دعوى أن النووي وابن حجر أشعريان يُبدَّعان ويُحذَّر منهما
نصّ الشبهة
كان محمد بن شمس الدين قبل انتكاسه يقول: «كلُّ من ناقش الأشعرية وجد أنهم إذا كانوا في مأزقٍ استشهدوا على صحة نِحلتهم بأن النووي وابن حجر منهم. إذًا الذي عدّ النوويَّ وابنَ حجر من الأشعرية هم الأشعرية». وعدّ ذلك من علامات هشاشة مذهبهم، وقال: «تشبّثُهم برجلين نقضا أصلًا كبيرًا من أركان النِّحلة الأشعرية وهو الكلام النفسي، في هذا دلالةٌ على هشاشة هذه النحلة ومخالفتِها للدين».
ثم انقلب على ذلك كلِّه، فصار يطعن في الإمامين بأنهما أشعريان، ويسوّغ تبديعهما والتحذير منهما، ويسمّي النوويَّ «القُمَلي» تنقّصًا. ثم تراجع أيضًا عن كون الكلام النفسي نِحلةً أشعرية، فقال به واستدلّ له بأدلة الأشعري نفسِها.
وهذا هو الأصل الذي يُبنى عليه: أن العالِم إذا وافق الأشاعرة في مسألةٍ من مسائل الصفات صار منهم، فيُبدَّع ويُحذَّر منه وتُهجَر كتبه. وقد صار هذا الأصل يُلقى على العوام في السيوطي والنووي وابن حجر جميعًا.
كلامُه الأول من مقالٍ منشور له قبل انتكاسه، وطعنُه الأخير في مقاطعَ مصوَّرة منشورة له.
ما لا نداهن فيه
للنووي ولابن حجر رحمهما الله أخطاءٌ في مواضع من باب الصفات، تأوّلا فيها ما لا يجوز تأويله. وهذا خطأٌ نقوله ولا نكتمه، ولا نتابعهما عليه، ونبيّنه لطلبة العلم حتى لا يُغترّ به. وبيانُ الخطأ واجب، والسكوت عنه خيانةٌ للأمانة.
فالنزاع ليس في وقوع الخطأ. النزاع في أمرين: هل صار الرجل بذلك أشعريًّا؟ ثم هل يترتب عليه التبديع والهجر وإسقاط الكتب؟
الشهادة العلمية التي لا تُردّ
هناك رسالة دكتوراه محكَّمة من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بعنوان «منهج الإمام النووي في أصول الدين»، أعدّتها منيرة بنت حمود بن سعد، بإشراف الأستاذ الدكتور عبد الرحمن بن صالح المحمود، صاحبِ كتاب «موقف ابن تيمية من الأشاعرة». وليس في الأرض من يُتّهم بالتساهل في هذا الباب أقلَّ من صاحب ذلك الكتاب، ولا جامعةٌ يُتّهم بحوثُها بمجاملة الأشاعرة أقلَّ من تلك الجامعة.
وخلصت الرسالة إلى أربع نتائج:
الأولى: لم يكن الإمام النووي أشعريَّ المذهب، لا في جزئيات العقيدة ولا في كلياتها، وإنما وافق الأشاعرة في مسائل وخالفهم في مسائل أخرى من أصول مذهبهم.
الثانية: كان ذابًّا عن السنة، محبًّا للسلف، مفضّلًا لمذهبهم وطريقتهم في العقيدة، وله في ذلك كلامٌ صريح واضح.
الثالثة: كان ذامًّا للبدعة، مبغضًا للمبتدعة، محذّرًا من مذهب أهل الكلام، وله في ذلك كلامٌ صريح واضح.
الرابعة: قولُه «أصحابنا المتكلمون» لا يقصد به علم الكلام المحذور. ونظيرُه أن الذهبيَّ استعمل هذه العبارة، ووصف بعض علماء السنة بأنه «من متكلّمي أهل الحديث»، وهو موجودٌ في كلام ابن تيمية وابن القيم. وقد وافق ابن عثيمين النوويَّ على تفصيله في علم الكلام عند الحاجة، في شرحه لمقدمة «المجموع».
وهذا هو الميزان الأصل في معرفة الرجل: أن يكون الأصل عنده التلقّي عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وأن يكون محبًّا للسلف معظّمًا لطريقتهم. فمن كان كذلك ثم زلّت قدمه في مسائل فهو من أهل السنة أخطأ، لا من الفرقة المخالفة.
وأنت الذي كنتَ تقول هذا وتحتجّ به
وهذا هو موضع العَجَب. فقد كنتَ تقرّر أن نسبة النووي وابن حجر إلى الأشاعرة هي صنيعُ الأشاعرة أنفسِهم، وأنهم يلجؤون إليها عند المأزق، وأن ذلك دليلٌ على هشاشة نحلتهم. وهذا كلامٌ صحيح في نفسه، ووصفَ العلماءُ هذه الطريقةَ بأنها عادةُ السبكي، حتى لو استطاع أن يقول إن الشافعي كان أشعريًّا لفعلها.
فلما انتكستَ، صرتَ أنت تصنع للأشاعرة ما عجزوا عن صنعه لأنفسهم. فإن مقام النووي وابن حجر معلوم، فإذا نُسب هذان الإمامان إلى الأشعرية كان في ذلك تقويةٌ لمذهبهم على أهل السنة. فأنت اليوم تقوّي الأشاعرة بيدك من حيث تظنّ أنك تنصر السنة.
وأشدُّ من ذلك: أنت وقعتَ فيما رميتَهما به
كنتَ تقول إن النووي وابن حجر نقضا أصلًا كبيرًا من أركان النحلة الأشعرية وهو الكلام النفسي، وجعلتَ ذلك حجةً على الأشاعرة. وهذا صحيح، بل نقضا كثيرًا من أصولهم.
ثم تراجعتَ عن هذا كلِّه، فقلتَ أنت بالكلام النفسي، واستدللتَ له بالأدلة نفسِها التي استدلّ بها الأشعري.
ومعلومٌ أن أول من ابتدع لفظ «الكلام النفسي» هم الكلّابية، وتبعهم الأشعرية، فهو أصلٌ من أصول مذهبهم. فأجرِ قاعدتك على نفسك: إن كانت موافقةُ الأشاعرة في مسألة تُصيّر الرجل أشعريًّا، فأنت أولى بالوصف من رجلين نقضا الأصل الذي أثبتَّه أنت.
ونحن لا نقول ذلك ولا نرضاه؛ فإن لازم المذهب ليس بمذهب. وإنما نسوقه لتعلم أن الميزان الذي صنعتَه لا يحتمله صانعُه.
ولو سلّمنا لك بأصلك للزمك ما لا تحتمله
فإن الأشاعرة لا يقفون عند النووي وابن حجر. فلو سلّمتَ لهم أن كل من وافقهم في مسألةٍ فهو منهم، لاضطُررت إلى التسليم بأن الخطيب البغدادي منهم، والخطّابي منهم، والحاكم صاحب «المستدرك» منهم، وهكذا حتى تُسلَّم لهم قرونٌ من أعلام أهل الحديث.
والعبرة بالأصل العام: الانقيادُ للنبي صلى الله عليه وسلم، والأخذُ بالكتاب والسنة وأقوال السلف، وتعظيمُ السلف وتوقيرُهم لا الإعراضُ عنهم.
ولا بدّ عند الكلام على الأشاعرة من التفريق بين طبقتين: الأشعرية المتكلمة المتفلسفة التي أصلُها تقديم العقل على النقل، والأشعرية الأثرية التي تعظّم الكتاب والسنة وتعتمد أقوال الصحابة. فضلًا عمن ليس أشعريًّا أصلًا وإنما وافقهم في بعض المسائل، وهذا حال النووي وابن حجر.
فتوى اللجنة الدائمة في هذه المسألة بعينها
وليس هذا اجتهادًا منّا. فقد سُئلت اللجنة الدائمة سؤالًا هو نصُّ ما نحن فيه: ما موقع تتبّع عورات العلماء من الشرع بدعوى التحذير من زلّاتهم؟ مع العلم أن هذا العمل يقوم به طلبةُ علم، يحذّرون العوام من علماءَ أجلّاء كالسيوطي بدعوى أنه أشعري.
فأجاب ابن باز وصالح الفوزان وابن غديان وعبد العزيز آل الشيخ وبكر أبو زيد:
العلماء ليسوا معصومين من الخطأ، كما في الحديث: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجرٌ واحد»، ولا ينقص ذلك من قدرهم ما دام قصدُهم التوصّل إلى الحق، ولا تجوز الوقيعة في أعراضهم من أجل ذلك. وبيانُ الحق والتنبيهُ على الخطأ واجبٌ مع احترام العلماء ومعرفة قدرهم... والعلماء الكبار مثل السيوطي وغيره يُنبَّه على أخطائهم ويُستفاد من علمهم، ولا يُهجرون بالكلية... ولهم فضائلُ تغطّي على ما عندهم من أخطاء، لكن الخطأ لا يُقبل منهم ولا من غيرهم.
«فتاوى اللجنة الدائمة».
وقد يتعلّق متعلّق بقولهم في الفتوى: «إلا ما كان مبتدعًا أو مخالفًا في العقيدة فإنه يُحذَّر منه إن كان حيًّا ومن كتبه التي فيها أخطاء». فيقال: هذا ينطبق على من ثبتت عليه البدعة وتكلّم فيه أهلُ العلم بالتبديع والتضليل، لا على من زعم بعضُ الجهال أنه مبتدعٌ لمخالفاتٍ وقع فيها. والدليلُ أن اللجنة ذكرت السيوطيَّ بعينه في السؤال، ثم أدرجته في الشقّ الثاني فقالت: «والعلماء الكبار مثل السيوطي وغيره». فلو كان داخلًا في الاستثناء لما قالوا فيه ذلك.
وابن باز يسمّيه الإمام
قال ابن باز في «مجموع الفتاوى»: «وقد ذكر الإمام السيوطي رحمه الله كفرَ من جحد السنة في كتابه المسمى مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة»، ثم ساق نصّه: «اعلموا رحمكم الله أن من أنكر كون حديث النبي صلى الله عليه وسلم، قولًا كان أو فعلًا، بشرطه المعروف في الأصول، حجةً - كفر، وخرج عن دائرة الإسلام، وحُشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة».
وجاء في «الدرر السنية في الأجوبة النجدية»: «ما قاله الإمام الحافظ السيوطي».
فإذا كان هذا موقفَهم من السيوطي، وقد قال جماعةٌ من أهل العلم إنه كان أشعريًّا، فكيف بالنووي وابن حجر ولم تثبت لهما النسبة أصلًا؟
الإلزام القاصم: هشام بن عمّار
ونحن لا نطيل. نضع بين يديك رجلًا واحدًا، فإن أجبتَ فيه بجوابٍ استقام لك الباب كله، وإن عجزتَ سقط أصلك.
هشام بن عمّار، خطيب دمشق، حدّث عن كبار أهل العلم وحدّث عنه الكثير. سُئل عنه الإمامُ أحمد، وقد بلغه أنه قال بقول اللفظية في القرآن، فقال: «أعرفه طيّاشًا... هذا قد تجهّم». وبلغه أنه قال في خطبته: «الحمد لله الذي تجلّى لخلقه بخلقه»، فقال: «هذا جهمي، إن صلّوا خلفه فليعيدوا الصلاة». انظر «ميزان الاعتدال» و«السنة» للخلال (رقم 2096).
ثم انظر ماذا قال فيه الذهبي: «الإمام، الحافظ، العلامة، المقرئ، عالم أهل الشام». وهو من رجال البخاري في «الصحيح».
فأعمِل قاعدتك: أتكفّره؟ وأنتم تدّعون أن كل من قال فيه الإمام أحمد «جهمي» فهو كافرٌ عينًا، وأنكم تكفّرون الجهمية بأعيانهم. فإن كفّرتَه، فماذا تصنع برواياته في «صحيح البخاري» وسائر كتب السنة؟ وإن لم تكفّره فقد أعملتَ التفصيل الذي تحرّمه علينا.
وإن قلت: قد تاب - قلنا: أكان قبل توبته كافرًا؟ فإن قلت نعم لزمك ردُّ ما رواه قبلها، وإن قلت لا فقد قلتَ بقولنا.
وابن تيمية يفصّل حيث أطلق الإمام أحمد
ولم يكن الجواب عن هذا مما ابتدعناه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى»:
المنصوص الصريح عن الإمام أحمد وأعيان أصحابه وسائر أئمة السنة والحديث: لا يقولون عن التلاوة مخلوقةٌ ولا غيرُ مخلوقة، ولا يقولون التلاوة هي المتلوّ مطلقًا ولا غير المتلوّ مطلقًا، كما لا يقولون الاسم هو المسمّى ولا غير المسمّى.
وبيّن العلة: أن لفظ «التلاوة» و«القراءة» و«اللفظ» مُجمَل؛ فقد يُراد به المصدر، وهو فعلُ العبد وحركاتُه، وهذا مخلوق. وقد يُراد به المفعول، وهو المتلوُّ المقروء المسموع، وهو كلام الله غيرُ مخلوق. فلمّا احتمل الأمرين لم يجز إطلاق الخلق عليه ولا نفيُه.
فانظر: الإمام أحمد أطلق في زمن الفتنة كلمةً ردعًا للجهمية، وابن تيمية جاء بعد استقرار الأمر ففصّل. فمن أخذ بالإطلاق وحده لزمه تجهيمُ جماعةٍ من علماء أهل السنة، ومن فصّل أعمل الشروط والموانع.
وقاعدةُ ابن تيمية في هذا نصٌّ في محلّ النزاع: ليست كلُّ كلمةٍ أطلقها أحدٌ من السلف على من قال قولًا أو فعل فعلًا، تنطبق على كل من قاله أو فعله؛ بل لا بدّ من استيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
وقتُ الفتنة غيرُ وقت التحقيق
وهذا أصلٌ يُغني عن نصف الجدل في هذا الباب. فالعالِم عند ظهور البدعة يشتدّ في ردّها ويُطلق ما يردع، ولا يفصّل خشية أن يتّخذ أهلُ البدعة التفصيل ثغرة.
خذ مثالًا: لو كنتَ في مجتمعٍ يريد أهلُه تكفير الزناة بقوله صلى الله عليه وسلم «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»، فإنك تدفع عن الزاني الكفرَ وتقول: هو مسلمٌ عاصٍ، والمكفِّرون بالمعصية هم الخوارج. وليس دفاعُك عنه دفاعًا عن الزنا؛ فالزنا عندك فاحشةٌ وكبيرةٌ يُقام بها الحدّ.
ولو كنتَ في مجتمعٍ فشا فيه الزنا لأطلقتَ اللفظ ولم تفسّره، فقلت: الزاني ليس بمؤمن، ردعًا للناس.
ثم يجيء وقت التحقيق فيقال: نفيُ الإيمان هنا نفيُ كماله الواجب لا نفيُ أصله. فمن أخذ الإطلاق في غير موضعه أفسد من حيث أراد الإصلاح.
وأثر معاذٍ يجمع الباب كلَّه
قال معاذ بن جبل رضي الله عنه:
أحذّركم زيغةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمةَ الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافقُ كلمةَ الحق.
وفي الرواية الأخرى: «ولا يُنئينّك ذلك عنه». رواه أبو داود، وصحّح إسنادَه الألباني موقوفًا، وهو في «جامع العلوم والحكم».
فتأمل كيف جمع الأمرين في نَفَسٍ واحد: احذر الكلمة، ثم لا تدعها تُبعدك عن الرجل. فالكلمة تُردّ ولا تُقبل، والرجل يبقى على مرتبته لا يُهجر ولا يُسقَط. وهذا هو الذي عجز عنه القوم، فإنهم لم يقدروا أن يردّوا الكلمة إلا بإسقاط قائلها.
وجِماع الأمر
النووي رجلٌ على جادّة أهل السنة، يعظّم السلف ويأخذ بأقوالهم، ويردّ على المبتدعة وينهى عن البدعة، ثم زلّت قدمه في مسائل. وابن حجر كذلك، والسيوطي كذلك، وهم جميعًا من العلماء الكبار.
فنحذّر من الخطأ، ونبيّنه، ونردّ الباطل - مع حفظ أقدارهم وعدم إنزالهم عن مرتبتهم. وقد قامت على هذا قاعدتان يقوم بهما الدين: حفظُ الشريعة، وحفظُ حَمَلة الشريعة. فالشريعة تُحفظ ببيان الحق وردّ الباطل، وأعراضُ حملتها تُحفظ بأن يُثنى عليهم ويُبيَّن خطؤهم مع توقيرهم.
ومن أبى إلا التبديع، فأمامه هشام بن عمّار. فليجب فيه أولًا، ثم ليتكلم في النووي.
