نعلُه وثيابُه في فمه يهرول، فقلت: إلى أين؟ قال: ألحقُ الصلاة خلف أبي عبد الله. فظننتُه يعني أحمد بن حنبل، فقلت: من أبو عبد الله؟ فقال: ابن أبي دؤاد. قال: فقلت: والله لا حدّثتُ عنك بحرف. وقال الحربي: كان إذا رأى في كتابٍ حديثًا عن أحمد بن حنبل قال: اضرب على ذا، ليُرضي به ابن أبي دؤاد.
والآن، أجِب
هذه أفعالٌ في بابٍ هو أعظم أبواب الاعتقاد: مسألة كلام الله. وفيها إجابةٌ في المحنة، وقبولُ أموال، وطوافٌ على أبواب أهل البدعة، وروايةُ الخطأ عمدًا لتقوية باطلهم، وطعنٌ في إسنادٍ صحيح بعد عطاء، وضربٌ على حديث الإمام أحمد إرضاءً لابن أبي دؤاد. وهجرهم إمامُ أهل السنة فلم يردّ عليهم السلام، ولم يحضر جنازة بعضهم، وحلف ألا يكلّمهم حتى يلقى الله.
فهل أسقط أهل السنة إمامة هؤلاء؟ وهل تركوا الرواية عنهم؟ وهل أخرجوهم من أهل السنة؟
لا. بل بقُوا أئمةً يُروى عنهم، وسمّاهم ابن الجوزي في العنوان نفسِه «كبارًا». وقد تاب أكثرهم وأناب لما زالت المحنة، ولهم بعد ذلك مع أحمد مواقف حسنة.
فإن قيل: ولمَ لم تسقط إمامتُهم وقد فعلوا ما فعلوا؟ فالجواب في كلمةٍ واحدة: لأن أهل السنة لم يُسقطوها. فلا يحلّ لي ولا لك أن نأتي اليوم فنُسقط إمامةَ من لم يُسقطه أهلُ السنة. وهذا هو الفرق بين من يتّبع وبين من يشرّع.
والضابطُ عند الذهبي
وقد حرّر الحافظ الذهبي هذا الباب تحريرًا يقطع النزاع. ترجم في «سير أعلام النبلاء» لرجلٍ فقال: «كان من أوعية العلم، وممن يُضرب به المثل في قوة الحفظ، روى عنه أئمة الإسلام، وهو حجةٌ بالإجماع إذا بيّن السماع». ثم قال: «وكان يرى القَدَر، نسأل الله العفو». ثم قال:
ومع هذا فما توقّف أحدٌ في صدقه وعدالته وحفظه. ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبّس ببدعةٍ يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وُسعه، والله حكمٌ عدلٌ لطيفٌ بعباده، ولا يُسأل عما يفعل.
ثم ساق الضابط بحروفه:
ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثُر صوابُه، وعُلم تحرّيه للحق، واتسع علمُه، وظهر ذكاؤه، وعُرف صلاحُه وورعُه واتباعُه - يُغفر له زلَلُه، ولا نُضلّله ونطرحه وننسى محاسنه. نعم، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك.
فتأمل هذه الجملة الواحدة كيف جمعت الطرفين: «لا نقتدي به في بدعته وخطئه» فليس فيها تمييع، «ولا نُضلّله ونطرحه وننسى محاسنه» فليس فيها إسقاط. وهذا هو الميزان، من إمامٍ من أئمة الحديث لا من غيرهم.
ولم يقلها الذهبي مرةً واحدة. فقد ترجم لعالمٍ من كبار المصنّفين صرّح في كتابٍ له بأن الإيمان مخلوق، وأن الإقرار والشهادة وقراءة القرآن بلفظه مخلوق، ونقل أن علماء وقته هجروه على ذلك وخالفه أئمة خراسان والعراق. ثم علّق الذهبي فقال:
ولو أنّا كلما أخطأ إمامٌ في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفورًا له، قمنا عليه وبدّعناه وهجرناه - لَما سلِم معنا لا ابنُ نصر، ولا ابنُ منده، ولا من هو أكبر منهما. والله هو هادي الخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين. فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة.
وقال في موضعٍ آخر، بعد أن ذكر عالمًا كبيرًا من أهل السنة أخطأ في حديثٍ يتعلق بالصفات، بل واشتدّ على مخالفيه فيه:
فليُعذر من تأوّل بعض الصفات. وأما السلف فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكفّوا وفوّضوا علم ذلك إلى الله ورسوله. ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده - مع صحة إيمانه وتوخّيه الحق - أهدرناه وبدّعناه، لقلّ من يسلم من الأئمة معنا. رحم الله الجميع بمنّه وكرمه.
فاجمع الآن: ابن تيمية يقول «خيار الأمور أوساطها» و«ما من هؤلاء إلا من له مساعٍ مشكورة»، والذهبي يقول «لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده» و«لقلّ من يسلم من الأئمة معنا». فهل هذان مُميّعان؟
ومن سبقكم إلى هذا؟
وهذا سؤالٌ واحد يُغني عن الجدل كله. فإنّا نتفق جميعًا على ابن تيمية، ونحن ومخالفونا نحتجّ به. فأنتم إذا رددتم كلامه في هذا الباب قلتم: ليس بمعصوم. وهذا حق، لسنا نعصمه. لكنّ السؤال:
مَن تَبِعتم من أهل العلم في مخالفة ابن تيمية هنا؟ ومن سبقكم إلى القول بأن الخطّابي جهمي؟ ومن سبقكم إلى تجهيم النووي؟ ومن سبقكم إلى تكفير السبكي، وقد عاصره ابن تيمية وناظره وردّ عليه ولم يكفّره؟ ومن سبقكم إلى تكفير السيوطي؟
سمّوا لنا إمامًا واحدًا. فإن لم تجدوا، فقد قال الإمام أحمد: «إياك أن تتكلم في مسألةٍ ليس لك فيها إمام».
ثم أنتم مُلزَمون بأمرٍ آخر: حرّروا لنا الضابط الذي به تُخرجون العالم من السنة. فالأصل في علماء أهل السنة ورواة الحديث أنهم من أهل السنة. فما الضابط الذي به يخرج أحدهم؟ اذكروه والتزموه، ونحن نُلزمكم به في من تعظّمونه أنتم.
وجِماع الأمر
هجرُ أحمد كان تأديبًا لا إسقاطًا للإمامة. والدليل أن الأمة رَوَت عن المهجورين، وعدّتهم في الكبار، وبقيت كتبُهم في أيدي الناس إلى اليوم. ولو كان الهجر إسقاطًا لسقطت طبقةٌ من طبقات الإسناد وانقطع بها الدين.
فأنت بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن تُعمل أصلك فتُسقط هؤلاء الأئمة الكبار، فتُسقط معهم أسانيد كثيرة من كتب السنة. وإما أن تستثنيهم، فتكون قد أعملتَ قاعدة أهل السنة التي تُنكرها علينا في النووي وابن حجر والسيوطي وأبي حنيفة.
وأمرٌ أخير: هذه النقول كلها من «مناقب الإمام أحمد» لابن الجوزي. وابن الجوزي إمامٌ عندنا، فلا أدري أأخرجتموه من الإمامة أم لا. فإن أخرجتموه فقد أخرجتم معه الكتابَ الذي منه تحتجّون بمواقف أحمد.
